آخر الأخبار

نفط الخليج يعيد رسم حسابات بكين.. هل تضع المصالح الصينية سقفا لدعم إيران؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تكشف ناقلات النفط الإيرانية المتكدسة في البحر عن تحول يتجاوز اضطرابا مؤقتا في تجارة الخام، بعدما بدأت المصافي الصينية المستقلة، التي تمثل السوق الرئيسية للنفط الإيراني الخاضع للعقوبات، تحويل جزء من مشترياتها إلى خامات أرخص قادمة من دول خليجية.

ولا يعني هذا التحول أن الصين تتخلى عن شراكتها مع إيران، لكنه يكشف حدود تلك الشراكة عندما تتعارض مع أولوية أكبر في السياسة الصينية، تتمثل في ضمان إمدادات مستقرة ومتنوعة ومنخفضة الكلفة من منطقة الخليج.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 تباطؤ حاد لاقتصاد الصين وسط ضغوط أزمة النفط
* list 2 of 3 تصعيد واشنطن وطهران.. كيف تدير الصين توازن النفط والدبلوماسية في عالم متعدد الأقطاب
* list 3 of 3 كيف تلتف إيران على الحصار الأمريكي عبر بوابة الصين؟ end of list

فبكين تستوعب ما بين 80% و90% من صادرات النفط الإيرانية، لتشكل شريانا اقتصاديا رئيسيا لطهران، لكنها ترتبط في المقابل بعلاقات أوسع بكثير مع دول الخليج في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية والبتروكيماويات والتكنولوجيا.

ويقول أستاذ الدراسات الدولية بجامعة سون يات سين الصينية شاهر الشاهر للجزيرة نت، إن الصين لا تنظر إلى علاقتها بإيران ودول الخليج بمنطق الاختيار بين طرفين متنافسين، بل باعتبارها شبكة من المصالح المتوازنة.

فإيران، وفق الشاهر، تمثل شريكا جيوسياسيا وموقعا محوريا في مشاريع الربط القاري ومبادرة الحزام والطريق، بينما يشكل الخليج الركيزة الأساسية لأمن الطاقة الصيني وأحد أهم شركاء بكين الاقتصاديين والاستثماريين.

خام الخليج الأرخص

اشترت مصافٍ مستقلة في إقليم شاندونغ الصيني ما بين 16 مليونا و20.5 مليون برميل من نفط قطر والعراق والإمارات، في حين اشترت شركة التكرير الخاصة "شنغهونغ بتروكيميكال" نحو 12 مليون برميل إضافية من العراق وأبوظبي والسعودية، حسب بيانات تداول نقلتها رويترز.

جاءت هذه المشتريات بعدما بيعت خامات خليجية بخصومات تراوحت بين 5 و8 دولارات للبرميل مقارنة بعقود خام برنت، في حين بقي الخصم على الخام الإيراني الخفيف عند نحو دولارين إلى 3 دولارات للبرميل.

إعلان

وأظهرت بيانات السوق في 8 يوليو/تموز 2026 أن خامي زاكوم العلوي الإماراتي والشاهين القطري كانا يعرضان بخصم يقارب 7 إلى 8 دولارات للبرميل مقارنة بعقود برنت، بعدما كان الخصم في الأسبوع السابق يدور حول 5 دولارات.

وفي بعض الصفقات، باعت شركة بترول أبوظبي الوطنية "أدنوك" شحنات من خام زاكوم العلوي بخصومات وصلت إلى ما بين 7 و9 دولارات مقارنة بخام دبي.

ويرى الشاهر أن الميزة السعرية التي تمتع بها النفط الإيراني خلال السنوات الماضية تراجعت تدريجيا، ولم تعد الخصومات التي تقدمها طهران كافية لتعويض المخاطر المرتبطة بالعقوبات والشحن والتأمين والتسويات المالية، خصوصا مع توفر إمدادات بديلة من روسيا ودول الخليج بأسعار تنافسية.

ويضيف أن النفط الخليجي يوفر للمصافي الصينية بيئة تجارية أكثر استقرارا، سواء من حيث أمن النقل البحري أو سهولة الدفع والتأمين، إلى جانب العلاقات الاقتصادية المتنامية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي.

ولا يتعلق الأمر، حسب الشاهر، بانخفاض جودة النفط الإيراني، بل بارتفاع كلفة الحصول عليه في ظل العقوبات وما تفرضه من أعباء إضافية على النقل والتمويل والتكرير.

لماذا تراجع الإقبال؟

يأتي ضعف الطلب الصيني على النفط الإيراني نتيجة فارق السعر، بالإضافة إلى تحول أوسع في الطلب داخل الصين منذ اندلاع الحرب وإغلاق مضيق هرمز فعليا.

ويقول خبير شؤون الطاقة هاشم عقل للجزيرة نت إن الصين أوقفت بعد اندلاع الحرب عمليات الشراء المكثف التي كانت تستهدف بناء المخزونات الاحتياطية، وخفضت مصافيها كميات الخام التي تعالجها، كما عدلت مزيج المنتجات المكررة.

ووفق عقل، تراجعت واردات الصين الإجمالية من نحو 11 مليون برميل يوميا قبل الحرب إلى مستويات أدنى بكثير في الأشهر التالية، في وقت انخفضت فيه معدلات تشغيل المصافي المستقلة، المعروفة باسم "أباريق الشاي"، إلى أدنى مستوى في نحو 9 سنوات.

وتشير بيانات شركات تتبع الناقلات ووكالات التسعير إلى تباين في تقدير واردات المصافي الصينية من الخام الإيراني خلال يونيو/حزيران، إذ تراوحت التقديرات بين نحو 654 ألفا و888 ألف برميل يوميا، لكنها اتفقت على تسجيل هبوط حاد مقارنة بالشهر السابق.

وأظهرت بيانات "ستاندرد آند بورز غلوبال" أن واردات المصافي المستقلة الصينية من النفط الإيراني بلغت نحو 888 ألف برميل يوميا في يونيو/حزيران 2026، بانخفاض 41.4% مقارنة بمايو/أيار السابق له و47.1% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، لتسجل أدنى مستوى في 17 شهرا.

كما أشارت بيانات تتبع الناقلات إلى انخفاض الواردات في مطلع يوليو/تموز إلى نحو 556 ألف برميل يوميا، وهو أدنى مستوى منذ يناير/كانون الثاني 2023.

ويربط عقل هذا التراجع بضعف الطلب من المصافي المستقلة، التي تعد الزبون الأساسي للخام الإيراني، إلى جانب مخاوف المصافي الحكومية الكبرى بشأن قدرة البنوك على تمويل الصفقات المرتبطة بالنفط الخاضع للعقوبات.

ويضيف أن العقوبات الأمريكية الجديدة زادت الحذر المالي، بعدما أوقفت بنوك صينية كبرى تقديم قروض جديدة إلى خمس مصاف تعرضت لعقوبات أمريكية بسبب صلاتها بالنفط الإيراني، في خطوة تعكس الفصل بين معارضة بكين السياسية للعقوبات وبين حذر مؤسساتها المالية من التعرض لعقوبات ثانوية.

إعلان

ويرى الشاهر أن تباطؤ نمو الطلب الصيني، وارتفاع المخزونات الإستراتيجية، والتوسع في المركبات الكهربائية والطاقة النظيفة، كلها عوامل خففت حاجة الصين إلى شراء كميات إضافية من النفط مرتفع المخاطر.

مصدر الصورة واردات المصافي المستقلة الصينية من النفط الإيراني تراجعت بنسبة 41.4% في يونيو 2026 مقارنة بمايو السابق له (غيتي)

تكدس النفط الإيراني

تزامن ضعف الطلب مع ارتفاع كميات النفط الإيراني الموجودة على متن الناقلات، بعدما كثفت طهران صادراتها خلال فترة التهدئة المؤقتة مع الولايات المتحدة، متوقعة تسويق الشحنات في آسيا قبل عودة العقوبات والقيود البحرية.

لكن تسارع تحميل الناقلات لم يقابله طلب مماثل من المصافي الصينية.

وبين منتصف يونيو/حزيران وبداية يوليو/تموز، غادرت عشرات الناقلات الإيرانية محملة بالنفط الخام والمنتجات البترولية، فيما اتجه جزء منها إلى مناطق الانتظار قرب سنغافورة وجوهور الماليزية بحثا عن مشترين أو مواقع لإجراء عمليات نقل من سفينة إلى أخرى.

وتراجعت معدلات تشغيل مصافي شاندونغ المستقلة إلى نحو 50.76% في يونيو/حزيران 2026، بينما دخلت طاقات تكريرية كبيرة في أعمال صيانة خلال يونيو/حزيران ويوليو/تموز الماضيين، ما قلص إجمالي الحاجة إلى الخام.

شراكة غير متكافئة

تكشف هذه التطورات الطبيعة غير المتكافئة للعلاقة بين الصين وإيران، فطهران تعتمد على السوق الصينية لتصريف معظم صادراتها النفطية، في حين لا يمثل النفط الإيراني سوى جزء محدود من واردات الصين المتنوعة.

واشترت الصين خلال عام 2025 نحو 1.38 مليون برميل يوميا من الخام الإيراني، بما يعادل قرابة 13.4% من وارداتها النفطية المنقولة بحرا، بينما استحوذت على أكثر من 80% من إجمالي النفط الإيراني المشحون إلى الخارج.

ويرى عقل أن النفط الإيراني يظل مربحا للصين بفضل الخصومات، لكنه يبقى هامشيا مقارنة بإجمالي وارداتها من الخليج، ولذلك تتعامل بكين مع طهران بمنطق براغماتي يوازن بين الاستفادة من السعر المنخفض وتجنب أي تهديد لتدفقات الخام أو تعرض المصارف الصينية لعقوبات ثانوية.

ويشير إلى أن الصين تتعامل مع إيران بوصفها مصدرا للنفط وشريكا في مواجهة النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة عبر منصات مثل " بريكس" ومنظمة شنغهاي للتعاون، لكنها تجنبت رغم ذلك تقديم التزامات دفاعية رسمية لطهران.

وهذا الاختلال يمنح بكين نفوذا اقتصاديا واضحا، لكنه لا يحول العلاقة تلقائيا إلى تحالف سياسي أو أمني.

فاتفاق الشراكة الإستراتيجية الممتد 25 عاما، الذي وقعته الدولتان عام 2021، وضع إطارا للتعاون في الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والأمن، لكن الاستثمارات الصينية داخل إيران ظلت محدودة بسبب العقوبات وصعوبات التمويل.

كما حافظت الصين على تجنب الضمانات الأمنية المباشرة، مفضلة الدعم الدبلوماسي والدعوة إلى خفض التصعيد ومواصلة شراء النفط عندما تكون الجدوى الاقتصادية والمخاطر مقبولتين، وهو ما تشير إليه دراسة بعنوان "طريق بكين الطويل إلى الخليج.. النفط والأمن والجغرافيا السياسية"، أعدها الباحث فؤاد شاهبازوف ونشرتها مجلة "باكو دايلوغز".

ولفتت الدراسة إلى أن توسع العلاقات الصينية مع دول مجلس التعاون الخليجي جاء في بعض المراحل على حساب مركزية الشراكة مع إيران، وأن احتفاظ بكين بعلاقات سياسية واقتصادية مع طهران لا يعني تقديم دعم مفتوح أو غير مشروط لمواقفها أو لصراعها مع الغرب.

مصدر الصورة الصين اشترت في 2025 نحو 1.38 مليون برميل يوميا من الخام الإيراني بواقع 13.4% من وارداتها النفطية المنقولة بحرا (الفرنسية)

الخليج أولا

يرى عقل أن المصالح الخليجية تضع عمليا سقفا للدعم الصيني لإيران، وإن لم تعلن بكين ذلك باعتباره سياسة رسمية.

ويضيف أن السلطات الصينية أوقفت في مارس/آذار صادرات المنتجات النفطية المكررة التي لم تكن قد استكملت إجراءاتها الجمركية، في مؤشر على قلق متزايد من اضطراب إمدادات الخليج.

إعلان

وأظهرت اضطرابات الإمدادات حساسية قطاع التكرير الصيني، إذ أجلت شركتان تشغيل مشروعين جديدين بطاقة مشتركة تبلغ نحو 500 ألف برميل يوميا، بسبب حالة عدم اليقين بشأن إمدادات الخام القادمة من الشرق الأوسط، وفق رويترز.

ويقول الشاهر إن الصين ترفض العقوبات الأحادية على إيران وتؤكد احترام سيادتها، لكنها في المقابل ترفض أي خطوات تهدد الملاحة الدولية أو استقرار أسواق الطاقة، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز أو استهداف المنشآت النفطية الخليجية.

مصدر الصورة المصافي المستقلة في إقليم شاندونغ الصيني اشترت ما يصل إلى 20.5 مليون برميل من نفط قطر والعراق والإمارات (الفرنسية)

شراكة بلا ضمانات

تشير التجربة الأخيرة وفق البيانات إلى أن الصين، عند تعرض إمدادات الخليج للخطر، فضلت تقليص وارداتها والاعتماد على مخزوناتها بدلا من التصعيد عسكريا لحماية تدفقات النفط الإيراني.

ويرى عقل أن هذا السلوك يوضح أولوية استقرار تدفق الخام من الخليج وسلامة النظام المصرفي الصيني على أي التزام سياسي تجاه طهران، رغم استمرار الدعم الدبلوماسي والرمزي.

ويضيف أن اعتماد الصين الكبير على مضيق هرمز يجعلها شديدة الحساسية تجاه أي تصعيد، ولذلك يرجح أن تضغط على إيران لتجنب تعطيل الملاحة، وقد تقلص مشترياتها من النفط الإيراني مؤقتا لصالح بدائل أخرى.

ويتفق الشاهر مع هذا التقدير، موضحا أن السيناريو الأكثر ترجيحا في حال تهديد تدفقات النفط يتمثل في تكثيف الصين جهود الوساطة وخفض التصعيد، واستخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي للضغط على الأطراف، بدلا من الانخراط في التزامات عسكرية مباشرة دفاعا عن إيران.

ويرى أن هذا النهج ينسجم مع العقيدة الصينية التي تفضل توظيف القوة الاقتصادية والدبلوماسية على الانخراط العسكري خارج حدودها.

هل تملك دول الخليج نفوذا أكبر؟

يمنح تحول جزء من المشتريات الصينية نحو المنتجين الخليجيين دول المنطقة ورقة إضافية في علاقتها مع بكين، لأن المصافي الصينية أظهرت قدرتها على استبدال جزء من الخام الإيراني بخامات عراقية وإماراتية وقطرية وسعودية عندما أصبحت الأسعار أكثر جاذبية.

وتمتلك السعودية والإمارات طرقا جزئية لتجاوز مضيق هرمز، عبر خطوط الأنابيب الممتدة إلى البحر الأحمر وخط حبشان-الفجيرة، وهو ما يرفع قيمتهما الإستراتيجية لدى بكين في فترات اضطراب الملاحة.

ويرى عقل أن هذا التحول يعزز مكانة الرياض وأبوظبي بوصفهما موردين يصعب الاستغناء عنهما، لكنه يشدد على أن النفوذ الناتج ما زال اقتصاديا وتجاريا بالدرجة الأولى، ولم يتحول بعد إلى قدرة سياسية مباشرة تتيح لدول الخليج تغيير موقف بكين الدبلوماسي أو الأمني من إيران.

أما الشاهر، فيرى أن النفوذ الخليجي يتجاوز النفط تدريجيا، مع تحول العلاقات الصينية الخليجية من نموذج "النفط مقابل السلع" إلى شراكة أكثر شمولا تشمل الاستثمار والتكنولوجيا والموانئ والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد والطاقة المتجددة والهيدروجين والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

ويضيف أن قدرة دول الخليج على تحويل ثقلها الاقتصادي إلى نفوذ طويل الأجل ستعتمد على استمرارها في توفير إمدادات مستقرة، وتوسيع الاستثمارات المشتركة، وتعميق حضورها في القطاعات التي تعدها الصين إستراتيجية لمستقبلها الاقتصادي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا