تحليل بقلم ديفيد غولدمان من شبكة CNN
( CNN )-- عندما ألغى الرئيس دونالد ترامب هجوماً كان مخططاً له ضد إيران ووافق على العودة إلى طاولة المفاوضات لإجراء محادثات سلام، انخفضت أسعار النفط بشدة.
وقال ترامب في منشور على منصة "تروث سوشيال": "أوافق على تعليق القصف والهجوم على إيران. إنه لشرف أن تقترب هذه المشكلة طويلة الأجل من الحل".
كان ذلك في 8 أبريل/نيسان، حين أعلن ترامب وقفا لإطلاق النار مع إيران، فانخفضت أسعار النفط بنسبة 13% في ذلك اليوم.
على مدار الأشهر الخمسة الماضية، أعلن ترامب مرارا وتكرارا عن إحراز تقدم كبير في المفاوضات مع إيران، مما دفعه إلى إلغاء العمل العسكري المخطط له ضد إيران، وهو ما أسفر عن انخفاض أسعار النفط.
وقد حدث ذلك الأسبوع الماضي أيضا، حيث تراجعت أسعار النفط بنسبة 20% على مدار 3 أيام بعد أن أوقف ترامب خططاً لمهاجمة إيران. ويتكرر المشهد اليوم: إذ تتراجع أسعار النفط بنسبة 5% بعد أن ألغى ترامب "هجوما كبيرا" على البلاد وصرح بأن المفاوضات ستُستأنف.
قد يظن المرء الآن أن سوق النفط قد تعلم الدرس وتوقف عن تصديق "الرئيس الذي دعا للسلام". لكن سوق النفط لا تزال أسيرة لرواية ترامب، وتتحلى بصبر لا حدود له بينما تمضي المواعيد النهائية وتنقضي، وتتأرجح وتيرة المفاوضات، وتتوالى موجات القصف وتتوقف.
وقال ترامب: "لقد تم إحراز تقدم كبير نحو التوصل إلى اتفاق كامل ونهائي مع ممثلي إيران"، خلال موافقته على تأجيل التدخل العسكري في مضيق هرمز.
عفواً، كان ذلك في 5 مايو/أيار، حينما انخفضت أسعار النفط بنسبة 13% على مدار ثلاثة أيام تلت ذلك المنشور.
يوم "غراوند هوغ".. يوم "جرذ الأرض"
شهدت سوق النفط تقلبات خلال فترة الحرب، حيث ارتفعت بنسبة 9% أو أكثر على مدى 6 أيام بشكل فردي، أو على مدار عدة أيام معا منذ بداية شهر مارس/آذار. لكن السوق كانت تميل نحو السلام، حيث تراجعت بنسبة 9% في فترات تمتد ليوم واحد أو عدة أيام- في 8 مناسبات خلال الفترة نفسها.
وجاءت معظم الانخفاضات نتيجة لإعلان ترامب أو إدارته عن إحراز تقدم في المفاوضات أو الوعد بإعادة فتح مضيق هرمز.
10 مارس/آذار: ادعى وزير الطاقة كريس رايت خطأ أن سفينة بحرية أمريكية رافقت ناقلة نفط أثناء خروجها من المضيق، فهوت أسعار النفط بنسبة 11%.
23 مارس/آذار: قال ترامب في رسالة كُتبت بأحرف كبيرة على "تروث سوشيال": "يسرني أن أخبركم أن الولايات المتحدة الأمريكية وإيران أجرتا، على مدار اليومين الماضيين، محادثات جيدة ومثمرة للغاية". فانخفضت أسعار النفط بنسبة 11%.
29 مايو/أيار: كتب ترامب: "المفاوضات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية تسير بشكل جيد!". فتراجعت أسعار النفط بنسبة 10% في ذلك اليوم.
11 يونيو/حزيران: قال ترامب: "لا أعرف إذا كنتم قد علمتم، لكننا أنهينا الحرب مع إيران اليوم"، وذلك بعد إلغائه غارة جوية واسعة النطاق، مما أدى إلى انخفاض أسعار النفط بنسبة 16% لمدة 4 أيام.
وعلّق آندي ليبو، رئيس شركة Lipow Oil Associates : "إنها أشبه بـ(يوم غراوند هوغ) ( Groundhog Day ) - الحلقة الـ15".
التمسك بالأمل
على الرغم من التراجع الذي شهدته الأسواق على مدى أشهر، فقد يكون هناك سبب وجيه يدعو إلى التفاؤل.
قبل 6 أشهر فقط، وقبل اندلاع الحرب، كان القلق الأكبر في السوق يتمثل في فائض المعروض، إذ كانت دول منظمة "أوبك" -التي انتابها الضيق- تزيد من إنتاجها النفطي رغم انخفاض الطلب نسبياً، بسبب سأمها من سقف الإنتاج المفروض عليها. وكان العالم يمتلك كميات تاريخية من النفط الخام المخزنة، حيث كان المنتجون يضخون كميات تفوق استهلاك المستهلكين بمقدار 4 ملايين برميل يوميا، وفقا لشركة كابيتال إيكونوميكس.
ثم قبل شهر واحد، انخفضت أسعار النفط بسرعة إلى ما دون مستوياتها المسجلة قبل الحرب، لأن السوق وجدت نفسها -بشكل مفاجئ- أمام فائض مرة أخرى. وخلال فترة الحرب، تعلم العالم كيف يتعايش مع غياب 13 مليون برميل من النفط تمر يوميا عبر مضيق هرمز.
وقد تم تعويض جزء كبير من تلك البراميل من خلال إعادة توجيه مسار النفط عبر الأراضي السعودية إلى البحر الأحمر -بمعدل يصل إلى حوالي 5 ملايين برميل يوميا، وفقا لكبلر. ومنذ ذلك الحين، فرض الحوثيون، وكلاء إيران في المنطقة، حصارًا على مضيق آخر – مضيق باب المندب – مما شكّل تحديًا لقدرة المملكة العربية السعودية على تصدير النفط عبر ذلك المسار البديل.
كما تم تعويض جزء كبير آخر من تلك الكمية البالغة 13 مليون برميل من خلال المخزونات الطارئة التي عملت الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، على طرحها منذ أشهر. أما الصين، التي تمتلك مخزونات نفطية ضخمة، فقامت بسحب احتياطياتها وخفضت وارداتها من النفط الخام بأكثر من 4 ملايين برميل يوميا، بحسب بنك جيه بي مورغان.
لذلك، عندما فُتح مضيق هرمز لفترة وجيزة في يونيو/حزيران لمدة 3 أسابيع تقريبا، وتدفقت 200 مليون برميل من النفط بسرعة من الخليج لأول مرة منذ شهور، غمر النفط الأسواق العالمية فجأة قبل أن تتمكن من التكيف مع الوضع. فتراجعت أسعار النفط.
لم يدم ذلك السلام الهش، لكن ذاكرة السوق تحتفظ بما يكفي لتذكر الأحداث في شهري فبراير/شباط ويونيو/حزيران.
نقطة التحول
ومع ذلك، نادرا ما كان الفارق بين سعر النفط وقلة العرض في السوق أكبر مما هو عليه الآن.
تتناقص مخزونات النفط الخام لدى الشركات بسرعة كبيرة، ويظهر هذا بوضوح في كوشينغ بولاية أوكلاهوما -التي تُعد ملتقى خطوط أنابيب النفط في أمريكا- حيث انخفضت المخزونات إلى ما دون المستويات التشغيلية الحرجة.
وانخفض حجم المخزون في هذه النقطة المحورية -التي يُنقل عبرها نفط تكساس ويتم تحديد سعره وتخزينه ثم ضخه مجدداً إلى المصافي الأمريكية- ووصل إلى 18.6 مليون برميل في الأسابيع الأخيرة، بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وأي مستوى يقل عن 20 مليون برميل يضع ضغطا إضافيا على عمليات هذه المنشأة الضخمة، إذ يتطلب الأمر قوة دفع أكبر لتحريك النفط عبر الأنابيب.
وفي مرحلة ما، لن يتبقى سوى الرواسب اللزجة في قاع خزانات التخزين، وحينها ستحول قوانين الفيزياء دون تدفق النفط عبر تلك الأنابيب المهمة.
وكوشينغ ليست الوحيدة في هذا الوضع، وأشار كيران تومبكينز، كبير الاقتصاديين المتخصصين في شؤون المناخ والسلع في شركة كابيتال إيكونوميكس، إلى أن المخزونات التجارية تصل إلى مستويات الضغط التشغيلي في جميع أنحاء العالم، حيث لا تكفي إلا لحوالي 57 أسبوعًا من الإمدادات. ويُشار إلى أن مستوى الضغط التشغيلي العالمي يبلغ نحو 55 أسبوعا.
وهذا هو السبب الذي يجعل سوق النفط ربما تقلل من هذا الخطر، كما قال تومبكينز. ففي المرات السابقة التي انخفضت فيها احتياطيات النفط إلى هذه المستويات المتدنية تاريخيا، كانت الأسعار يتم تداولها في العادة عند مستويات أعلى بنسبة 20%.
وما لم يحدث انتعاش ملموس ومستدام في تدفقات الطاقة عبر الخليج، فإن سوق النفط ستصل في نهاية المطاف إلى "نقطة تحول"، وهي فترة يتعذر فيها سحب المخزونات لتعويض نقص إمدادات النفط.
في تلك المرحلة الحرجة، يتمثل الحل الوحيد في ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، مما يؤدي إلى كبح الطلب على النفط بدرجة كافية لتمكين السوق من العودة إلى حالة التوازن. ولتحقيق ذلك، قد يتجاوز سعر النفط حاجز الـ150 دولارا، وهو ما يفوق بكثير أعلى مستوى قياسي سجله على الإطلاق.
قد يحدث ذلك في لمح البصر، لكن السوق لا تزال -في الوقت الراهن- تصدق تصريحات ترامب بأن الحل بات قريبا جدا.
المصدر:
سي ان ان