في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
ترسم المخيلة البريطانية داونينغ ستريت كنادٍ خاص، تحرسه التقاليد واللغة المصقولة وشبكة النخب التي تعرف قواعد اللعبة قبل أن تدخلها.
أما آندي بيرنهام، فيدخل المشهد من رقعة أخرى. فهو سياسي صاغ صورته الأحدث في مانشستر لا في صالونات لندن، وحمل لقب "ملك الشمال" قبل أن يقترب من باب السلطة المركزية.
لذلك لا يُقرأ صعوده كاستبدال اسم بآخر في قيادة حزب العمال فحسب بل كاختبار أوسع؛ فهل يكتفي رجل الشمال بتحريك قطعة داخل رقعة وستمنستر، أم يحاول تغيير قواعد اللعبة نفسها؟
وتعرض الصحف البريطانية بيرنهام بوصفه سياسيا يَعِد بنهج أكثر التصاقا بالمناطق وأقل خضوعا لمركزية لندن.
تقول صحيفة غارديان إن خروج بيرنهام من وستمنستر إلى مانشستر عام 2017 لم يكن خطوة مهنية عادية، بل بداية تشكل سياسي جديد.
فبعد خسارته سباقين على زعامة حزب العمال، وشعوره بالضيق من صراعات البرلمان الذي كان يصفه بـ"المستشفى المجنون"، اتجه إلى منصب عمدة مانشستر الكبرى.
وتروي الصحيفة أن بيرنهام، بعد فوزه عام 2017، أعلن أن السياسة ظلت "متمحورة حول لندن أكثر مما ينبغي".
ومن هناك بدأ بناء شخصيته الثانية: سياسي يتحدث باسم منطقة، لا باسم وزارة، ويقيس نجاحه بما يراه الناس في النقل والسكن والشارع، لا بما يُقال في قاعات البرلمان.
وبحسب غارديان، جاءت جائحة كورونا لتمنح هذه الصورة لحظتها الأشد وضوحا. فحين خاض مواجهة علنية مع حكومة بوريس جونسون بشأن القيود والدعم المالي لمانشستر، ظهر بيرنهام كصوت يتحدى القرارات المركزية باسم الشمال.
وتنقل الصحيفة عن أحد زملائه أن تلك اللحظة كشفت أن حضوره يتجاوز علامة حزب العمال نفسها.
تقول صحيفة تايمز إن عرض بيرنهام السياسي يستند إلى ما يسميه "المانشستيرية"، وهي ليست، في قراءة الصحيفة، مجرد اعتزاز بمدينة أو منطقة، بل تصور للحكم يقوم على نقل السلطة من وستمنستر، وتقليص قبضة الخزانة على الإنفاق، ودفع النمو عبر الاستثمار في البنية التحتية.
وتضيف الصحيفة أنه دعا صراحة إلى إعادة قدر أكبر من السيطرة العامة على خدمات أساسية مثل الطاقة والمياه والسكك الحديدية، واصفا ذلك بأنه تراجع عن إرث ثمانينيات القرن الماضي، أي عن مرحلة الخصخصة وتراجع دور الدولة.
وتورد صحيفة مانشستر إيفنينغ نيوز أن فريقه يستعد للعمل من مقر حكومي شمالي، أُطلق عليه إعلاميا "رقم 10 شمالا"، في إشارة رمزية إلى رغبة بيرنهام في نقل جانب من الحكم خارج لندن.
بيد أن الصحيفة تنقل أيضا أن ناشطين ونقابيين احتجوا أمام الموقع المقترح، مطالبين بما وصفوه بأنه "أكثر من المانشستيرية"، أي أن الشمال لا يريد رمزا جديدا فقط، بل تغييرا فعليا في السكن والنقل والعمل والخدمات.
تقول تايمز إن بيرنهام يصل إلى الحكم المحتمل وفي ذهنه مراجعة أوسع لفكرة العدالة الضريبية.
فهو يلتزم بعدم رفع ضريبة الدخل أو القيمة المضافة أو مساهمات التأمين الوطني على العاملين، لكنه يرى، بحسب الصحيفة، أن العمل في بريطانيا يتحمل عبئا ضريبيا أكبر من الأصول والثروة.
وتشير تايمز إلى أنه تحدث عن رفع حد الدخل المعفى من الضريبة، وإعادة معدل ابتدائي قدره 10% لأصحاب الدخول الأقل، ورفع الشريحة العليا إلى 50% للأكثر ثراء.
كما دعا إلى مراجعة ضريبة المجالس المحلية، منتقدا نظاما قد تدفع فيه منازل في لندن تساوي أكثر من 10 ملايين جنيه إسترليني (نحو 12.7 مليون دولار) ضريبة أقل من عقارات أرخص كثيرا في مانشستر، وهو ما وصفه بأنه "غير قابل للتبرير".
وبحسب الصحيفة، طرح بيرنهام على المدى الأبعد استبدال ضريبة المجالس بضريبة على قيمة الأرض، بما يخفف العبء عن مناطق أقل ثراء ويرفعه في لندن وجنوب شرقي إنجلترا حيث ترتفع قيمة الأراضي.
وهنا تتحول "نبرة الشمال" إلى سياسة مالية: إعادة توزيع العبء لا بين الطبقات فقط، بل بين الجغرافيا البريطانية نفسها.
في الصحة والرعاية، تقول تايمز إن بيرنهام، وهو وزير صحة سابق، قد يدفع نحو منح السلطات المحلية والعمد صلاحيات أوسع في تحديد كيفية إنفاق الأموال.
وتنقل أنه يستشهد بدراسة نشرتها مجلة "لانسيت" عام 2022، وجدت أن متوسط العمر ارتفع في مانشستر الكبرى بوتيرة أسرع من مناطق أخرى بعد تفويض صلاحيات الصحة والرعاية.
وتضيف الصحيفة أنه يؤيد دمج الرعاية الاجتماعية في منظومة الصحة العامة لإنشاء ما يسميه "أول خدمة وطنية متكاملة للصحة والرعاية".
كما انتقد سابقا تقديم الرعاية الاجتماعية عبر القطاع الخاص، معتبرا أن شركات تحقق أرباحا "على ظهور بعض أكثر الناس ضعفا في المجتمع".
وفي الإصلاح الدستوري، تقول تايمز إن بيرنهام يدعو منذ سنوات إلى تغيير قواعد وستمنستر، عبر استبدال النظام الانتخابي الحالي بالتمثيل النسبي، وإلغاء مجلس اللوردات لصالح "مجلس للشعوب والمناطق"، وتخفيف قبضة قادة الأحزاب على تصويت النواب.
وبحسب الصحيفة، يرى أن ذلك قد يعيد للنواب بعض الثقة العامة لأنهم سيبدون أكثر استقلالا في الدفاع عن مناطقهم.
ترسم غارديان صورة لبيرنهام عبر من يعرفونه شخصيا: رجل دافئ وودود "يحب أن يكون محبوبا"، لكنه ليس سياسيا بلا حواف.
فهو خريج كامبردج وقارئ شعر يكتب خطاباته بنفسه، لكنه يلتقط أفكار السياسات، كما تقول الصحيفة، وهو يتسوق مع عائلته في متاجر عادية، ويَعد والدته، وهي موظفة استقبال متقاعدة في عيادة طبيب عام، واحدة من دوائر الاستماع السياسية لديه.
وتنقل غارديان أن بيرنهام يصر على أن تكون عطلات نهاية الأسبوع للعائلة ونادي إيفرتون، لا كحيلة دعائية بل كجزء من نمط حياة لا يريد التفريط فيه.
مع ذلك، لا تصوره الصحيفة بوصفه سياسيا شعبويا بسيطا، فهي تنقل عن مقربين أنه قادر على العناد والصلابة، وأنه لا يتجنب المعارك عندما يقتنع بمسار معين.
وهنا تبدو نبرته الشمالية، كما تقدمها التغطيات البريطانية، مزيجا من الود والصلابة: قريب من الناس، لكنه غير سهل القياد.
ولا يبدو ملف فلسطين والمسلمين البريطانيين، في هذا السياق، تفصيلا منفصلا عن صورة بيرنهام الشمالية، بل امتدادا لها.
فمانشستر التي صنعت حضوره السياسي تعكس بريطانيا أكثر تنوعا وتعقيدا، حيث تتداخل قضايا المعيشة والخدمات مع أسئلة الهجرة والهوية وفلسطين وتمثيل المسلمين البريطانيين.
وتقول صحيفة تلغراف إن بيرنهام يدرك أن حزب العمال لم يعد قادرا على الاطمئنان إلى أصوات المسلمين البريطانيين، خصوصا بعد خسارته في انتخابات عام 2024 مقاعد كانت تُعدّ آمنة لصالح مستقلين مؤيدين لقطاع غزة.
وترى الصحيفة، بلهجة نقدية، أن من مواقفه السياسية المبكرة والبارزة كان تعهده بفرض عقوبات أشد على إسرائيل وسياسيين إسرائيليين، ولا سيما المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة والقدس، إلى جانب حديثه عن حل الدولتين و7 أكتوبر/تشرين الأول وجرائم الحرب والاعتراف بدولة فلسطينية.
هنا يصل سؤال "الشمال" إلى ذروته؛ فبيرنهام الذي بنى حضوره على القرب من الناس والحديث باسم المناطق سيُختبر الآن من موقع أعلى: هل يستطيع أن يحافظ على تلك النبرة حين تصبح قراراته سياسة دولة؟ وهل تبقى تجربة مانشستر، بما حملته من وعد بالإنصات واللامركزية، قادرة على تغيير إيقاع الحكم في بريطانيا، أم تفرض وستمنستر لغتها على الرجل الذي جاء إليها واعدا بتغييرها؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة