في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
شهدت العلاقات بين إسرائيل وعدد من دول أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة تطورا لافتا، إذ انتقلت من التعاون الثنائي التقليدي إلى محاولات بناء شراكة سياسية واقتصادية وأمنية واسعة، تقودها الأرجنتين في عهد الرئيس خافيير ميلي.
فقد أُعلن مؤخرا عن مبادرة "اتفاقيات إسحاق" بوصفها امتدادا لـ" اتفاقيات أبراهام" -التي أُطلقت عام 2020، وأدت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية- لكن هذه المرة في دول أمريكا اللاتينية، في خطوة تعكس مساعي إسرائيل لتوسيع شبكة تحالفاتها في ظل المتغيرات الدولية وتداعيات الحرب على قطاع غزة.
وأعلن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي إطلاق المبادرة الجديدة التي حملت اسم "اتفاقيات إسحاق"، والتي تهدف إلى إنشاء إطار للتعاون الدبلوماسي والتجاري والثقافي والإستراتيجي بين إسرائيل ودول أمريكا اللاتينية.
وتسعى المبادرة -بحسب ميلي خلال تصريحات أدلى بها على هامش توقيع عدد من الاتفاقيات الثنائية بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أبريل/ نيسان الماضي- إلى تعزيز التعاون الدبلوماسي والتجاري والثقافي والإستراتيجي مع إسرائيل. إضافة إلى توحيد الجهود في مكافحة الإرهاب و معاداة السامية وتجارة المخدرات، مع توجيه دعوة مفتوحة للدول التي تشارك هذه القيم للانضمام إليها.
وخلال مؤتمر عقد في الأرجنتين، واستضافته "مؤسسة حلفاء إسرائيل" بالشراكة مع منظمة "الأصدقاء الأمريكيين لاتفاقيات إسحاق"، جرى الإعلان عن تفاهمات بين عدد من الحكومات لتعزيز التعاون الاقتصادي ونشر ما وصفت بـ"القيم اليهودية المسيحية".
ووصف رئيس المؤسسة جوش راينستين المؤتمر بأنه "حدث تاريخي"، معتبرا أن "الدبلوماسية القائمة على الإيمان" -الذي تروج له "مؤسسة حلفاء إسرائيل"- باتت تحظى بالقبول في عدد من الحكومات حول العالم والتي كان آخرها دولة فيجي.
ويرى مراقبون أن المبادرة تأتي في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطا سياسية ودبلوماسية متزايدة بسبب حرب الإبادة التي ارتكبتها في قطاع غزة، الأمر الذي دفع تل أبيب إلى البحث عن شركاء جدد.
ويرى الكاتب الروسي فاليري بورت أن خسارة إسرائيل مؤخرا عديدا من حلفائها، بسبب الحرب على غزة، جعلها تفتش جاهدة عن إيجاد حلفاء جدد، ومن بينهم الأرجنتين، بعدما لم يتبق لتل أبيب سوى شريك موثوق واحد تقريبا، وهو واشنطن. ووفق توقعات بورت، فإن دولا مثل أوروغواي و بنما و كوستاريكا ستنضم إلى "اتفاقيات إسحاق" خلال العام الجاري.
وأشار الكاتب الروسي -في مقال نشره له موقع "صندوق الثقافة الإستراتيجية" الروسي- إلى أن الرئيس الأرجنتيني ميلي، الذي يعتبر نفسه "أكثر رئيس صهيوني في العالم" وأكد مرارا وتكرارا شغفه بإسرائيل، كان قد أعلن أن التحالف مع تل أبيب سيكون على سلم أولويات سياسته الخارجية، حتى قبل أن يستقر في القصر الرئاسي في بوينس آيرس.
وبرزت الأرجنتين بقيادة ميلي ضمن أكثر دول أمريكا اللاتينية تقاربا مع إسرائيل، ومنذ توليه السلطة اتخذ الرئيس الأرجنتيني سلسلة من الخطوات أظهرت بوضوح دعمه لإسرائيل.
من بين ذلك، التوقيع على مذكرة تفاهم بشأن الديمقراطية والحرية، وتصنيف حركة المقاومة الإسلامية ( حماس)، و الحرس الثوري الإيراني، وبعض فروع جماعة الإخوان المسلمين منظمات إرهابية، كما أعلن نيته نقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة.
وبعد اندلاع الحرب على إيران، أكد ميلي دعمه للولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة طهران، وأشار إلى أن الأرجنتين كانت ضحية لهجمات استهدفت مركز "آميا" وسفارة إسرائيل، وقال إن القضاء الأرجنتيني أثبت وقوف طهران وراءها، مجددا المطالبة بتحقيق العدالة.
لا تمثل "اتفاقيات إسحاق" بداية جديدة للعلاقات بين إسرائيل وأمريكا اللاتينية، وهي في المجمل علاقة غير ثابتة، ومرت بمراحل مد وجزر.
وحسب دراسة صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، أعدها الباحث الدكتور وليد عبد الحي، اندلعت أول أزمة كبيرة بين الطرفين في ستينيات القرن الماضي، إثر اختطاف الاستخبارات الإسرائيلية الضابط النازي أ دولف آيخمان من الأرجنتين، قبل أن تعود العلاقات بين تل أبيب وبوينس آيرس إلى مسارها الطبيعي في وقت لاحق.
ومع توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979، بدأت عدة دول في أمريكا اللاتينية إعادة النظر في سياساتها تجاه إسرائيل، ومع بداية تسعينيات القرن الماضي، أصبحت لدى تل أبيب 18 سفارة بأمريكا اللاتينية لتتوسع معها العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بالقارة.
ويرى الباحث عبد الحي أن الزيارات التي قام بها مسؤولون إسرائيليون، وفي مقدمتهم نتنياهو، ووزير الخارجية الأسبق أفيغدور ليبرمان، أسهمت في تعزيز الحضور الإسرائيلي داخل القارة، خصوصا في البرازيل والأرجنتين و كولومبيا و بيرو و المكسيك.
وتشير الدراسة -التي نشرها مركز الزيتونة للدراسات- إلى أن النفوذ الإسرائيلي في أمريكا اللاتينية يستند إلى 3 مكونات رئيسية هي:
وسبق أن اتهم الرئيس الكولومبي المنتهية ولايته غوستافو بيترو إسرائيل و الولايات المتحدة بالتدخل لصالح مرشح اليمين أبيلاردو دي لا إسبرييا، وتأتي هذه الاتهامات في ظل علاقة متوترة بين بيترو و تل أبيب بلغت ذروتها بقطع العلاقات الدبلوماسية بسبب الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
وتبنى الرئيس اليساري بيترو مواقف غير مسبوقة ضد تل أبيب تضمنت وصف ما يجري في القطاع بـ" إبادة جماعية"، مع دعوته إلى تشكيل قوة دولية لتحرير فلسطين.
في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية في شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، أن إسرائيل وبوليفيا وقّعتا في واشنطن اتفاقا لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعد عامين من قطع الأخيرة علاقاتها مع تل أبيب احتجاجا على حرب غزة.
وكانت حكومة الرئيس اليساري البوليفي السابق لويس آرسي قد قطعت العلاقات مع إسرائيل عام 2023 عقب اندلاع الحرب في غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ونددت إسرائيل حينها بالخطوة ووصفتها بأنها "استسلام للإرهاب"، بينما رحّبت بها حماس.
ويرى الدكتور عبد الحي أن طبيعة العلاقات الإسرائيلية مع دول أمريكا اللاتينية تتأثر بشكل كبير بطبيعة التوجه السياسي الحاكم، ويستشهد على ذلك ب بوليفيا، التي قطعت حكومتها اليسارية العلاقات مع إسرائيل عقب الحرب على غزة عام 2008، قبل أن تستأنف العلاقة مع إسرائيل عام 2019 بعد مغادرة الرئيس اليساري إيفو موراليس السلطة متوجها إلى المكسيك إثر اضطرابات سياسية.
وأشار عبد الحي إلى أن تل أبيب تواجه تيارات سياسية وثقافية داخل أمريكا اللاتينية تعارض السياسات الإسرائيلية، وهو ما ظهر في توقيع 320 شخصية من القيادات السياسية والمفكرين على عريضة طالبت بفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل إذا مضت في ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة.
ولفت عبد الحي إلى أن نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، إلى جانب العلاقات التجارية مع إسرائيل، ومبيعات الأسلحة، ودعم بعض التيارات اليمينية، والاستعانة بالشركات الأمنية الخاصة، كلها عوامل تسهم في تعزيز النفوذ الإسرائيلي في أمريكا اللاتينية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة