آخر الأخبار

هجمات محتملة في ألمانيا.ـ هل تتحول الاستخبارات إلى قوة تدخل؟

شارك
انتقدت منظمة مراسلون بلا حدود توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية وحذرت من منح الاستخبارات أدوات واسعة للتحليل الآلي للبيانات، وتقليص حماية الصحفيين ومصادرهمصورة من: NDR

قال وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرينت إن خطر وقوع هجمات داخل البلاد أصبح مرتفعاً، وإن مخططات تستهدف ألمانيا باتت واضحة بالنسبة إلى السلطات. وفي الوقت نفسه، تستعد الحكومة لتغيير قوانين أجهزة الاستخبارات، بما قد يسمح لها بالتدخل بنفسها في بعض الحالات العاجلة.

ويأتي التحذير بالتزامن مع إصلاح واسع لقوانين أجهزة الاستخبارات، تريد الحكومة من خلاله السماح لها، في ظروف محددة، بالانتقال من جمع المعلومات وتحليلها إلى التدخل المباشر لمنع الأخطار.

ما المقصود بتهديد "مرتفع"؟

قال دوبرينت، في مقابلة مع صحيفة «فيلت أم زونتاغ»، السبت (18 يوليو/ تموز) إن تزايد البلاغات والمعلومات الاستخباراتية دفعه إلى رفع توصيف الوضع من «تهديد مجرد» إلى «تهديد مرتفع».

وأضاف أن ذلك يعني ضرورة الاستعداد لاحتمال وقوع هجمات في ألمانيا في أي وقت. ونقلت شبكة «تاغس شاو» عنه قوله إن مخططات موجهة ضد البلاد أصبحت "واضحة المعالم"، وإنها قد تستهدف البنية التحتية أو أشخاصاً ومؤسسات.

لكن كلام الوزير لا يعني أن السلطات كشفت عن هجوم محدد يعرف مكانه وموعده والجهة التي ستنفذه. وكان دوبرينت قد أوضح خلال مؤتمر وزراء داخلية الولايات، قبل نحو شهر، أن الخطر «مرتفع لكنه ليس محدداً»، وأنه لا يهدد كل شخص بالدرجة نفسها، بل يتعلق بالمجتمع والدولة بصورة عامة.

وبحسب تقرير صحيفة فيلت، استند الوزير في تقديره إلى ازدياد المعلومات الواردة من أجهزة استخبارات دول صديقة، وإلى معطيات جمعتها الأجهزة الألمانية، فضلاً عن وقوع أضرار أكثر وضوحاً وتنامي نشاط شبكات تعمل في التجسس والتخريب داخل ألمانيا وخارجها. ولم يسمّ دوبرينت دولة أو تنظيماً بعينه باعتباره المسؤول عن المخططات التي تحدث عنها.

لكن لماذا شدد دوبرينت تقديره للخطر الآن؟ وماذا يقصد بتحويل الأجهزة إلى «أجهزة استخبارات حقيقية»؟

تهديدات من الداخل والخارج

لا يأتي تحذير دوبرينت بمعزل عن صورة أمنية أوسع كشفت عنها الاستخبارات الداخلية الألمانية نهاية يونيو/حزيران. فبحسب التقرير السنوي للمكتب الاتحادي لحماية الدستور لعام 2025، سُجلت في ألمانيا نحو 59 ألف جريمة ذات خلفية متطرفة، بزيادة تقارب 1100 جريمة عن العام السابق. وارتفع عدد جرائم العنف بنحو عشرة بالمئة ليصل إلى قرابة 3300 جريمة. وتشمل المخاطر التي ترصدها السلطات التطرف اليميني واليساري والإسلاموي، إلى جانب التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية المرتبطة بجهات أجنبية

ووصف التقرير روسيا بأنها أبرز تهديد استخباراتي خارجي لألمانيا، بينما تتركز أنشطة الصين وإيران، وفق تقييم المكتب، على التجسس الاقتصادي ومراقبة المعارضين وترهيبهم في المنفى. غير أن هذه المعطيات تقدم السياق العام لتشديد التقييم الأمني، ولا تثبت أن الدول المذكورة تقف بالضرورة وراء مخططات الهجوم المحددة التي تحدث عنها دوبرينت.

ماذا تعني «أجهزة استخبارات حقيقية»؟

قدم رئيس المكتب الاتحادي لحماية الدستور، سنان سيلين، شرحاً أكثر وضوحاً لهذا المفهوم، قائلاً إن عمل الأجهزة يجب أن يقوم مستقبلاً على ثلاثة محاور: الكشف عن التهديد، وتعطيله، والوقاية منه. فالمكتب يستطيع حالياً مراقبة عمليات التجسس والتخريب والمخططات الإرهابية وجمع المعلومات عنها، لكن قدرته على التدخل المباشر لإفشالها تظل محدودة.

لا يكتفي جهاز حماية الدستور بمراقبة الخطر، بل يستطيع في حالات معينة العمل على منعه. ومن الأدوات المطروحة التفتيش الإلكتروني السري لأجهزة الكمبيوتر والهواتف عبر برمجياتصورة من: Christoph Hardt/Panama Pictures/picture alliance

وتريد الحكومة تغيير ذلك من خلال منح الأجهزة، في حالات محددة، حق اتخاذ تدابير دفاعية فعالة، بدلاً من انتظار انتقال الملف إلى الشرطة. ويرى دوبرينت أن هذه الصلاحيات ستجعل الأجهزة الألمانية أكثر قدرة على التعاون مع نظيراتها في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث تتمتع الاستخبارات بمساحة أوسع للتحرك. لكن منتقدين يخشون أن يؤدي هذا التوجه إلى ظهور جهاز استخباراتي يقترب في صلاحياته من الشرطة، رغم تأكيد الوزير أن الاعتقال سيبقى مهمة شرطية

يرى دوبرينت أن الأجهزة الألمانية يجب أن تصبح أكثر قدرة على التحرك، وأن تتمكن من التعاون على قدم المساواة مع أجهزة استخبارات الدول الحليفة.

وتشمل خطة الإصلاح جهاز الاستخبارات الاتحادي «بي إن دي»، المسؤول بصورة أساسية عن جمع المعلومات في الخارج، والمكتب الاتحادي لحماية الدستور، الذي يتولى مراقبة الأخطار المتطرفة والتجسسية داخل ألمانيا.

وبحسب «تاغس شاو»، من المنتظر أن يبحث مجلس الوزراء الإصلاح الشامل لقوانين الاستخبارات في 13 أغسطس/آب. والجديد فيه أن الأجهزة قد تحصل للمرة الأولى بصورة صريحة على حق التدخل في بعض أوضاع الخطر، بدلاً من الاكتفاء بجمع المعلومات وتقييمها وتسليمها إلى الجهات المختصة.

الاستخبارات وتفتيش المنازل؟

في الحالات الإرهابية العاجلة، قد يسمح المشروع لموظفي جهاز حماية الدستور بدخول منزل وتفتيشه، عندما لا تكون الشرطة قادرة على الوصول في الوقت المناسب.

كما تحدث دوبرينت عن إمكانية تغيير معلومات بصورة مستهدفة أو التدخل فيها، إذا كان ذلك يساعد على تعطيل مخطط هجوم أو عملية تجسس. وقد يشمل التحرك أيضاً التصدي لهجمات إلكترونية جارية أو اختراق أجهزة رقمية للحصول على معلومات.

وكشفت تحقيقات مشتركة لشبكتي «NDR» و«WDR» أن الخطط تتضمن ما يسمى «الدفاع النشط»، بحيث لا يكتفي جهاز حماية الدستور بمراقبة الخطر، بل يستطيع في حالات معينة العمل على منعه. ومن الأدوات المطروحة التفتيش الإلكتروني السري لأجهزة الكمبيوتر والهواتف عبر برمجيات تُثبّت من دون علم أصحابها.

هل تتحول الاستخبارات إلى شرطة؟

ينفي دوبرينت ذلك، مؤكداً أن اعتقال الأشخاص سيظل من مهام الشرطة، وأن الفصل بين العمل الشرطي والاستخباراتي لن يُلغى.

فالشرطة هي المسؤولة عن التحقيق في الجرائم والقبض على المشتبه بهم، بينما يتمثل الدور الأساسي لأجهزة الاستخبارات في الكشف المبكر عن الأخطار وجمع المعلومات وتحليلها.

لكن السماح لموظفي الاستخبارات بدخول المنازل أو اختراق الأجهزة أو تعطيل عمليات جارية يوسع دورهم التنفيذي بصورة واضحة. ولهذا تثير الخطط مخاوف من أن تصبح الحدود بين عمل الشرطة والاستخبارات أقل وضوحاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بجهاز حماية الدستور الذي يعمل داخل ألمانيا ويتعامل مع حقوق المواطنين الأساسية.

من يراقب الصلاحيات الجديدة؟

تقول الحكومة إن الإجراءات الحساسة لن تُنفذ من دون رقابة . ومن المفترض أن يحصل «مجلس الرقابة المستقل» على دور أكبر، وأن يوافق مسبقاً على بعض التدابير التي تمس الخصوصية والاتصالات.

وكان المجلس يتولى بصورة أساسية مراقبة بعض أنشطة جهاز الاستخبارات الخارجية على الإنترنت. أما الإصلاح الجديد فيمنحه مسؤوليات أوسع لمراجعة قانونية الإجراءات التي تريد الحكومة إضافتها.

غير أن منظمة «مراسلون بلا حدود» ترى أن توسيع الرقابة لا يواكب حجم الصلاحيات المقترحة. وحذرت المنظمة من أن حزمة القوانين، التي تتجاوز 700 صفحة، تمنح الاستخبارات أدوات واسعة للتحليل الآلي للبيانات، بينما تقلص في الوقت نفسه حماية الصحفيين ومصادرهم.

وتخشى المنظمة من أن تُستخدم الأنظمة الآلية لإعداد ملفات مخاطر عن أشخاص لم يقدموا سبباً مباشراً للاشتباه بهم، ومن أن تشمل المراقبة مصادر محتملة للصحفيين. كما تنتقد عدم فرض قيود جديدة كافية على استخدام برامج التجسس ضد هواتف العاملين في الإعلام.

إقرار الحكومة للمشروع لا يعني دخوله حيز التنفيذ فوراً. إذ يجب أن يناقشه البرلمان الألماني، حيث يُتوقع أن تتركز الخلافات على الحالات التي يجوز فيها التدخل المباشر، وشروط تفتيش المنازل والأجهزة، ومدى فاعلية الرقابة المستقلة.

تحرير: عارف جابو

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا