تتجه التحالفات الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي ( الناتو) إلى تجاوز أنماط التعاون العسكري التقليدي، نحو شراكات صناعية وتكنولوجية تجمع قدرات الدول الأعضاء وتحوّلها إلى أنظمة قتالية مشتركة قابلة للتطوير والإنتاج.
وفي هذا السياق، تسلط الصحافة التركية الضوء على الشراكة بين شركتي "بايكار" التركية و"ليوناردو" الإيطالية للصناعات الدفاعية في تطوير قدرات العمل المشترك بين الطائرات المأهولة وغير المأهولة، بوصفها نموذجا عمليا للتحول الذي يشهده الحلف.
وبينما ترى صحيفة ملييت التركية أن التقدم الذي حققته الشركتان يحمل رسالة إستراتيجية إلى الناتو، تقدم منصة "سافونما صنايي إس تي" المتخصصة في الصناعات الدفاعية قراءة تربط مستقبل الحلف بتنامي دور التكنولوجيا والصناعات الدفاعية، وبالدور الذي يمكن أن تؤديه تركيا في هذا التحول.
وتتجسد هذه الشراكة ميدانيا مع استعداد "بايكار" و"ليوناردو" لاستعراض أحدث ما توصلتا إليه في تطوير قدرات العمل المشترك بين الطائرات المأهولة وغير المأهولة.
ومن المرتقب أن تنظم الشركتان اجتماعا تعريفيا في إطار مشاركتهما في معرض "فارنبورو" الدولي للطيران في بريطانيا، الذي ينطلق اليوم الاثنين ويستضيف نخبة من أبرز الشركات في قطاعات الطيران والصناعات الدفاعية.
ويركز الاجتماع على التجارب التي أجرتها الشركتان في تركيا باستخدام طائرة "إم-346″ التابعة لـ"ليوناردو" والمسيّرة "بيرقدار قزل إلما" التابعة لـ"بايكار"، مع استعراض نتائج الاختبارات والأنشطة المقررة خلال الفترة المقبلة، حسبما نقلت وكالة الأناضول.
وفي موازاة ذلك، يعكس وجود المسيّرة "بيرقدار تي بي 3" التركية ضمن معروضات المعرض أن تعاون الشركتين في مجال الأنظمة الجوية غير المأهولة لا يقتصر على الدراسات والتجارب، بل تدعمه أيضا منصات فعلية بلغت مراحل متقدمة من التطوير.
واعتبرت صحيفة ملييت أن اختيار أحد أهم معارض الطيران في العالم للإعلان عن هذا التقدم يمثل "رسالة إستراتيجية إلى الناتو"، بما يتيح نقل ما تحقق من تقدم مباشرة إلى ممثلي قطاع الصناعات الدفاعية والعملاء المحتملين.
وفي مارس/آذار 2025، بدأت الشراكة بين "بايكار" و"ليوناردو" بتوقيع مذكرة تفاهم في العاصمة الإيطالية روما، قبل أن يوقع الطرفان رسميا في يونيو/حزيران من العام نفسه اتفاقية المشروع المشترك خلال معرض باريس للطيران، طبقا للأناضول.
ويهدف المشروع المشترك، الذي يحمل اسم "إل بي إيه سيستمز" ويتخذ من إيطاليا مقرا له ويقوم على شراكة متساوية بين الجانبين، إلى تصميم وتطوير وإنتاج ودعم الأنظمة الجوية غير المأهولة، مع استهداف الاضطلاع بدور ريادي في التطورات التي ستشكل مستقبل هذا القطاع.
وتركز "بايكار" على تصميم وتطوير المنصات غير المأهولة المتقدمة، بينما تتولى "ليوناردو" توفير الأنظمة الإلكترونية المتطورة وتطوير قدرات العمل المشترك بين الطائرات المأهولة وغير المأهولة وقدرات تشغيل الأسراب.
وبينما تعكس هذه الشراكة أحد ملامح التعاون الدفاعي الجديد داخل الحلف، يقدم الكاتب التركي فيسيل إمرة تونجر قراءة أوسع للتحولات التي يشهدها الناتو والدور الذي يراه لتركيا في هذه المرحلة.
وفي مقال نشرته "سافونما صنايي إس تي"، يرى تونجر أن مفهوم " الناتو 3.0" -الذي تبلورت ملامحه خلال قمة الحلف في أنقرة- يمثل استجابة مؤسسية لمرحلة جديدة تقوم على المنافسة الصناعية والتكنولوجية.
فلم يعد مفهوم الأمن في هذا النموذج- كما يوضح المقال- يُقاس بعدد الدبابات وحده، بل أصبحت الأولوية لتحويل الإنفاق الدفاعي إلى قدرات عسكرية قابلة للنشر بسرعة عبر إنتاج مستمر ومنخفض التكلفة، وهي مجالات يرى الكاتب أن تركيا تمتلك فيها نقاط قوة واضحة.
ويشير الكاتب إلى أن تعهد دول الناتو برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي سيؤدي إلى ارتفاع كبير في الطلب الأوروبي على منتجات الصناعات الدفاعية، مضيفا أن تركيا مرشحة لأن تصبح أحد أبرز مراكز الإنتاج القادرة على تلبية هذا الطلب.
ويعزو ذلك إلى ما تمتلكه تركيا- على حد تعبيره- من قدرات محلية في مجالات الأنظمة غير المأهولة والذخائر المدعومة بالذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية، إضافة إلى منظومة صناعية مرنة قادرة على نقل التقنيات بسرعة بين الاستخدامين المدني والعسكري.
ويخلص تونجر إلى أن التحدي الأبرز أمام تركيا في المرحلة المقبلة يتمثل في إدارة أوراق القوة التي اكتسبتها بما يسهم في سد فجوة الثقة، معتبرا أن التحول إلى مركز ثقل داخل الحلف ليس هدفا بل موقعا ينبغي الحفاظ عليه، وأن الحفاظ عليه "أشد صعوبة" من استحقاقه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة