تداول مستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الأخيرة مقطع فيديو زُعم أنه يُوثق لحظة أسر طيار أمريكي على يد قرويين داخل الأراضي الإيرانية، ترافقت مع ادعاءات بأن الطائرة التي أسقطتها طهران من طراز "إف-15".
ويظهر المقطع لحظة قفز أحد الأفراد مظليا فوق منطقة مفتوحة تنتشر فيها شاحنات مغطاة، بينما تتمركز على بُعد أمتار من موقع الهبوط سيارة دفع رباعي وأخرى للإسعاف.
كما يرصد المقطع هرولة نحو 20 شخصا برفقة السيارات المسرعة باتجاه موقع الهبوط، في مشهد حصد تفاعلا واسعا على المنصات الرقمية.
وفي خضم التوتر العسكري المتصاعد بين طهران وواشنطن، نفت الولايات المتحدة، عبر القيادة المركزية (سنتكوم) مرارا الشائعات القائلة إن إيران أسقطت مقاتلة أمريكية من طراز "إف-15″، مرفقة نفيها في الغالب بعبارة: "لكي نكون واضحين، لم تستطع إيران إسقاط أي طائرة مقاتلة أمريكية".
وبمجرد نشره، تعاملت عشرات الحسابات مع المقطع باعتباره تطورا ميدانيا جديدا في سياق الحرب، إذ اقترن بعبارة "خبر عاجل" التي أوحت بأنه يوثّق واقعة آنية ومستجدة، الأمر الذي ساهم في انتشاره وحصوله على عشرات آلاف المشاهدات خلال ساعات قليلة.
واللافت أن بعض الحسابات التي أعادت تداول المقطع عمدت إلى تغيير طراز الطائرة من "إف-15" إلى "إف-35″، في تناقض واضح بين النسخ المتداولة، مما يطرح شكوكا حول مصدر المقطع وسياقه الحقيقي.
وعبر البحث العكسي عن لقطات في المقطع باستخدام أداة البحث المرئي "غوغل لينس"، تبيّن أنه سبق نشره على فيسبوك وإنستغرام بالسياق نفسه المتداول حاليا، لكن بتاريخ 4 أبريل/نيسان الماضي، ما يؤكد أن المقطع يُعاد تدويره ولا يتعلق بحادثة جديدة أو مستجدة.
نسخة متداولة من المقطع نفسه قبل نحو 4 أشهر على فيسبوك وإنستغرام.
وبالتعمق في البحث، توصلنا إلى أول ناشر للمقطع ( مؤرشف) خلال تلك الفترة، وهو حساب "GERÇEK BU" على منصة إكس، حيث حصد المقطع على هذا الحساب وحده أكثر من مليون مشاهدة.
ونشرت وسائل إعلام إيرانية آنذاك مقاطع فيديو قالت إنها توثق حطام طائرات أمريكية في محافظة أصفهان وسط البلاد، دون تفاصيل إضافية، مما أعطى المقطع زخما للانتشار والتداول.
وبتحليل محتوى الحساب على المنصة، تبين أنه يعتمد بشكل أساسي على مقاطع مرئية قصيرة تستعرض إنجازات إيران العسكرية وتنتقد الغرب وأمريكا وحلف الناتو.
ويستند جزء صغير من هذا المحتوى إلى أحداث حقيقية، مثل المشاهد المصورة من داخل قطاع غزة، إلا أن الجزء الأكبر منه يتضمن مبالغات أو معلومات غير موثقة أو مضللة.
لم نعثر خلال البحث على أي تقارير إيرانية أو أمريكية موثوقة تتحدث عن إسقاط مقاتلات أمريكية في إيران خلال الفترة الماضية، مما دفعنا للبحث في سياق الفيديو القديم، لنصل إلى رواية مختلفة تماما عن تلك المتداولة.
فقد توصلنا إلى نسخة من المقطع نفسه، نُشرت في 2 مارس/آذار الماضي، أي قبل شهر من تداول النسخة القديمة، على حسابات وسائل إعلام ليبية، تفيد بأن المقطع يُوثق لحظة تنفيذ أحد منتسبي قوات الصاعقة قفزة مظلية.
استخدمنا أداة "Who Posted What" مفتوحة المصدر، التي تتيح تصفية النتائج بناء على تاريخ محدد أو نطاق زمني معين بدقة، وهو ما لا يتيحه محرك البحث الداخلي في فيسبوك عادة.
تقييد نتائج البحث في فيسبوك عبر أداة "Who Posted What" مفتوحة المصدر.
وعند تقييد البحث بكلمات مفتاحية مقترنة بتاريخ نشر وسائل الإعلام الليبية، توصلنا إلى زوايا تصوير أخرى للمقطع نفسه، منشورة في مطلع مارس/آذار، وهو ما يؤكد سياقه الأصلي ويدحض بشكل قاطع رواية "الطيار الأمريكي في إيران".
وبتتبع تعليقات المستخدمين على بعض المقاطع، قادتنا إشارات إلى حساب المظلي الذي ظهر في الفيديو، وهو حساب باسم "ويسي الطيره"، يعرّف نفسه بأنه منتسب للقوات الخاصة "الصاعقة"، ويُقيم في بنغازي شمال شرق ليبيا.
تعليقات المستخدمين تشير إلى حساب المظلي الظاهر في الفيديو المتداول (فيسبوك).
وبالبحث داخل الحساب، عثرنا على تسجيل للمشهد نفسه من زاوية مختلفة، يظهر لحظة القفز وهرولة زملائه نحوه مع ظهور السيارات والشاحنات ذاتها التي ظهرت في المقطع المتداول.
كما أظهرت لقطة وجه الشخص، وبالمقارنة تبين أن هناك تطابقا بين صاحب حساب فيسبوك والشخص الذي قفز بالمظلة في المقطع المتداول، ليكتمل بذلك المشهد وتُنسف الرواية المضللة المرتبطة بإيران.
وكان صاحب الحساب قد كتب حينها: "الحمد لله رب العالمين تم اجتياز دورة مظلات بنجاح وبارك الله في المعلمين والضباط جناح الصاعقة والمظلات، وبارك الله في شباب دفعة 80 لم تقصروا معي".
وقادنا اسم الدفعة إلى البحث عبر فيسبوك، حيث عثرنا على تطابق بين هذه المعطيات وفيديو نشرته شعبة الإعلام الحربي التابعة لقوات شرق ليبيا، من حيث طبيعة الأرض وشكل ولون الملابس والسيارات والدخان في موقع التدريب.
وذكرت الشعبة حينها أن "القوات الخاصة – الصاعقة" اختتمت دورة القفز المظلي الأساسي رقم 80، بمشاركة منتسبين من مختلف الوحدات، شملت تأهيلا بدنيا ودروسا نظرية وتطبيقات عملية، ضمن خطة القيادة العامة لرفع الكفاءة القتالية وتعزيز جاهزية وحدات القوات المسلحة.
وفي مطلع أبريل/نيسان الماضي وفي تطور لافت ضمن النزاع العسكري الجاري في الشرق الأوسط، أعلنت مصادر أمريكية وإيرانية سقوط طائرة مقاتلة أمريكية من طراز "إف-15 إي سترايك إيغل" داخل الأراضي الإيرانية وإصابة مروحيتين، كما تحدثت أنباء عن تحطم مقاتلة أمريكية أخرى.
ويمثل هذا الحادث أول إسقاط لطائرة أمريكية منذ بداية التصعيد الحالي، ويُعيد طرح التساؤل حول مدى سيطرة الولايات المتحدة على الأجواء الإيرانية، بعد تأكيدات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ووزير دفاعه بيت هيغسيث بأن بلادهما تمتلك تفوقا جويا مطلقا في سماء إيران.
المصدر:
الجزيرة