آخر الأخبار

ألمانيا والمعايير.. ريادة عالمية ومنافسة محتدمة على المستقبل

شارك
صورة رمزية لمعايير DIN ، ملف يحتوي على المعايير الصناعية الألمانيةصورة من: Thomas Koehler/photothek/IMAGO

في ألمانيا، يكثر الحديث عن أن البيروقراطية وتعقيد القوانين واللوائح يشكلان عبئًا على الاقتصاد ويعرقلان نمو الشركات. لكن الصورة ليست بهذه البساطة؛ فهذه القواعد نفسها يمكن أن تسهم في تسهيل الأنشطة الاقتصادية من خلال توحيد الإجراءات، وتعزيز المنافسة العادلة، وتوسيع فرص الوصول إلى الأسواق .

ويتولى "المعهد الألماني للتوحيد القياسي" (Deutsches Institut für Normung)، المعروف اختصارا باسم (DIN) وضع المعايير القياسية، التي تحدد أفضل الممارسات في مختلف القطاعات. وتؤثر هذه المعايير بشكل مباشر في عمليات الإنتاج وسلاسل التوريد ومتطلبات الجودة وتصميم المنتجات. لذلك، فإن الجهات التي تشارك في صياغة هذه المعايير لا تكتفي بوضع قواعد فنية فحسب، بل تلعب أيضًا دورًا مؤثرًا في تشكيل الأسواق وتحديد اتجاهاتها .

التأثير الدولي للمعايير الألمانية

وهذا أمر ذو قيمة كبيرة للاقتصاد الألماني، خاصة عندما يكون للمعايير الألمانية تأثير خارج الحدود. وهذا بالضبط ما يحدث بانتظام. فألمانيا تتمتع بتأثير كبير في المعهد الأوروبي للتوحيد القياسي (CEN) وكذلك في المنظمة الدولية للتوحيد القياسي (ISO). وفي هذا الصدد تُعتبر جمهورية ألمانيا الاتحادية "بطلة العالم في تصدير المعايير"، إذ لا توجد دولة أخرى تؤثر في وضع المعايير الأوروبية أو الدولية بنفس قوة ألمانيا.

الصين ، هانغتشو 2026 ، عمال في شركة : "سيمنس إنيرجي" أثناء زيارة المستشار ميرتسصورة من: Michael Kappeler/dpa/picture alliance

وتُظهر نظرة على التاريخ مدى قدرة المعايير الموحدة على إحداث تحولات كبيرة في الأسواق. ومن أبرز الأمثلة على ذلك توحيد معايير حاويات الشحن عام 1968. فقبل ذلك، كانت البضائع تُنقل في أكياس وبراميل وصناديق بأحجام وأشكال مختلفة، ما جعل عمليات الشحن والتفريغ بطيئة ومكلفة. لكن مع اعتماد الحاويات الموحدة، أصبحت عملية نقل البضائع أكثر سهولة وتنظيمًا، إذ أمكن تكديس الحاويات بكفاءة ونقلها بسلاسة بين السفن والقطارات والشاحنات المصممة لهذا الغرض. ونتيجة لذلك، شهدت التجارة العالمية نقلة نوعية جعلتها أسرع وأكثر كفاءة وأقل تكلفة .

"من يضع المعايير الدولية يؤثر على الأسواق ويضمن الريادة التكنولوجية"، يقول كريستوف فينترهالتر، رئيس مجلس إدارة معهد "DIN".

المعايير: ما هي أفضل طريقة لفعل شيء ما؟

تتمتع المعايير بهذا التأثير القوي على الرغم من أنها ليست مفروضة قانونا، بل تقرر الشركات طواعيةً ما إذا كانت ستلتزم بها أم لا. وعادةً ما تقرر الشركات الالتزام بها لأن المعايير تجيب على السؤال التالي: كيف يتم عمل شيء ما على أفضل وجه؟ وبذلك لم تعد كل شركة مضطرة للبحث بنفسها عن الحل الأفضل، مما يوفر مزيدا من الأمان ويخفض التكاليف.

وهكذا تعزز المعايير التعاون الدولي بشكل أفضل، كما يوضح مثال الحاويات. فهي تقلل من الحواجز التجارية غير الجمركية وتبسط سلاسل التوريد الدولية. وبالاعتماد على المعايير يمكن للشركات العاملة على مستوى عالمي التحقق بشكل أفضل من مدى ملاءمة الموردين. كما تزيد المعايير من ثقة المستهلكين وتقلل من مخاطر المسؤولية عن المنتجات. بالإضافة إلى ذلك فهي تسهل وصول المنتجات والخدمات إلى الأسواق. ولذلك، إذا صُممت المعايير بما يخدم مصلحة الشركات الألمانية فإنها تحسن من وضعها التنافسي في السوق.

تخطط شركة بوش لتسريح موظفينصورة من: Thomas Kienzle/AFP

بطل العالم في تصدير المعايير

يُمكن ممارسة هذا النوع من التأثير نظراً لأن العديد من المعايير الدولية تنشأ في معهد "DIN" الألماني ولأن لجان "DIN"، التي تُطوَّر فيها هذه المعايير تتألف في المقام الأول من ممثلين عن قطاع الأعمال. ورغم مشاركة ممثلين عن مصالح المستهلكين والمنظمات غير الحكومية ومجموعات أخرى، إلا أن الشركات الكبرى هي وحدها القادرة على تحمل تكلفة انتداب موظفيها للعمل في هذه اللجان لفترات طويلة؛ وهي تسعى بطبيعة الحال، خلال هذه العملية، إلى تضمين حلولها ومصالحها الخاصة في صلب تلك المعايير.

وبالمقابل يوفد معهد "DIN" خبراء إلى منظمات التقييس الأوروبية مثل "CEN" والمنظمة الدولية للتقييس "ISO" وبذلك يؤثر على صياغة المعايير الدولية.

وهكذا يتم نقل مصالح الاقتصاد الألماني إلى العالم وترسيخها كمعايير دولية. ويقول فينترهالتر، رئيس معهد "DIN" في مقابلة مع صحيفة "تاغس شبيغل" إن ما يقرب من 30 في المائة من المشاريع الأوروبية و17 في المائة من المشاريع الدولية تدار من قبل DIN.

إنتاج خاص لـ DW ، الهجمات الإلكترونية تهدد ألمانيا ، هل برلين مستعدة للرد؟صورة من: DW

الصين تحدد أولوياتها

وفي الوقت نفسه أدركت دول أخرى هذه المزايا أيضا. وحسب دراسة أجراها البنك الدولي اكتفت الصين لفترة طويلة بمجرد تبني المعايير الدولية. ومنذ مطلع الألفية الجديدة زادت الحكومة الصينية من جهودها لوضع معاييرها الخاصة. وفي هذا الصدد، كما هو الحال في مجالات أخرى، تلعب الدولة الصينية دورا أكبر بكثير في عملية وضع المعايير مقارنة بالدولة الألمانية. فقد أصبحت الصين، خلال السنوات العشر الماضية فقط، قوية للغاية في عمليات وضع المعايير المتعلقة بتكنولوجيات المستقبل.

تسعى الصين إلى تولي دور قيادي في المعايير التكنولوجية العالمية بحلول عام 2035 ويشمل ذلك الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الكمومية والتكنولوجيا الحيوية والبيانات الضخمة وسلسلة الكتل (Blockchain) والرعاية الصحية والطاقة الجديدة والمواد الجديدة. وقد تم توثيق هذا الهدف الاستراتيجي في إطار التنمية الوطنية للتقييس، الذي تم نشره في عام 2021.

ولهذا، لا يكفي أن تعتمد ألمانيا على ما حققته من إنجازات حتى الآن، "فالتقييس أصبح أداة جيوسياسية على مستوى العالم"، كما حذر فينترهالتر من معهد DIN. وأضاف فينترهالتر أنه يجب على ألمانيا أن تتعلم من هذا التطور وأن تنقل نقاط قوتها بشكل هادف إلى المجالات المستقبلية.

من يضع بصماته وأين

تواصل ألمانيا هيمنتها على قطاعاتها الصناعية الرئيسية ، وذلك وفقاً لـ "مقياس DIN للتوحيد القياسي لعام 2025". ففي مجال التقييس الدولي (ISO) يتصدر الألمان المجالات المتعلقة بالبيئة وهندسة الآلات والقضايا الشاملة والتقنيات المتخصصة. وعلى المستوى الأوروبي (CEN) يستحوذ معهد DIN على ما يقرب من 30 في المائة من جميع الأمانات؛ مما يجعله الرائد الواضح في السوق الأوروبية. تتمتع ألمانيا بقوة خاصة في مجالات الصحة والسلامة المهنية وهندسة الآلات والمنتجات الكيميائية.

وفي المقابل تتصدر الولايات المتحدة المجالات الرقمية بحصة تزيد عن 31 في المائة من أمانات ISO في مجال تكنولوجيا المعلومات، تليها المملكة المتحدة. وتتمتع كوريا الجنوبية بقوة في مجال توحيد المعايير واليابان في مجال معالجة اللغة. وتمتلك ألمانيا 4 في المائة فقط في مجال تكنولوجيا المعلومات لكنها تعزز نفوذها في مجال التكنولوجيا الكمومية وجواز السفر الرقمي للمنتج.

تغادر سفينة المتحف "كاب سان دييغو" التابعة لـ BdT ألمانيا ميناء هامبورغصورة من: Markus Scholz/dpa/picture alliance

الشركات الكبرى لها تأثير كبير

ورغم أن هذا الدور يعزز مكانة الاقتصاد الألماني ويمنحه تأثيرًا أكبر في وضع المعايير الدولية، فإن النفوذ الواسع الذي تتمتع به الشركات داخل لجان التقييس يثير انتقادات في ألمانيا. ويعود ذلك إلى أن المشاركة في هذه اللجان تقتصر في كثير من الأحيان على الشركات الكبرى القادرة على تخصيص الموارد والخبراء لهذا العمل. وفي هذا السياق، يقول ساشا شتوير، المدير التنفيذي للرابطة الألمانية للمهندسين الاستشاريين ( (VBIإن تشكيل لجان المعهد الألماني للتوحيد القياسي (DIN) لا يتسم دائمًا بالتوازن والشفافية، مشيرًا إلى أن المهندسين الاستشاريين المستقلين غالبًا ما يكون تأثيرهم محدودًا مقارنة بالشركات الكبرى .

ولا تستطيع الشركات الصغيرة أو المتوسطة بالضرورة تحمل تكلفة إعفاء موظفين لفترة طويلة لمرافقة عمليات وضع المعايير هذه. "تتحمل الشركات الصغيرة والمتوسطة عبء هذه التعقيدات بشكل غير متناسب. ومن لا يستطيع إيفاد موظفين بشكل دائم إلى لجان التقييس، لا يملك ببساطة أي تأثير على المعايير التي تحدد حياته اليومية"، يقول فيليكس باكليبا، المدير التنفيذي للاتحاد المركزي الألماني لقطاع البناء.

وينطبق الأمر نفسه على مشاركة الأشخاص من مجالات البحث وحماية المستهلك وكذلك الجمعيات البيئية والنقابات، الذين هم ممثلون أيضا في لجان DIN لكنهم لا يستطيعون الظهور بقوة.

صورة رمزية لسحب النقود ، بطاقة الصراف الآلي في جهاز الصراف الآليصورة من: Petra Schneider/IMAGO

المعايير تضخم البيروقراطية

بالإضافة إلى ذلك هناك قلق من أن المعايير تزيد من تضخم البيروقراطية. في ألمانيا وحدها يوجد حوالي 35,000 معيار DIN. وترتبط العديد من المعايير بواجبات توثيق.

ويقول شتوير ممثل اتحاد "VBI": "لدينا عدد مفرط من المعايير، والأهم من ذلك أنها معايير صارمة جداً".

كما يوجه باكليبا انتقادات مماثلة، مشيراً إلى أن "مجموعة اللوائح التنظيمية قد تضخمت على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية لتصبح أشبه بغابة متشابكة يصعب حتى على الخبراء شق طريقهم فيها". فلكل احتمال طارئ يُستحدث بند فرعي جديد، وتتحول كل رغبة في مزيد من الراحة إلى متطلب إلزامي.

ويضيف باكليبا بأسف: "في حين يعتمد جيراننا الأوروبيون أهدافاً تتعلق بالسلامة الوظيفية، نجد أنفسنا غارقين في مواصفات تنفيذية مفرطة في التفاصيل؛ ونتيجة لذلك، أصبحت عمليات البناء في هذا البلد أكثر تكلفة وبطئاً، وأقل تحفيزاً للابتكار".

وفي المقابل، يرى ماكس فلايغ، من الرابطة الألمانية للشركات الصغيرة والمتوسطة ( DMB )، أن المعايير يمكن أن تحد فعلياً من البيروقراطية؛ إذ تتفق الأطراف المعنية على مجموعة موحدة من القواعد. ويضيف قائلاً: "لولا وجود المعايير، لكان لزاماً تنظيم العديد من الأمور عبر عقود، كل عقد على حدة، وإعادة التفاوض بشأنها في كل مرة".

ومن ناحية أخرى، تشير هيئة المعايير الألمانية ( DIN ) إلى أن مبدأ "المعيار يظل معياراً إلى الأبد" ليس قاعدةً متبعة؛ بل تتم مراجعة كل معيار بعد مرور خمس سنوات، ويُلغى في حال وجود شكوك بشأنه.

أعده للعربية: م.أ.م/ تحرير: صلاح شرارة

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا