مع استمرار الحرب الأمريكية ضد إيران من دون أفق واضح لنهايتها، يتصاعد في الولايات المتحدة جدل حول ملف رافق حربيْ العراق وأفغانستان طويلا، وهو إصابات الدماغ الرضية (TBI) التي يتعرض لها الجنود في ساحات القتال، ولا تخلّف دائما جرحا ظاهرا، لكنها قد تلاحق أصحابها سنوات طويلة.
فبحسب تصريحات علنية لمسؤولين عسكريين أمريكيين نقلتها وكالة أسوشيتد برس، فقد أُصيب نحو 700 عسكري أمريكي في هجمات بالمسيّرات والصواريخ التي استهدفت قواعد في الشرق الأوسط، وفي معارك أخرى. وتعرّض معظم هؤلاء لإصابات دماغية رضِّية، ثم عادوا إلى الخدمة.
وكان المتحدث الرئيسي باسم وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون) شون بارنيل قد وصف -الشهر الماضي- الغالبية العظمى من الإصابات المسجلة خلال أسبوعين بأنها "ارتجاجات طفيفة"، غير أن شهادات محاربين قدامى ومعطيات طبية تشير إلى أن وصف الإصابة بـ"الطفيفة" لا يعني بالضرورة أن آثارها عابرة.
وتروي الوكالة قصة جندي مشاة البحرية الأمريكية السابق جو شيرر الذي كان يقاتل في العراق عام 2005، حين أطاحت به موجة انفجار قذيفة هاون وجعلته يتقيأ.
نهض شيرر حينها وواصل دوريته رغم صداع حادّ. وبعد أشهر، استهدفت عبوة ناسفة رتل مركباته من طراز "هامفي" فاجتاحت موجة الانفجار جسده، ثم لازمه الصداع والأرق أياما.
يقول شيرر: "ما دمتَ قادرا على النهوض والعودة إلى الدورية، فهذا ما كنت تفعله ببساطة".
بعد أكثر من عقدين، صار شيرر (40 عاما) يربط الحادثتين بإصابات دماغية لم تشخَّص إلا مؤخرا، ولا تزال تلاحقه بالدوار والصداع النصفي وحساسية الضوء، وبنسيان مهام يومية ومحادثات مع زوجته وأطفاله.
ولم تترك الحادثتان إصابات ظاهرة، وكان المسعفون يُعطُون الأولوية للجنود الأشد إصابة، وهو ما يعكس صعوبة اكتشاف بعض إصابات الدماغ في ساعاتها الأولى.
تصنف الارتجاجات عادة ضمن إصابات الدماغ الرضِّية "الخفيفة"، ويتعافى كثيرون منها خلال أسابيع. غير أن بعض من تبدو أعراضهم الأولى بسيطة يعانون شهورا أو سنوات من صداع ودوار وصعوبات في الذاكرة والتركيز، وهو ما يسمى أحيانا "ضبابية الدماغ".
والأصعب أن الأطباء لا يملكون وسيلة للتنبؤ بمن ستلازمه الأعراض، وهو التباس أثار جدلا طبيا حول التخلي عن مصطلح "إصابة الدماغ الرضية الخفيفة" أصلا.
وتقول الوكالة إن الضربات المتكررة ترفع احتمالات مشكلات مزمنة، منها مرض تنكسي يعرف بالاعتلال الدماغي الرضِّي المزمن (CTE)، الذي اشتهر بارتباطه بوفيات في دوري كرة القدم الأمريكية ورياضات أخرى.
لذلك يشدد أخصائي رضوض الدماغ في جامعة بيتسبرغ الدكتور ديفيد أوكونكو على ضرورة تعافي المصاب من الارتجاج قبل العودة إلى أي نشاط يعرضّه لإصابة جديدة.
وتنقل الوكالة عن الأستاذ الفخري لعلم الأعصاب في جامعة كولورادو وكبير العلماء الطبيين في مؤسسة "الجروح غير المرئية" الدكتور جيمس كيلي قوله إنه "يمكن لموجة الانفجار نفسها أن تسبب الإصابة. إنها تُحدث ضررا مختلفا على مستوى الخلايا، فالإصابة الناتجة عن الانفجار تختلف عن الإصابة الناجمة عن ضربة مباشرة للرأس".
سياسيا، يطالب مشرعون ديمقراطيون بتحقيق في الرعاية التي تلقاها جنود جرحى بعد ضربة بمسيرة إيرانية في الكويت، أودت بحياة 6 جنود أمريكيين في مستهل الحرب.
وقالت السيناتورة عن ويسكونسن تامي بالدوين التي طالبت الجيش بنشر نتائج تحقيقه في هجوم الأول من مارس/آذار: "تحدثت مباشرة مع أبناء ويسكونسن الذين أصيبوا بإصابات دماغية رضية في حرب الرئيس دونالد ترمب في إيران، ومضت عليهم أسابيع من دون حتى فحص أولي، ناهيك عن رعاية متخصصة".
ورد المتحدث باسم وكالة الصحة الدفاعية بيتر غريفز بأن "السياسة المعتمدة تقضي بإخضاع أفراد الخدمة لفحوص إصابات الدماغ الرضية".
وتأتي هذه المطالب في ظل سجل طويل من الإصابات. فبين عامي 2000 و2025، شُخِّصت حالات أكثر من 500 ألف عسكري أمريكي بهذه الإصابات، واعتُبرت 82% من الحالات خفيفة، ولم تكن جميعها مرتبطة بالقتال.
ويرى خبراء أن الجيش أحرز تقدما في الفحص والعلاج، لكن مدافعين عن المصابين يقولون إن العدد الحقيقي قد يكون أكبر، بسبب تداخل الأعراض مع اضطراب ما بعد الصدمة وحالات أخرى.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة