إذا كان هناك ظواهر تكثفت في السنوات الأخيرة في العالم، فإن ظاهرة النبوءات والهوس بنهاية العالم وتوقعات الأحداث بناء على النصوص الدينية قد يكون من أكثر هذه الظواهر إثارة لاستغراب العقلاء في عالمنا اليوم.
فعلى الرغم من الادعاءات الكثيرة بدخول العالم في عصر التنوير والتحرر من سلطة النصوص كما يحلو لكثير من المنظرين الغربيين الادعاء اليوم، فإن انتشار لوثات مدعي العلم الأخروي ومدعي النبوءات أصبح ظاهرة لافتة فعلا، ولعل هذا الأمر يرجع إلى التسارع غير المسبوق في الأحداث في منطقتنا بشكل خاص وفي العالم بشكل عام.
لسنا نتكلم هنا عن منجمي الأبراج والنجوم الذين يحلو لبعض وسائل الإعلام عرض هرطقاتهم علينا نهاية كل عام، وغالبا ما تصبح مادة للتندر خلال العام عندما تحدث عكس تلك التوقعات، لكن الموضوع يتعلق باستخدام نصوص الكتب المقدسة في محاولة استقراء المستقبل والحديث عن نبوءات آخر الزمان بل وتحديد مواعيدها في بعض الأحيان.
بمجرد الحديث عن هذا الأمر قد يخطر في أذهان بعض القراء ارتباط هذا الأمر بالعالم الإسلامي بالذات، خاصة مع اشتهار أسماء معينة في عالمنا الإسلامي اليوم ارتبطت بفكرة النبوءات ومحاولة استقراء النص القرآني الكريم وتنزيله على المستقبل بما لا يتسع المجال هنا لشرحه أو الرد عليه.
لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن إسرائيل من أكثر المناطق التي تنتشر فيها جماعات دينية تحاول استقراء المستقبل من خلال النصوص التوراتية، والفارق بين هذه الحالة من ناحية، والحالات التي ذكرناها في العالم الإسلامي من ناحية أخرى، هو أن الحالة في إسرائيل تعتبر لدى رجال الدين حالة دينية معترفا بها رسميا ضمن ما يعرف في الديانة اليهودية بعلم "القبالاه"، وهو فن صوفي شديد التعقيد يتناول طرقا وأساليب خاصة لقراءة النص الديني واستشفاف "الإشارات الخفية" فيه.
هذا الفن الذي يعتبر من أشد الدراسات الدينية تعقيدا في المدارس الدينية التوراتية، عموما، يفتح المجال للبعض لاستشفاف رؤى دينية مستقبلية، وقد يثير بعضها الجدل أحيانا.
مع بداية أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تتناقل تنبّؤات كان هذا الحاخام قد نشرها مسبقا، وادعت أن بعضها تحقق بالفعل
في هذا السياق يتردد في الإعلام الإسرائيلي الحاخام المثير للجدل نير بن أرتسي. وهو زعيم جماعة أصبحت تعتبر أن النبوءات المستقبلية التي تكاد تكون يومية لدى بن أرتسي، هي ما يميزها عن بقية الجماعات الدينية الحريدية في إسرائيل.
بن أرتسي البالغ من العمر 69 عاما هو حاخام حريدي متطرف ولد وما زال يسكن في مستوطنة "تالاميم" الواقعة بين "سديروت" و"كريات جات" في جنوب إسرائيل، وهي مستوطنة قريبة من حدود قطاع غزة.
ويرجع أصل هذا الحاخام إلى جزيرة "جربة" التونسية، حيث هاجر والداه إلى إسرائيل من تونس، وغيّر والده اسم العائلة بعد الهجرة من "بوخريص" إلى "بن أرتسي" ومعناه "ابن وطني".
بن أرتسي لم يكن معروفا بالتعمق العلمي في دراسات التوراة، وإنما عرفه الناس في تسعينيات القرن الماضي بادعاءاته معرفة المستقبل من خلال علم "القبالاه"، وبادعائه امتلاك قدرات روحانية خارقة!.. ويحرص الرجل عند بث رسائله على قنواته المختلفة على الحديث بأسلوب بليغ مع عيون مغلقة وكأنه يتلقى وحيا إلهيا.
ولذلك فإن بن أرتسي اكتسب أتباعا من المستوطنين المعجبين به وبأطروحاته الغريبة. بل إنه نجح في الحصول على دعم حاخامات كبار مثل "شموئيل إلياهو" حاخام صفد، و"يوسف ياشار" حاخام عكا، وهما من المعجبين بأطروحاته ويرون فيه رجلا تقيا صاحب رؤى دينية خلاصية روحانية، وذلك على الرغم من تورطه في محاكم عديدة وقضايا فساد مالي كبيرة في مؤسساته التي جمع من خلالها مئات الملايين من الشواكل، كجمعية "تائير نيري" التي يتبع لها عدد من المؤسسات الدينية والاجتماعية وغيرها.
هذا الحاخام اعتاد منذ تسعينيات القرن الماضي الخروج على أتباعه بنبوءات مختلفة تتعلق أغلبها بقرب نزول المسيح المخلص، وتهيئة الظروف لظهوره، وهو بذلك يعطي الكثير من الأمل لأتباعه بقرب إعلان النصر النهائي للشعب اليهودي على أعدائه- على حد تعبيره- وازدياد الإشارات الإلهية في هذه المرحلة.
مع بداية أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تتناقل تنبّؤات كان هذا الحاخام قد نشرها مسبقا، وادعت أن بعضها تحقق بالفعل، مثل "نبوءته" في شهر فبراير/شباط عام 2024 بتمكن إسرائيل من قتل رئيس حركة حماس في غزة يحيى السنوار، قبل أن يعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي تمكنه بالفعل من قتل السنوار في غزة بعد ثمانية شهور.
وكذلك تناولت وسائل الإعلام الإسرائيلية بكثرة "نبوءة" هذا الحاخام التي نشرها عام 2017 وادعى فيها أن إسرائيل ستقضي على القدرات النووية الإيرانية دون أن يتأثر سلاح الطيران الإسرائيلي بالهجوم، لتعلن إسرائيل مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية بالفعل خلال حرب الاثني عشر يوما الأولى عام 2025.
من الواضح أن لجوء الإعلام الإسرائيلي إلى تناول مثل هذه النبوءات المدعاة لهذا الحاخام المثير للجدل كانت جزءا من الحرب النفسية لتثبيت الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإلا فإن النظر بعمق إلى المشهد يكشف أن كلام بن أرتسي لم يكن له علاقة لا بنصوص دينية
من الواضح أن لجوء الإعلام الإسرائيلي إلى تناول مثل هذه النبوءات المدعاة لهذا الحاخام المثير للجدل كانت جزءا من الحرب النفسية لتثبيت الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإلا فإن النظر بعمق إلى المشهد يكشف أن كلام بن أرتسي لم يكن له علاقة لا بنصوص دينية ولا علم "القبالاه" ولا غير ذلك، وإنما يمكن اعتباره "أمنيات" أكثر من كونه "نبوءات".
فالحاخام بن أرتسي- على سبيل المثال- كان قد ادعى في "نبوءته" بخصوص السنوار أن وفاته ستكون بالضبط بنفس طريقة موت شخصية "هامان" التي ذكرها سفر "إستر" في التوراة. حيث تذكر التوراة أن "هامان" صُلب على يد الملك الفارسي بشكل فاضح لخيانته وغدره.
لكن هذا لم يكن له أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد بمشهد "عصا السنوار" الشهير الذي نشره جيش الاحتلال، بسوء تقدير منه، حيث انقلبت الصورة تماما على الجيش الإسرائيلي من خلال مشهد صمود السنوار الأيقوني ورميه العصا على طائرة الدرون في لحظاته الأخيرة.
أما ما ادعاه هذا الحاخام حول حرب إيران وما سماه "القضاء على المنشآت النووية الإيرانية"، فإنه لم يتحقق لا في الحرب الأولى ولا في الثانية، ولا دليل على ذلك أقوى من متابعة تصريحات ترمب المتضاربة حول هذا الموضوع بالذات.
بالمقابل، فإن أتباع هذا الشخص يغضون الطرف عن كثير من نبوءاته التي لم تتحقق، مثل نبوءته التي نشرها في شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2021 وادعى فيها وفاة بعض قادة دول في المنطقة، ونحن الآن بالطبع في عام 2026، ومرت خمس سنوات على ذلك الزعم الذي كان يفترض أن يحدث- حسب ادعاء بن أرتسي- قبل نهاية 2021.
اليوم، يظهر علينا بن أرتسي نفسه بنبوءة جديدة يدعي فيها أن نتنياهو سيفوز بثمانين مقعدا في الانتخابات القادمة، وأن المعبد المزعوم سيبنى قريبا مكان المسجد الأقصى، داعيا يهود العالم للتجمع في إسرائيل استعدادا لهذا الحدث الكبير، وهنا تكمن خطورة هذه النبوءة المزعومة.
المفارقة لا تتعلق بـ"بن أرتسي" بشخصه، وإنما تتعلق بالمبدأ الذي يسير عليه عدد من حاخامات المستوطنين من أمثال يهودا غليك، وديفيد وولفسون وغيرهما، والذي يتلخص بضرورة زراعة الثقة العمياء في نفوس أتباعهم تجاه ضرورة تحقيق النبوءات التوراتية والتلمودية في زماننا الحاضر، ومراهنتهم على أن الإيمان المطلق لأتباعهم بهذه النبوءات قد يكون سببا كافيا لتحقيقها بالقوة.
هذه هي قوة النبوءة؛ فبغض النظر عن صحتها أو خطئها لدى هذا الحاخام أو غيره، فإن من طبيعة الأتباع والشعوب أن تتعلق بها وترى حتمية تحقيقها، وهذا هو مفتاح العمل على تجسيدها في الواقع. وذلك لأن العقل الجمعي المشبع بالقناعة بالنبوءة يفسر أي تطور ذي علاقة بالحدث الذي ينتظره على أنه بداية الحدث المنتظر.
وبالتالي فإن من الطبيعي أن يرغب كل مؤمن من هؤلاء أن يكون واحدا من صناع النبوءة، فيسارع للانضمام لأي حدث بفاعلية، وبذلك يمكن أن تتحول النبوءة من مجرد قول إلى حراك متكامل يريد أن يجعلها حقيقة واقعة، وهنا تكمن القوة الحقيقية لفكرة النبوءة، بل وخطورتها أحيانا.
هذا الحاخام اعتاد منذ تسعينيات القرن الماضي الخروج على أتباعه بنبوءات مختلفة تتعلق أغلبها بقرب نزول المسيح المخلص، وتهيئة الظروف لظهوره، وهو بذلك يعطي الكثير من الأمل لأتباعه بقرب إعلان النصر النهائي للشعب اليهودي على أعدائه
هذه هي النقطة التي يراهن عليها حاخامات تيار الصهيونية الدينية الذين يشبعون أبناءهم بمثل هذه النبوءات ويرجون أن يكون لذلك دور في تحقيقها ولو بالقوة.
قد يرى البعض أن وجود النبوءة أو طرحها من أحد قد يكون له أثر عكسي على الناس يجعلهم ينتظرون تحققها بسلبية، مما يحد من أي حراك جمعي. لكن الواقع أن هذه الفكرة السلبية تنطبق فقط على الحالة التي لا تتمتع النبوءة بتأييد وإيمان قوة سياسية لديها أدوات تنفيذية.
أما في حال وجود قيادة سياسية لديها مشروع وبرنامج وأجهزة وأدوات تنفيذية، وفي نفس الوقت تؤمن بنبوءة غيبية معينة، فإن من الطبيعي أن تتحول "النبوءة" إلى "برنامج عمل" يهدف إلى تحقيقها بالأدوات المتاحة بالفعل لدى القيادة، وهذا هو الحال في إسرائيل اليوم، وخاصة في أروقة حكومة تيار الصهيونية الدينية الخلاصي المؤمن بنبوءات قرب نزول المسيح المخلص وزمن المعجزات وما شابه ذلك من ميثولوجيا.
في هذه الحالة، يتحول شخص مهووس بادعاءات الوحي والإلهام الإلهي ومعرفة المستقبل، مثل نير بن أرتسي، إلى صانع قرار حقيقي من وراء الكواليس، تسير وراء هلوساته دولة كاملة تهرول بسرعة يوما بعد يوم باتجاه المزيد من التحول إلى الثيوقراطية الدينية، وإن كان ثمن ذلك التحول حربا ودما ودمارا للعالم بأسره!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة