في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل ثلاثين يوما، صيغت مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بوصفها "بوابة العبور" الأبرز نحو تهدئة إقليمية شاملة، ومدخلا إلزاميا نحو مفاوضات ستناقش ملفات كبرى ومفصلية وتحتوي نزاعا بين البلدين دام سنوات.
بيد أن حسابات الحبر والورق لم تصمد طويلا أمام عاصفة الميدان، إذ بدلت التطورات المتسارعة المشهد تماما. وما بين الطموح الدبلوماسي الذي كُتب، والواقع العسكري المعقد الذي يفرض نفسه اليوم؛ تكشف المقارنة بين بنود الاتفاق الموقّع والوضع الميداني عن انهيار شبه كامل لخريطة الطريق التي كان مأمولا أن تمتد 60 يوما.
وفي ما يلي رصد تفصيلي لما صِيغ في الغرف المغلقة مقابل ما يجري علنا على جبهات المواجهة:
نصَّ الاتفاق على أن واشنطن وطهران وحلفاءهما في الحرب الحالية يعلنون -من خلال توقيع مذكرة التفاهم- الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ويتعهدون -من الآن فصاعدا- بعدم البدء في أي حرب أو أي عملية عسكرية ضد بعضهم بعضا، والامتناع عن التهديد بالقوة أو استخدامها ضد بعضهم بعضا، وضمان السلامة الإقليمية للبنان وسيادته.
أما عن الوضع الحالي، فقد شنت الولايات المتحدة ضربات جوية لعدة أيام على إيران ردا على الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز، التي تتهمها بالمسؤولية عنها.
وفي المقابل، ردت إيران بإطلاق النار على دول عربية قالت إنها تضم قواعد أمريكية، في حين استمر وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله اللبناني -الذي تم التوصل إليه بعد وقت قصير من الاتفاق الإيراني الأمريكي- في التماسك إلى حد كبير، على الرغم من تجدد الأعمال العدائية في أماكن أخرى من المنطقة.
وبالنسبة لمضيق هرمز، فقد نص الاتفاق على أن إيران ستقوم باتخاذ الترتيبات اللازمة وبذل قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية فيه دون أي رسوم لمدة 60 يوما، من الخليج إلى خليج عُمان والعكس، مع استئناف حركة الملاحة فورا واستكمالها في غضون 30 يوما بعد إزالة العوائق الفنية والعسكرية والألغام.
وبحسب النص الموقع، فإن إيران تُجري حوارا مع سلطنة عُمان بشأن الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، وبالنقاش مع الدول الساحلية الأخرى المطلة على الخليج، بما يتماشى مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية لتلك الدول.
واقعيا كان مضيق هرمز بمثابة الرصاصة التي خرقت جدار الاتفاق، إذ تقول إيران إنه يمنحها الحق في إدارة حركة المرور عبر المضيق وفرض رسوم محتملة بعد 60 يوما.
بينما تعارض الولايات المتحدة وأطراف أخرى ذلك، وتقول إن المضيق يجب أن يكون مفتوحا للجميع دون رسوم، كما كان قبل الحرب.
وقد أنشأت الولايات المتحدة مسارا بديلا في المضيق قرب ساحل عمان وخارج سيطرة إيران، وأدت الهجمات على السفن -التي تستخدم هذا المسار- إلى تجدُّد الأعمال العدائية، ومن ثم انخفاض حركة الملاحة عبر المضيق بشكل حادّ مع تصاعد القتال في الأيام الأخيرة.
وفقا لمذكرة التفاهم، تبدأ واشنطن على الفور برفع حصارها البحري وأي مضايقات أو عوائق ضد إيران، على أن يُستكمل إنهاؤه في غضون 30 يوما.
وخلال هذه الفترة، تكون حركة السفن متناسبة مع أعداد حركة المرور التي كانت سائدة قبل الحرب والتي ستعيد إيران إرساءها، كما تتعهد الولايات المتحدة بسحب قواتها من المناطق المجاورة لإيران في غضون 30 يوما بعد إبرام الاتفاق النهائي.
وتم رفع الحصار بالفعل، لكن واشنطن أعادت فرضه هذا الأسبوع، وأطلقت القوات الأمريكية -أمس الخميس- النار على سفينة قالت إنها كانت تحاول كسر الحصار.
وفيما يتعلق بالعقوبات، تعهدت واشنطن بأنه فور توقيع مذكرة التفاهم وحتى إنهاء العقوبات، ستُصدر وزارة الخزانة الأمريكية استثناءات لتصدير النفط الخام الإيراني والمنتجات البترولية ومشتقاتها، وجميع الخدمات المرتبطة بها بما في ذلك المعاملات المصرفية والتأمينات والنقل وغيرها.
وبالفعل أصدرت الولايات المتحدة هذه الاستثناءات، لكنها ألغتها لاحقا بعد تجدد الهجمات على الشحن البحري.
واقعيا، لا توجد مؤشرات علنية على إحراز تقدم نحو اتفاق نهائي، إذ كانت مذكرة التفاهم تنص على أن تلتزم الدولتان بالتفاوض والتوصل إلى الاتفاق في إطار زمني يبلغ 60 يوما قابلة للتمديد بموافقة الطرفين بعد التوقيع، مما يعني أن الموعد النهائي في منتصف أغسطس/آب المقبل.
وتوقفت المفاوضات بسبب جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، الذي قُتل في الضربات الأمريكية والإسرائيلية الافتتاحية، وليس من الواضح ما إن كانت قد استؤنفت، أو ما إن كان قد تم إحراز أي تقدم.
وكالعادة ما زال الخلاف النووي مستعصيا، إذ تؤكد إيران مجددا أنها لن تحصل على أسلحة نووية أو تُطورها، واتفقت واشنطن وطهران على تسوية مسألة التخلص من مخزون المواد المخصبة بموجب آلية يتم الاتفاق عليها، على أن تكون المنهجية الدنيا هي تخفيف درجة تخصيب تلك المواد في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
كما اتفق الطرفان على مناقشة مسألة تخصيب اليورانيوم وغيرها من المسائل المتعلقة بالاحتياجات النووية لإيران، وفق إطار مُرضٍ يتم الاتفاق عليه في الاتفاق النهائي.
وليس من الواضح ما إن كان قد تم إحراز أي تقدم نحو الهدف الطموح للغاية والمتمثل في حل القضية النووية في غضون 60 يوما، ولم تقدم إيران علنا أي تنازلات مع تكرار موقفها القديم بأن برنامجها سلمي، وقد رفضت السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة المواقع النووية المقصوفة التي يُعتقد أن اليورانيوم عالي التخصيب قد دُفن فيها.
وتعهدت الولايات المتحدة برفع جميع العقوبات في إطار الاتفاق النهائي، لكن المسؤولين الأمريكيين قالوا مرارا إن ذلك مرتبط بالتقدم المحرَز في الملف النووي وقضايا أخرى.
بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية في 28 فبراير/شباط الماضي، فإن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لا تُنهي الصراع بقدر ما تنقله إلى مرحلة جديدة. إنها ليست اتفاقية سلام بقدر ما هي اتفاقية للتفاوض على اتفاقية سلام، مع عدم وجود وضوح بشأن عواقب الفشل.
وإذا كان لنُسَخ نص الاتفاق المسرّبة أن تُصدَّق، فإنها لا تحل تقريبا أيا من المسائل النووية، أو الصواريخ الباليستية، أو شبكات الحلفاء، أو أسئلة الأمن الإقليمي.
وبدلا من ذلك، تم تأجيل كل قضية خلافية تقريبا إلى نافذة مفاوضات مدتها 60 يوما يمكن تمديدها، وهو ما يخلق نمطا من الترقب والمراوحة "المناسبة سياسيا" قد يمتد إلى انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وحينها قد يتغير موقف الرئيس ترمب من إيران مرة أخرى.
وإذا كان المؤرخ الأمريكي ديفيد فرومكين قد وصف تسوية الحرب العالمية الأولى الشهيرة بأنها "سلام لإنهاء كل سلام"، فإن هذا الاتفاق ربما يكون شيئا مختلفا: السلام الذي لم يكن سلاما، وبالتالي فإن الخطر الأكبر ليس تجدد الحرب الشاملة، بل هو شيء أكثر مكرا: حالة من القصور الدبلوماسي الدائم، وفقا لتحليلات المعهد الملكي للخدمات المتحدة.
ويرى المعهد أن الوهم الأكبر والأول هو تصور أن 60 يوما يمكن أن تحل ما عجزت عنه ثلاثة عقود من الدبلوماسية الفاشلة، إذ لا يبدو أن مذكرة التفاهم تحسم السؤال الأساسي الذي يقع في قلب النزاع الأمريكي الإيراني: كيف ستتم إدارة القيود المفروضة على برنامج إيران النووي، وبموجب أي نظام تفتيش، ومقابل أي تخفيف للعقوبات. وبدلا من ذلك، فإنها تؤجل هذه الأسئلة، وتُلزم الأطراف بإجراء مزيد من المحادثات مع ترك جوهر تلك المحادثات دون حل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة