آخر الأخبار

لم يشتم السياسيون خصومهم؟ ولماذا تحب الجماهير ذلك؟

شارك

عندما وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خصومه بـ"حثالة البشر" و"الحشرات" و"الحيوانات"، بدا ذلك نقيضا للياقة السياسية المفترضة في الساسة الكبار، و"الصوابية" التي تراعي نواميس الدبلوماسية وقواعد الخطاب العام. لكن جولة في مواقع التواصل الاجتماعي، تكشف للمراقب افتتان قطاعات واسعة من الجمهور بهذا النوع من الخطاب الفجّ، حيث يشعر الناس بشكل من أشكال "ألفة البذاءة"، وكأنهم يسمعون كلاما لصديق في مقهى وليس خطابا لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

وليس ترمب في استخدام هذه اللغة المؤذية وحيدا. فقد سبقه إليها رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان، الذي أمضى أكثر من عقد من الزمن في ترسيخ الحكم الشعبوي في المجر من خلال خطاب مواز يوجه فيه الشتائم للنخب المعارِضة وبيروقراطيي بروكسل. أما إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي الإسرائيلي، فقد بنى مسيرته السياسية على الاستثمار في اللغة المبتذلة التحريضية التي ألحقت به إدانات جنائية من جهة، ومن جهة أخرى شعبية واسعة في صفوف اليمين الديني الصهيوني.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 من "باتمان" إلى "الأوديسة".. كيف تقرأ سينما نولان خطايا الغرب؟
* list 2 of 2 عمر لطفي باشا.. كيف أصبح الجندي النمساوي الهارب قائد جيوش العثمانيين؟ end of list

لكن ما يجمع هؤلاء ليس فجاجة القول فحسب، بل توظيف تلك الفجاجة سياسيا، فهي ليست سجية عفوية غالبا، بل مقصودا في ذاته لتحقيق مآرب محددة.

لماذا لا يُعد الابتذال أمرا عرضيا؟

لكن المفارقة أن الشخصيات التي تتبنى هذا النهج لا تكتفي بتجاوز المعايير الأخلاقية، بل تدّعي في الوقت نفسه تجسيد معايير سامية. يُقدّم ترمب نفسه مثلاً كشخصية مُلهَمة تُعيد للبلاد عظمتها، وأحيانا كمخلص يضع نفسه في مقام المسيح. ويُؤطر أوربان مشروعه السياسي بمصطلحات حضارية مسيحية صريحة، مُصورا نفسه كمدافع عن القيم الثقافية لأوروبا في وجه الانحطاط الليبرالي. أما بن غفير، فيستمدّ شرعيته من التقاليد اليهودية التي تُؤطّر العمل السياسي في سياقات مسيانية (Messianic). وربما يتطلب فهم هذه المفارقة تجاوز سطح خطابهم، والغوص في الشروط البنيوية والنفسية التي تجعله مؤثرا.

إعلان

رغم اتساع الخلاف حول تعريف جامع مانع للشعبوية، إلا أن أغلب الباحثين متفقون على كونها خطابا يرى المجتمع منقسما إلى مجموعتين متناحرتين. فمن جهة هناك "الشعب النقي"، وفي الجهة المقابلة "النخبة الفاسدة". وبحجة أن السياسة يجب أن تكون تعبيرا عن الإرادة العامة للشعب، فإن أساس الصراع "أخلاقي"، وليس سياسيا أو قوميا أو طبقيا. فالتمييز بين "الشعب" و"النخبة" ليس اقتصاديا أو وظيفيا في المقام الأول، بل أخلاقيا. وهذا يخلق تفاعلا مختلفا، لأنه طالما كنت "نقيا" وكان الآخر "فاسدا"، فإن التنازل يؤدي إلى فساد النقي. فالفاسدون ليسوا خصوما حقيقيين لبعضهم.

"في الخطاب الشعبوي، التمييز بين الشعب والنخبة ليس اقتصاديا أو وظيفيا، بل أخلاقيا"

ولهذا البناء الأخلاقي آثار عميقة على الخطاب. فإذا لم يكن الخصوم السياسيون مخطئين فحسب، بل فاسدين أيضا، فإن معاملتهم باللباقة والاحترام اللذين تتطلبهما الصوابية السياسية المعتادة يعتبر خيانة صريحة للأخلاق والقيم. وبالتالي تصبح إهانة الفاسدين نوعا من الوضوح الأخلاقي، وتصبح الفظاظة هي اللغة المناسبة لوصف هؤلاء. وهذا المنطق يفسر سبب وصف ترمب لمعارضيه بأنهم "حشرات"، ذلك أن نزع الإنسانية عن الخصوم هو اللبنة التي تمهد الطريق للعنف بمختلف أشكاله المادية والرمزية.

فضلا عن ذلك، فإن توظيف فاحش القول في وصف الخصوم يعد دليلا على أن السياسي الشعبوي ينأى بنفسه عن معايير السياسة، ويظهر نفسه بمظهرٍ أكثر أصالة وشعبية من السياسيين المرتبطين بمعايير النخب العليا والصوابية السياسية. فباستخدام لغة لا تجرؤ النخبة على استخدامها، كالشتائم البذيئة والألفاظ النابية والنعوت المُهينة، يُشير الزعيم الشعبوي إلى تحرره من القيود المعيارية للنخبة، وتضامنه مع ثقافة شعبية لطالما استَخدمت هذه اللغة بحرية.

لذلك يؤدي خطاب الابتذال السياسي وظيفة محددة فيما يتعلق بالجدل العقلاني ومعايير الديمقراطية التداولية. فمن خلال انتهاك قواعد النقاش العقلاني بشكل منهجي، ومن خلال إحلال الإهانة محل الحجة، يُجرّد السياسي المبتذل الإطار الذي يُمكن من خلاله انتقاد أفعاله. فكل نقد موضوعي يُمكن رفضه باعتباره دليلا على فساد الناقد أو تحيّزه أو ادعائه الفكري. وهذا ما أشارت إليه باكرا حنة أرندت، في سياق مختلف، كإحدى السمات المميزة للحركات الشمولية، وهو التدمير المتعمد للإطار المعرفي المشترك الذي يُتيح النقاش السياسي.

"توظيف فاحش القول في وصف الخصوم يعد دليلا على أن السياسي الشعبوي ينأى بنفسه عن معايير السياسة التقليدية"

وتتسم هذه الوظيفة أيضاً بطابع أدائي، فالإهانة لا تقتصر على وصف الخصم بـ"الحشرة" أو "القمامة"، بل تُجسّد علاقة اجتماعية محددة، واضعة الخصم في موقع التبعية والمتحدث في موقع الهيمنة. ويشارك الجمهور الذي يضحك على الإهانة، بشكل غير مباشر، في هذه الهيمنة، حيث يعيش لحظة انقلاب رمزي للتسلسلات الهرمية السائدة. وبهذا المعنى، لا تُعدّ الإهانة مجرد تواصل، ولكنها طقس جماعي واحتفال بالانقلاب يُعلي من شأن الشاتم ويُحطّ من قدر من تلقوا الإهانة.

مصدر الصورة أوربان كان يؤطر مشروعه السياسي بمصطلحات حضارية مسيحية صريحة، مصورا نفسه كمدافع عن القيم الثقافية لأوروبا في وجه الانحطاط الليبرالي (أسوشيتد برس)

ثأر الخاسرين

لكن السؤال الذي تخلقه هذه المفارقة هو لماذا يتمتع هؤلاء الذين يستثمرون في الابتذال وفاحش القول بشعبية كبيرة ويكسبون الانتخابات؟

إعلان

في عام 2024، نشر عالم السياسة الإيطالي، كارلو إنفرنيزي أتشيتي، كتابا بعنوان "20 عاما من الغضب" يشير في أطروحته المركزية إلى فكرة بسيطة بقدر ما هي بعيدة المدى، وهي ضرورة فهم العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، لا من خلال عدسة الأفكار أو الأيديولوجيات، بل من خلال عدسة المشاعر، وتحديدا من منظور الغضب.

فمن حركة "لا للعولمة" في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، إلى احتجاجات مناهضة التطعيم خلال الجائحة، ومن حركة "احتلوا وول ستريت" إلى حركة "المستائين" الإسبانية، والتصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب دونالد ترمب، وحركة "السترات الصفراء" الفرنسية، والهجوم على مبنى الكابيتول، هناك خيط مشترك هو الغضب المتراكم تجاه المؤسسات السياسية. للوهلة الأولى، يبدو ذلك عديم الصلة بمعاجم الشتيمة السياسية السائدة. ولكن أطروحة أتشيتي تقدم في النهاية تفسيرا لتلك الصلة غير المرئية.

"معظم الحركات الاحتجاجية خلال العقدين الأخيرين تشترك في لغة عاطفية واحدة"

بحسب أتشيتي فإن هذه الحركات المتنوعة للغاية، والتي تضم مشاركين من اليسار واليمين، وعلمانيين ومتدينين، ومهمشين اقتصاديا وميسورين نسبيا، تشترك في لغة عاطفية واحدة. ففي معظم الحالات، كانت هذه الحركات انفجارات من الهيجان النشط كرد فعل لما اعتبره الأفراد المعنيون إهانة لوضعهم الاجتماعي وكرامتهم. واتخذت الردود شكل أعمال تدميرية، وغالبا ما كانت تدميرية للذات، دون هدف ملموس واضح. وما كان جلياً في المقابل هو البعد الاستعراضي الذي يهدف إلى كشف حالة من عدم الرضا عن النظام الاجتماعي السائد.

مصدر الصورة يرى أتشيتي أن الغضب المعاصر ينبع من شعور واسع النطاق بانعدام التقدير الاجتماعي (أسوشيتد برس)

والأهم من ذلك، فإن أتشيتي يرفض التفسير الاستخفافي. فهو يرى أن اختزال الغضب المعاصر إلى مجرد انفعال غير عقلاني أو جهل هو خطأ تحليلي وسياسي في آن واحد، بل هو شكل من أشكال الازدراء الموجه نحو هذه الجماهير، وهذا الازدراء يُعمّق الاغتراب الحاصل بين الجماهير والنخبة التي تقوم بالتحليل، أي أن الازدراء نفسه يعمق الاغتراب الذي يسعى إلى تفسيره. وللخروج من هذه الدوامة التي وقعنا فيها، لا بد من فهم أسبابها.

يعتقد أتشيتي أن الغضب المعاصر ينبع من شعور واسع النطاق بانعدام التقدير الاجتماعي، أي من الإذلال الناجم عن تصور أن هناك نوعا من الحط من المكانة الاجتماعية أو الإساءة إلى الهيبة الاجتماعية لشرائح واسعة من السكان. وعلى الرغم من مستويات الرفاه المادي والحرية الفردية غير المسبوقة في كثير من النواحي، فإن مجتمعات اليوم تفشل في توفير شعور كاف بالكرامة لمختلف فئاتها الذين يجمعهم إحساس مشترك بالإذلال أو الحط من المكانة الاجتماعية. ولهذا السبب يغضبون، مطالبين بالمكانة حتى قبل المنافع المادية أو الحقوق القانونية.

"مجتمعات اليوم تفشل في توفير شعور كاف بالكرامة لمختلف فئاتها الذين يجمعهم إحساس مشترك بالإذلال"

وهنا يختلف تحليل إنفرنيزي أتشيتي بشكل واضح عن التفسيرات الاقتصادية للشعبوية؛ فالظلم المُعبَّر عنه لا يتعلق في المقام الأول بالأجور أو الأمن الوظيفي، مع أن هذه العوامل تُشكّل أساسه المادي، بل يتعلق بالكرامة، أي بالشعور بأن المرء يُرى ويُحترم ويُقدَّر كعضو كامل في المجتمع الإنساني والسياسي. ذلك أن السياسة المعاصرة أصبحت، قبل كل شيء، سياسة الظهور والاعتراف، حيث لا يكمن جوهر المسألة في توزيع الموارد المادية، بل في توزيع الكرامة الرمزية. فأتشيتي يعتقد أن "الجماعات" المختلفة التي تملأ الحياة السياسية المعاصرة ليست طبقات بالمعنى الماركسي التقليدي، ولا جماعات مصالح بالمعنى الرأسمالي، بقدر ما هي مجتمعات تجمعها تجربة مشتركة تتمثل في كونها تُعتبر أدنى شأنا.

مصدر الصورة أتشيتي يرى أن اختزال الغضب المعاصر إلى مجرد انفعال غير عقلاني هو خطأ تحليلي وسياسي، بل هو شكل من أشكال الازدراء الموجه نحو الجماهير (الأناضول)

ربما يعبر مصطلح "الخاسرون" الذي وضعه الفيلسوف الألماني بيتر سلوترديك عن هذه الجماعات بشكل واضح. يرى سلوترديك في كتابه "الغضب والزمن"، أن "الخاسر" هو أحد اختراعات الحداثة. ففي المجتمعات ما قبل الحديثة، كان يُنظر إلى الفشل نظرةً قدرية أو دينية، باعتباره سوء حظ أو إرادة إلهية أو صدفة سيئة. أما الحداثة، بأيديولوجيتها القائمة على الجدارة والتنافس، فقد جعلت من الخسارة نتيجة من نتائج منطق التنافس.

إعلان

نتيجة لذلك، باتت الحركات السياسية الأيديولوجية مؤسسات تدير مشاعر الغضب القومي أو الطبقي للجماهير وفقا لمصفوفتها الفكرية، أي تقوم بتحويل ذلك الغضب إلى فكرة. أما الحركات الشعبوية فإنها تحافظ على ذلك الغضب وتستثمر في "الخاسر" الذي جُرحت كبرياؤه وكرامته، وظل مفتقراً إلى القدرة البطولية على تحويل هذا الجرح إلى عمل مثمر. وبدلا من ذلك، تتحول طاقة الخسارة إلى استياء لتنتج رد فعل سلبي عدواني موجه نحو أولئك الذين "انتصروا". وقد وجد هؤلاء الخاسرون في السياسي المبتذل الذي يعبر عن غضبهم بالشتائم وفاحش القول، الميكروفون البشري لغضب عاجز عن التعبير عن نفسه بصورة أخرى.

"مهمة السياسي الشعبوي الدائمة هي الأداء الخطابي وتضخيم الغضب الذي أوصله إلى السلطة في قوالب كلامية مبتذلة"

ولذلك يزدهر السياسي المبتذل في هذه البيئة تحديدا، فوظيفته الرئيسية ليست الحكم بل الأداء الخطابي، وليست حل المشكلات وتحقيق إنجازات لهؤلاء بل تجسيد وتضخيم الغضب الذي أوصله إلى السلطة في قوالب كلامية نابية ومبتذلة، ليثأر لهم من الصواب السياسي ونخبه الليبرالية. وهذا "الانتقام الوهمي" من "السادة" يزيد التفاعل مع تلك القوالب المبتذلة، ويجعل من المقولات الفجة شكلا من أشكال العزاء.

وتُقدّم دراسات الشخصية السلطوية التي بدأها الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو وزملاؤه في مدرسة فرانكفورت في منتصف القرن العشرين، وصقلتها أعمال عالم النفس الكندي بوب ألتمير حول السلطوية اليمينية، إطارا نفسيا آخر يمكن أن يفسر سر تعلق الجمهور بنموذج السياسي المبتذل.

فالاعتقاد بأن العالم مكان خطير وغير مستقر ومهدد بطيعته يُغذي الدافع نحو الأمن والاستقرار الجماعيين من خلال الحفاظ القسري على النظام الاجتماعي التقليدي. وتمتزج هذه النظرة الخطيرة للعالم، المكتسبة من خلال التجارب المبكرة والتنشئة الاجتماعية، بسمات شخصية تُهيئ الأفراد للامتثال الاجتماعي. لذلك يجد الكثير من الأفراد في القادة السياسيين الذين يتحدثون بأسلوب مبتذل، ويهينون خصومهم، إشباعا عاطفيا. فهم يؤكدون قوة القائد وتماسك الجماعة وصواب معاقبة الجماعات الأخرى.

"يجد الكثير من الأفراد في القادة السياسيين الذين يتحدثون بأسلوب مبتذل، ويهينون خصومهم، إشباعا عاطفيا"

في المقابل، يستغل القادة السلطويون، في لهجتهم ومضمون خطاباتهم، مشاعر الغضب لدى جمهورهم بشكل مكثف لكسب تأييدهم. ويهدف هذا النوع من التواصل إلى تصعيد مشاعر التهديد التي تعزز الغضب. لذلك تبدو الفظاظة بالنسبة للتابع السلطوي، علامة على القوة، أي قوة تجاوز الأعراف دون عقاب، وقول ما يحظره المجتمع الراقي، والسيطرة على الخطاب العام، ودليل على قائد متحرر من القيود التي تحاول النخبة فرضها على الجميع.

مصدر الصورة يقدم ترمب نفسه كشخصية مُلهَمة تُعيد للبلاد عظمتها، وأحيانا كمخلصٍ يضع نفسه في مقام المسيح (الأوروبية)

كيف صُنعت الخسارة؟

إذا كان الغضب وتمجيد الابتذال السياسي ينبعان من ثأر الخاسرين، فإن الخسارة نفسها هي حصيلة عقود من سيادة الليبرالية الجديدة (Neoliberalism) كنهج ينظم حياة الناس ووجودهم. ويقدم علم اجتماع الطبقة والسلطة الرمزية الذي أسسه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أدوات يمكن أن تفسر مكمن الخسارة بوجهيها المادي والمعنوي.

يرى بورديو أن عدم المساواة الاجتماعية تعمل في آن واحد على مستويين، المادي وكل ما يتعلق بالدخل والثروة والوصول إلى الموارد، والمستوى الرمزي، المتعلق بالمكانة، والشعور بالتقدير والاحترام من قبل المجتمع. ويصف العنف الرمزي كنوع من العنف غير المادي يتجلى في تفاوت القوة بين الجماعات الاجتماعية، وهو التفاوت الذي غالبا ما يكون متفقا عليه ضمنيا من قبل الطرفين، ويتجلى في فرض معايير الجماعة التي تمتلك سلطة اجتماعية أكبر على معايير الجماعة الخاضعة في كل مناحي الحياة من القانون إلى الذوق الفني.

"يصف بورديو العنف الرمزي بأنه نوع من العنف غير المادي يتجلى في تفاوت القوة بين الجماعات الاجتماعية"

لم يقتصر التحول النيوليبرالي للاقتصادات الغربية على مدى 4 عقود على إنتاج عدم المساواة المادية فحسب، بل أدى أيضا إلى دمار رمزي لحق بفئات اجتماعية بأكملها، ولا سيما الطبقات العاملة الصناعية والطبقات المتوسطة الدنيا في المدن والبلدات الريفية، التي شهدت انهيار وظائفها الاقتصادية وتلاشي مجتمعاتها وتراجع نماذجها الثقافية بفعل اقتصاد المعرفة الجديد وقيمه العالمية.

إعلان

وفي ظل الإطار السائد حاليا من النيوليبرالية والفردانية والمسؤولية الذاتية، غالبا ما يدفع العنف الرمزي الناس إلى لوم أنفسهم ظلما على معاناتهم، بينما يُحجب دور المجتمع. وهذا التقارب البنيوي في الأفكار بين إنفرنيزي أتشيتي وبورديو مفهوم، فكلاهما يُرجع مصدر الغضب السياسي إلى التهميش الرمزي، الذي تراكم لدى المجتمعات عبر الأجيال. فالناس لا تتبنى ببساطة وجهات نظر سياسية عدائية ومحورية حول الإنسان لمجرد معاناتهم من هشاشة اقتصادية، بل يتبنون مواقف شعبوية إذا ما نُظر إلى ضعفهم من منظور تهديد لمكانتهم الجماعية، وفُهم على أنه نتاج مجتمع ظالم يشعرون فيه بالعجز عن تغيير ظروفهم.

فما حدث على مدى 40 عاما من النيوليبرالية، هو عملية إعادة تصنيف شاملة للجماعات الاجتماعية، من خلال إعادة تنظيم للتسلسل الهرمي للاعتراف الرمزي والمكانة الثقافية، مما أدى إلى تهميش مجتمعات بأكملها من مواقع المكانة الاجتماعية إلى مواقع الوصم الثقافي. فالعامل الصناعي والمزارع الصغير والمتدين التقليدي، كانوا جميعا في يوم من الأيام الركيزة الأخلاقية لمجتمعاتهم، محتفى بهم في الميثولوجيا الوطنية ومندمجون في مؤسسات جماعية قوية منحتهم القدرة على التأثير والمكانة.

"ما حدث على مدار 40 عاما من النيوليبرالية، هو عملية إعادة تصنيف شاملة للجماعات الاجتماعية"

لكن النيوليبرالية قامت بتفكيك تلك المجتمعات، فيما قللت العولمة من شأن وظائفها الاقتصادية، وأعادت الثورة الثقافية للطبقة المهنية الحضرية المتعلمة تقييم التسلسل الهرمي الرمزي بأكمله بطرق جعلت هذه المجتمعات لا تشعر فقط بالفقر، بل بالدونية أيضا، فهي إما محتقرة أو محل سخرية أو في أحسن الأحوال مدار للشفقة من قبل المؤسسة الثقافية الجديدة. وتمثل هذه الدونية المادة الخام الاجتماعية للابتذال السياسي.

فعندما يتحدث سياسي بفظاظة، ويهاجم خصومه ويحط من قدر المثقفين، ويسخر من خصائص الخطاب "المُهذّب سياسيا"، ويُعلي من شأن الفظاظة على حساب الرقي والتهذيب، فإنه يُحدث انقلاباً رمزيا يراه جمهوره بمثابة تأكيد عميق على قيمته.

مصدر الصورة علماء الاجتماع يرون أن الغضب المعاصر ينبع من شعور الفئات العمالية والريفية بالتهميش وفقدان التقدير الاجتماعي (الفرنسية)

الديناميات النفسية للإهانة

أكثر من ذلك، أدى التواصل السياسي عبر الوسائط الرقمية إلى خلق ظروف تُضخّم الخطاب السياسي المبتذل بشكل كبير. ولذلك فإن كثيرا من القادة الشعبويين يفضلون التواصل مع الجمهور عبر وسائل التواصل، وعلى رأسهم ترمب، حيث تنتهك تغريداته باستمرار معايير التواصل السياسي الرسمي باستخدام الإهانات والسخرية والابتذال. وقد أثبتت هذه الإستراتيجية فعاليتها الانتخابية جزئيا لأنها ولدت تغطية إعلامية مستمرة. ويرتبط هذا التأثير بضعف ضبط النفس في الفضاءات الرقمية، حيث تضعف المعايير الاجتماعية المعتادة التي تُنظّم السلوك.

يُنشئ نموذج أعمال منصات التواصل الاجتماعي الكبرى القائم على تعظيم التفاعل المرتبط ارتباطاً وثيقا بالإثارة العاطفية، ما يُمكن تسميته "اقتصاد الغضب". فالمحتوى الذي يُثير مشاعر سلبية قوية، كالغضب والاشمئزاز والاحتقار، يحظى بنقرات ومشاركات وتعليقات أكثر من المحتوى الذي يُثير ردود فعل إيجابية أو محايدة.

"يُنشئ نموذج أعمال منصات التواصل الاجتماعي الكبرى ما يمكن تسميته اقتصاد الغضب"

وتُعدّ الألفاظ السياسية البذيئة مثالية لهذا الاقتصاد، فالإهانة الصادرة عن شخصية سياسية بارزة تُثير تفاعلاً هائلاً لأنها تُثير ردود فعل عاطفية واسعة النطاق، بين المؤيدين الذين يستمتعون بها والمعارضين الذين يغضبون منها. والنتيجة هي أن الأصوات الأكثر تطرفا وعدوانية، والتي قد لا تشكل سوى جزء ضئيل من الناشطين الفعليين، هي التي تحدد ملامح الثقافة السياسية على الإنترنت.

وتستفيد وسائل الإعلام من الابتذال السياسي، حيث تتداخل الأساليب الشعبوية والإعلامية بشكل واضح، فمنطق الإعلام الجماهيري يعتمد على نقل المعلومات من خلال دراما الصراع الثنائي والتبسيط والخطابات العاطفية مما يُفيد الشعبوية بشكل تلقائي. فالسياسي الذي يتعمد قول شيء مسيء أو بذيء يضمن تغطية إعلامية. وهذا يخلق حافزا عكسيا، فكلما كانت اللغة أكثر تطرفا، زاد الاهتمام بها وزادت أهميتها السياسية المتصورة. ونتيجة لذلك، حتى السياسيون الذين قد لا ينجذبون عاطفيا إلى الابتذال يمكنهم تبنيه كإستراتيجية تنافسية مما يزيد من تطبيع الخطاب المتجاوز للحدود.

ومن السمات المنهجية لإستراتيجية الإهانة الشعبوية أنها تضع ضحاياها في فخ تواصلي. فإذا رد الضحية بعدوانية مماثلة، فإنه يؤكد تصور الشعبوي بأن السياسة السائدة لعبة قذرة وصراعية. أما إذا ردّ بصمت وقور أو توبيخ محسوب، فإنه سيبدو ضعيفا أو منفصلا عن الواقع، أو كأنه ينظر بازدراء إلى مؤيدي الشعبوي.

كان ذلك حال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مواجهة سخرية ترمب وشتائمه، حيث وقع في فخ الاستجابة، عندما صمت وحين رد. وهذا الفخ يعكس فهما عميقا لدى القادة الشعبويين لكيفية عمل التواصل السياسي في بيئات إعلامية تُعلي من شأن الصراع والعاطفة على حساب المضمون والأفكار.

وعلى مستوى أعمق، يُعدّ الاستخدام المنهجي للإهانات واللغة المهينة من قِبل زعيم سياسي يمتلك السلطة أو يسعى إليها شكلاً من أشكال التلاعب النفسي الجماعي. فمن خلال التأكيد المتكرر على أن الخصوم فاسدون وأغبياء أو دون مستوى البشر، لا يكتفي هؤلاء بإقناع مؤيديهم فحسب، بل يزعزعون أيضاً ثقة الخصوم في أنفسهم، الذين يبدؤون بالتساؤل عما إذا كان الازدراء الذي يتعرضون له مستحقا بأي شكل من الأشكال.

وهنا يظهر أن الابتذال السياسي الشعبوي أداة متعددة الوظائف، فهو هدية للمؤيدين المُثقلين بالخسارة، واستعراض للهيمنة يُشير إلى القوة، وطقس يعزز التضامن داخل الجماعة، وأداة تأطير تشل الخصوم، وأداء رمزي للهوية الثقافية المُناهضة للنخبة. وفهمه على هذا النحو، باعتباره لغة غضب مبنية على جرح اجتماعي حقيقي، يستغلها سياسيون مثل ترمب أو أوربان، هو الشرط الأول لأي استجابة مناسبة له.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا