في سابقة رقمية وسياسية أحدثت زلزالا مدويا عبر الفضاء الإلكتروني، اجتاح مقطع مصور عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني منصات التواصل الاجتماعي محققا انتشارا فيروسيا منقطع النظير في وقت قياسي.
وقد خرج ممداني يوم أمس الأربعاء 22 يوليو/تموز بخطاب مصور وجه فيه اتهامات لاذعة ومباشرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واصفا إياه بمجرم حرب ومهندس إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني.
ولم يقتصر صدى هذا المقطع على الحسابات الشخصية للمسؤول الأمريكي، بل تجاوز ذلك ليتصدر التغطيات الإخبارية في مختلف وسائل الإعلام الناطقة باللغتين العربية والإنجليزية، كما حقق اختراقا واسعا داخل إسرائيل، مما أثار موجة غضب عارمة وردود فعل مهاجمة من قبل الأوساط الإسرائيلية الداعمة للحرب.
وتعكس لغة الأرقام حجم الاختراق الاستثنائي الذي حققه هذا الخطاب عبر حسابات ممداني الرسمية عبر منصات التواصل، فقد حصد المقطع على منصة إنستغرام 100 مليون مشاهدة ونحو 8.5 مليون إعجاب، إلى جانب 3 ملايين تفاعل.
وتكرر المشهد ذاته على منصة إكس، مسجلا وصولا ومشاهدات بلغت 76 مليون مشاهدة ومليون إعجاب، بالإضافة إلى 400 ألف تفاعل.
أما على منصة فيسبوك، فقد حصد المقطع 11 مليون مشاهدة و800 ألف إعجاب و130 ألف تفاعل، في حين سجل على منصة تيك توك 24 مليون مشاهدة و7 ملايين إعجاب ومليون تفاعل.
وبنظرة شمولية لحجم الانتشار عبر كافة المنصات، تكشف الأرقام المجمعة عن حصيلة استثنائية، حيث بلغ إجمالي المشاهدات للمقطع أكثر من 211 مليون مشاهدة، حتى وقت كتابة هذا التقرير.
وترافق هذا الانتشار الواسع مع تفاعل غير مسبوق، إذ تخطى مجموع الإعجابات 17.3 مليون إعجاب، بالإضافة إلى أكثر من 4.5 مليون تفاعل إضافي شمل التعليقات والمشاركات.
وتؤكد هذه الحصيلة الضخمة التي قاربت 233 مليون تفاعل ومشاهدة إجمالا، أن خطاب ممداني أحدث حراكا عالميا وصدى واسعا، وضع المقطع في صدارة المحتوى الرقمي الأكثر تداولا وتأثيرا.
وقال مراقبون إن هذه الإحصائيات الضخمة تفسر تعطش الجمهور العالمي لخطاب سياسي صريح يتبنى موقفا حازما لا مواربة فيه، وهو ما جعل هذا المقطع يتصدر قائمة المحتويات الأكثر تداولا وتأثيرا على مستوى العالم خلال ساعات قليلة، ليصبح ممداني، بحسب تعبير بعض النشطاء، القيادي المحلي الأكثر شعبية على كوكب الأرض بفضل هذا الانتشار العالمي.
وفي تفاصيل المضمون الذي أشعل هذه الحالة التفاعلية، حمل ممداني نتنياهو المسؤولية الكاملة عن مقتل أكثر من 73 ألف شخص، وعن تشويه عشرات الآلاف من الأطفال الذين يخضع من ينجو منهم لعمليات بتر للأطراف دون تخدير.
كما اتهمه باستهداف مستشفيات حديثي الولادة ومراكز رعاية الأمومة، حارما المواليد الجدد حتى من فرصة العيش، فضلا عن مسؤوليته عن أعداد لا تحصى من الأشخاص الذين تضوروا جوعا بعد منع وصول الغذاء والمساعدات الإنسانية إليهم، وعن قتل مئات من عمال الإغاثة والصحفيين رميا بالرصاص.
وأشار ممداني إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تمتلك سببا وجيها لإصدار مذكرة اعتقال بحقه، مؤكدا أنه راجع السبل المتاحة لتحديد قدرة مدينة نيويورك على تنفيذ المذكرة إذا قدم، ورغم الإقرار بعدم امتلاك سلطة قانونية مستقلة لإنفاذها، إلا أنه دعا الحكومة الفيدرالية للانضمام إلى المحكمة وتنفيذ المذكرة، مشددا على أن نتنياهو ليس مرحبا به في نيويورك، ومحذرا من أن الصمت تجاه هذه الجرائم سيتحول إلى سلاح آخر يفتك بالإنسانية.
وقد فرضت لغة الأرقام والانتشار الواسع نفسها على تعليقات المراقبين والصحفيين، حيث عبر الكاتب مايكل لانج عن دهشته، مبينا أن هذا المقطع أصبح الأكثر مشاهدة لممداني على الإطلاق عبر كافة المنصات.
بينما وصف الصحفي أحمد الدين هذا الانتشار بأن ممداني كسر الإنترنت بهذا المقطع، واعتبر الكاتب فيليب براودفوت أن هذا الفيديو بات واحدا من أكثر المقاطع إعجابا ومشاهدة على منصة إكس.
وعبر الصحفي الفلسطيني أبو بكر عابد عن صدمته الإيجابية، مؤكدا أنه لم يتوقع يوما أن يسمع سياسيا أو مسؤولا أمريكيا يتحدث بهذا الوضوح والقوة ضد إسرائيل.
في حين رأت كاتبة أخرى أن هذا الخطاب يمثل القيادة الحقيقية ذات الوضوح الأخلاقي. ومن جانبها، تفاعلت منظمة العفو الدولية في أمريكا مع المقطع، مطالبة السلطات الأمريكية باحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون بدلا من الاستمرار في تسليح حكومة ترتكب إبادة جماعية، ومؤكدة توافقها التام مع ممداني بضرورة اعتقال نتنياهو.
وفي دلالة على حجم الغضب المضاد، لفت الصحفي أوين جونز إلى أن هذا المقطع دفع الداعمين لإسرائيل إلى حالة من الجنون، مؤكدا أن التاريخ سيدينهم وأن العديد ممن سهلوا الإبادة سينتهي بهم المطاف في السجن.
وأشار ناشطون آخرون إلى أن تحقيق مئات الآلاف من الإعجابات خلال ساعات معدودة يثبت للجميع بوضوح أن العالم يكره أفعال إسرائيل رفضا قاطعا.
وفي 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف لنتنياهو، لوجود أسباب معقولة للاعتقاد بمسؤوليته عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
وتشمل الاتهامات استخدام تجويع المدنيين أسلوبا للحرب، فضلا عن جرائم القتل والاضطهاد وأفعال أخرى غير إنسانية، على خلفية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي اندلعت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي السياق ذاته، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن نتنياهو "لن يتم اعتقاله بأي حال أو بأي شكل أثناء وجوده في الولايات المتحدة "، في تأكيد جديد للموقف الأمريكي الرافض لاحتمال تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو على الأراضي الأمريكية.
المصدر:
الجزيرة