آخر الأخبار

لماذا تعاطف المصريون مع إيران ضد أمريكا وإسرائيل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في أوقات الحروب والأزمات، لا تولد المواقف الشعبية من فراغ أو كردود فعل لحظية، بل تنبع من تراكمات تاريخية وثقافية معقدة يمتزج فيها التاريخ السياسي بالوجدان الجمعي. ويتجلى هذا بوضوح في المشهد المصري؛ إذ إن حالة العداء الشعبي العام تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل في صراعهما مع إيران ليست مجرد موقف سياسي عابر أو انفعال لحظي. إنها نتاج مسار ممتد من الحروب والتسويات، والتحولات السياسية، والتجارب اليومية التي صاغت وعي المصريين وشكلت مواقفهم على مدى عقود.

ورغم المحاولات المستمرة لتفسير هذا المزاج الشعبي من زوايا ضيقة – كالأحداث الآنية أو الاستقطابات السياسية المحدودة – فإن فهمه الحقيقي يتطلب قراءة المشهد في سياق أوسع؛ يستند إلى الذاكرة الجماعية التي تنظر إلى إسرائيل كعدو تاريخي. فضلا عن ذلك، يرتبط هذا الموقف ارتباطا وثيقا بوعي المصريين بمكانة بلدهم الإقليمية، وحساسيتهم البالغة تجاه قضايا السيادة، ورفضهم المطلق للتدخلات الخارجية والحروب التي تعصف بالمنطقة.

"لا يمكن فهم الموقف الشعبي المصري دون اعتبار الذاكرة التاريخية التي تعادي إسرائيل، والخبرة الجماعية للصراع معها"

ولتفكيك هذا المزاج العام، لا بد من تتبع مستوياته المختلفة – الرسمية منها والشعبية – وقراءتها في ضوء التحولات التاريخية والسياسية والثقافية الممتدة وصولا إلى الحرب الراهنة؛ وهو ما يتيح فهما أعمق للدوافع الكامنة وراء مواقف المصريين، والسياقات التي تعيد إنتاجها وتشكيلها مع كل أزمة جديدة.

مصدر الصورة حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 (أسوشيتد برس)

من المواجهة الوجودية إلى السلام البارد

شهدت السياسة المصرية تجاه إسرائيل مسارا معقدا من التحولات التي أعادت تعريف مفهوم "الأمن القومي" وألقت بظلالها على الوعي الشعبي والقرار الرسمي على حد سواء. فمنذ قيام إسرائيل عام 1948 وحتى حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، كانت مصر جبهة من الجبهات الرئيسية في الصراع العربي الإسرائيلي، معتبرة إسرائيل تهديدا وجوديا يتطلب تعبئة شاملة لكل القدرات العسكرية والسياسية والرمزية للدولة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 هذه القوة النووية القادمة التي يجب أن يخشاها العالم
* list 2 of 2 الرقم الذي حيّر العلماء أكثر من 100 عام end of list
إعلان

خلال هذه المرحلة، ارتبطت السياسة الرسمية بالخطاب القومي "المقاوم"، تحديدا في فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، فيما كان المجتمع المصري يرى في كل مواجهة مع إسرائيل فرصة لاستعادة الحقوق التاريخية، وتحقيق الشعور بالتحرير الكامل. كانت تلك الفترة تمثل ذروة الثقة الوطنية بقدرة مصر على مواجهة العدو، مع تكامل واضح بين القيادة السياسية والتطلعات الجماهيرية حول تلك القضية. فضلا عن ذلك، سعت مصر إلى دفع مسيرة "التحرر" في العالم العربي، بكل تعقيداته وخلافاته، محاولة قيادة المعركة العربية الموحدة رغم الانقسامات الإقليمية والصراعات البينية.

"يرى المجتمع المصري في كل مواجهة مع إسرائيل فرصة لاستعادة الحقوق التاريخية، وتحقيق الشعور بالتحرير الكامل"

شكلت هزيمة عام 1967 نقطة تحوّل حاسمة في وعي الدولة والمجتمع، إذ أدرك جمال عبد الناصر ومعه دوائر صنع القرار أن التفوق العسكري الإسرائيلي يحدّ من إمكانية الارتقاء بفعل مصر إلى مستوى خطابها الطموح بالأدوات التقليدية المتاحة آنذاك. لم تتراجع روح "المقاومة"، وإنما أُعيد توجيهها ضمن رؤية أكثر تركيبا، أعادت تعريف الصراع بوصفه عملية ممتدة تحتاج إلى إدارة بعيدة المدى.

وفي هذا الإطار، بدأت معالم الرؤية الناصرية الأوسع في التبلور والوضوح بوصفها عقيدة سياسية مناهضة للتدخل الغربي والاحتلال الصهيوني معا. لذلك، دعمت مصر الناصرية حركات تحرر متعددة من الجزائر إلى دول أفريقيا السمراء، كما دعمت قوى معارضة في إيران في مواجهة نظام الشاه الموالي للولايات المتحدة وحلفائها، تحديدا بين عامي 1962 و1966، وهو ما عكس تصورا رسميا وشعبيا يتجاوز الحدود الوطنية نحو بناء جبهة أوسع ضد الهيمنة الغربية والتوسع الصهيوني.

تزامن ذلك مع سعي الدولة إلى تحقيق توازن دقيق بين الإبقاء على خطاب المقاومة من جهة، والتعامل الواقعي مع حدود القوة من جهة أخرى. وعليه، وُجه التركيز إلى إعادة بناء القدرات الداخلية، بالتوازي مع تنشيط المسار الدبلوماسي وتوسيع شبكة التحالفات الإقليمية والدولية، خاصة خلال سنوات حرب الاستنزاف (1967–1970). وفي خضم هذه التحولات، تبلور ما يمكن تسميته بـ"المزاج الناصري" القائم على مركزية الصراع مع الاستعمار والصهيونية كإطار جامع للوعي السياسي المصري.

"دعمت مصر الناصرية حركات تحرر متعددة من الجزائر إلى أفريقيا السمراء، كما ساندت قوى معارضة في إيران في مواجهة نظام الشاه"

ولم يقتصر أثر هذا المزاج على الداخل المصري، إذ امتد إلى دوائر أوسع في المنطقة، بما في ذلك إيران، حيث انعكس إرث عبد الناصر في الوجدان الثوري لدى بعض قوى المعارضة والجماهير الإيرانية الثائرة على نظام الشاه. ويظهر هذا الامتداد الرمزي في شهادات لاحقة، من بينها ما عبّر عنه المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي نفسه، في مذكراته.

مصدر الصورة مذكرات علي خامنئي (الجزيرة)

فقد جاء في تلك المذكرات القول: "وفي تلك الأيام، وبينما كنت في زنزانتي، سمعتُ جلبة في الممر، ثم صاح أحد الحراس بشماتة: لقد مات جمال عبد الناصر". ويضيف: "لقد كان وقع الخبر علينا كالصاعقة، وبكينا لفقده بمرارة، لا حزنا على شخصه فحسب، بل حزنا على الأمل الذي كان يمثله في مواجهة الاستكبار والظلم".

إعلان

أما على المستوى الداخلي، فقد اتسمت المرحلة الممتدة بين هزيمة 1967ونصر 1973 بحالة من التوتر الكامن والغليان الشعبي، نتيجة التباين المتزايد بين سياسات السلطة وتطلعات قطاعات واسعة من الشارع التي كانت تتوق إلى الثأر. وقد تجلى هذا التباين مبكرا في احتجاجات عام 1968 الرافضة لأحكام محاكمة الطيارين (اعتبر الناس الأحكام الصادرة مخففة جدا ولا تعبر عن حجم الكارثة)، ثم أخذت منحى أكثر اتساعا مع انتفاضات طلاب جامعة القاهرة التي هزّت المجال العام.

وهكذا ظل المزاج الشعبي، المشبع بخطاب التحرر والمواجهة، عامل ضغط مستمر أعاد تشكيل حدود الفعل السياسي، سواء داخل الدولة أو في امتداداتها الإقليمية، بما في ذلك تفاعلاتها الرمزية والسياسية مع القوى المناهضة للهيمنة الأمريكية في إيران وغيرها.

مصدر الصورة المزاج الشعبي المشبع بخطاب التحرر والمواجهة كان عامل ضغط مستمر أعاد تشكيل حدود الفعل السياسي في مصر (مواقع التواصل)

في مطلع عهد الرئيس أنور السادات، خليفة عبد الناصر، استمر الزخم الشعبي الذي تجسّد في تظاهرات "الكعكة الحجرية"، وهي انتفاضة طلابية كبرى اندلعت في مصر أوائل عام 1972، وسُميت باسمها نسبة إلى قصيدة شهيرة للشاعر المصري أمل دنقل، والتي وثّق فيها احتجاج الطلاب بميدان التحرير حول قاعدة النصب التذكاري الشبيهة بالكعكة. كانت الانتفاضة احتجاجا شعبيا على مرور عام 1971 الذي وصفه السادات سابقا بـ"عام الحسم" دون حرب مع إسرائيل ودخول عام 1972 الذي سمي بـ"عام الضباب". وقد عبّر بيان مثقفي مصر بقيادة توفيق الحكيم، والذي حكى كواليسه في كتابه "عودة الوعي"، عن رفض الشارع لتراجع الحلم القومي، واضعا السلطة أمام مسؤولياتها تجاه الوجدان الوطني.

وعلى الرغم من الانتصار العسكري في أكتوبر/تشرين الأول 1973، أحدثت التطورات السياسية اللاحقة، من قرار مجلس الأمن رقم 338 إلى اتفاقية كامب ديفيد (1978) ومعاهدة السلام (1979)، شرخا في الرأي العام المصري، إذ انتقلت الدولة نحو أولويات إستراتيجية جديدة تُركز على حماية الحدود المباشرة، مع تراجع المشاريع القومية ونزعة الوحدة العربية. وأعاد هذا التحول صياغة الدور المصري في الصراع مع إسرائيل من خصم عسكري مباشر إلى "دولة جوار" تبحث عن الأمن والاستقرار، مع نقل النزاع من ميادين القتال إلى أروقة الدبلوماسية الدولية.

"أحدثت اتفاقية السلام مع إسرائيل شرخا في الرأي العام المصري، ووجهت أولويات الدولة نحو حماية الحدود في ظل تراجع النزعة القومية والخطاب العروبي"

في تلك الحقبة أيضا قامت الثورة الإسلامية في إيران، ودخلت العلاقات المصرية-الإيرانية على إثر ذلك حقل ألغام سياسي، حيث استضاف السادات شاه إيران المخلوع، ولاحقا سمت طهران شارعا باسم خالد الإسلامبولي، الضابط المصري الذي شارك في اغتيال السادات عام 1981، ما شكل إشارة رمزية مثيرة للتوترات الدبلوماسية. إذ دخلت مصر منذ اغتيال السادات حتى بداية الألفية تقريبا في حرب ضد "التيارات الجهادية" وأبرزها جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية اللتين اتهمتا بالتخطيط وتنفيذ اغتيال الرئيس. قبل أن تقوم بلدية طهران في العام الماضي (عام 2025) بتغيير اسم الشارع، في إشارة دبلوماسية نالت تقديرا من القاهرة.

لاحقا، دخلت مصر حقبة "السلام البارد" خلال عهد حسني مبارك، حيث صاغت الدولة العلاقة بين السلطة والشارع بعناية، مدركة الفجوة بين الالتزامات الدولية ورفض الشعب للتطبيع مع إسرائيل. وقد انعكست هذه السياسة في السماح بهامش من النقد الإعلامي والسياسي والثقافي تزامنا مع الموجات الشعبية المتضامنة مع الفلسطينيين، مثل الانتفاضة الفلسطينية الأولى (عام 1987) وانتفاضة الأقصى (عام 2000).

إعلان

في العهد الحالي، تحت إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وخصوصًا خلال أحداث الشيخ جراح (عام 2021) وحرب الإبادة على غزة (عام 2023)، منحت مصر الأولوية لحماية سيادتها الوطنية على حساب الاستجابة للأصوات الشعبية التي طالبت بإلغاء اتفاقية السلام أو قطع العلاقات مع إسرائيل، بينما احتفظت بدورها في الوساطة وصولا إلى استضافة مؤتمر شرم الشيخ للسلام الذي أنهى الحرب الإسرائيلية على غزة، وجرى اعتماد مخرجاته بقرار من مجلس الأمن لاحقا.

"تستمر العلاقة المعقدة في مصر بين السياسة الرسمية التي تدور حول المصالح والشعور الشعبي الرافض بشدة لإسرائيل"

وما يبرز في هذا السياق هو استمرار العلاقة المعقدة بين السياسة الرسمية التي تدور حول المصالح والشعور الشعبي المتعاطف مع الفلسطينيين والرافض بشدة لإسرائيل. على الجهة المقابلة ظلت العلاقات المصرية-الإيرانية على المستوى الرسمي حذرة للغاية في ظل ذاكرة التوترات السابقة، ومعارضة القاهرة للتوجهات الإيرانية الرامية إلى التمدد العسكري والأيديولوجي في محيطها، فضلا عن التحالف الإستراتيجي بين مصر ودول الخليج، الذي أبقى السلطات المصرية، في عهدي مبارك والسيسي على السواء، على موقفها الحذر تجاه إيران.

إيران في الوجدان الشعبي المصري

يمتاز المزاج الشعبي المصري بصلابة استثنائية مستمدة من الاستمرارية الحضارية، كما يوضح المفكر أنور عبد الملك في كتابه "من أجل إستراتيجية حضارية"، حيث يرى أن الشخصية المصرية تمتص الغزاة وتحوّلهم إلى عناصر داخلية دون الانصهار الكامل. وينعكس هذا الوعي الشعبي في رؤية الصراع مع إسرائيل كـ"صراع وجود لا صراع حدود"، مرتبطا بالذاكرة التاريخية للعداء والدماء، وبالإحساس السابق بالانكسار الوطني في زمن الهزيمة.

تجسّد هذا الرفض الشعبي في أيقونات فردية، مثل سعد إدريس حلاوة، المزارع ابن محافظة القليوبية الذي احتجز رهائن في الوحدة المحلية عام 1980 مطالبا بطرد السفير الإسرائيلي الأول في مصر في اليوم نفسه لتقديم أوراق اعتماده. وقد تحولت قصته إلى رمز للمقاومة ضد التطبيع، ووصفه نزار قباني بـ"مجنون مصر الجميل".

مصدر الصورة سعد إدريس حلاوة (مواقع التواصل)

لكن المثال الأشهر على ذلك حدث عام 1985، على يد الجندي سليمان خاطر الذي أطلق النار على سياح إسرائيليين وأُدين رسميا بالجنون، بينما احتفى به الشارع. وتوضح هذه الأحداث، كما يشير المفكر الراحل طارق البشري إلى أن الوطنية المصرية "تحمي الوعي الشعبي من السرديات الرسمية المتباينة، وتؤسس لتمثلات وطنية قادرة على مواجهة الاختراقات الخارجية ومواصلة رفض أي تراجع عن السيادة أو العدالة الوطنية".

مصدر الصورة سليمان خاطر (مواقع التواصل)

دينيا، يمثل الوجدان الشعبي المصري حالة فريدة من التداخل بين التدين السني والتأثيرات الروحية الممتدة منذ العهد الفاطمي؛ إذ يتجلى هذا المزيج في الارتباط العاطفي بآل البيت ومقاماتهم الدينية – كضريح الإمام الحسين في القاهرة ومرقد السيد البدوي في طنطا – والتي تحولت إلى مراكز ثقافية واحتفالية تصهر الروحانيات ضمن الهوية الوطنية. وفي هذا السياق، تشير الباحثة فاليري هوفمان في دراستها حول "محبة النبي وآله في الصوفية المصرية" إلى أن هذه الممارسات الشعبية تمنح التدين الصوفي في مصر خصوصية تميزه عن بقية المنطقة.

وقد ارتبط هذا التراث الصوفي بالطرق التقليدية – كالشاذلية والرفاعية – وبشبكة ثقافية واسعة تدمج بين التعليم والفن والمديح النبوي، وهو ما يوضحه محمد عبد المنعم خفاجي في كتابه "الأدب في التراث الصوفي". هذا النمط من التدين رسخ قيم التسامح ومنح المجتمع المصري "حصانة فكرية" تجعله يتجاوز الانقسامات المذهبية التقليدية في المنطقة، ليركز بوصلته الوجدانية بشكل مباشر على العداء لإسرائيل، والانحياز التلقائي لأي قوة تواجهها.

أجواء احتفالية وحضور شعبي بموكب "المولد النبوي" في مصر وسط إنشاد ديني وصوفي (الأناضول)

تفسر هذه الخلفية التاريخية، والدينية الروحية، سر التقاطع الوجداني للمصريين مع أي قوة تُظهر قدرة على تحدي الهيمنة الغربية وتقف ضد إسرائيل، مهما ظلت الدولة حريصة على ضبط العلاقة الرسمية بحذر. يظهر ذلك أيضا في مجالات الثقافة والفنون، حيث لعبت السينما المصرية دورا في ترسيخ فكرة الصراع الوجودي مع إسرائيل من خلال عشرات الأفلام الأيقونية، بينما تحولت نصوص أمل دنقل وأشعار أحمد فؤاد نجم إلى صرخة جماعية ضد التطبيع، وساهمت الفنون التشكيلية والموسيقى والمسرح في إعادة إنتاج الرموز الوطنية، فبنت ما يشبه "جدارا ثقافيا" يحمي الوعي الوطني.

"لعبت السينما المصرية دورا في ترسيخ فكرة الصراع الوجودي مع إسرائيل"

انعكس هذا المزاج التاريخي على السياسة الخارجية المصرية، إذ أعطى الدولة هامشا للتعامل مع قوى إقليمية مثل إيران على أساس المصلحة المشتركة أو على الأقل عدم الدخول في عداء مباشر معها، حيث تجنبت مصر الدخول في أي تحالفات سياسية أو عسكرية رسمية مناهضة لطهران. لقد حافظت الدولة على مرونة تكتيكية، بينما ظل الوجدان الشعبي مساحة مستقلة للمقاومة والتعبير (بدرجات متفاوتة)، كما ظهر بوضوح خلال حرب الإبادة على غزة، حيث عبّر المصريون عن تضامن شعبي واسع مع الفلسطينيين ورفض أي تهجير أو تصفية للقضية.

إعلان

تعكس هذه الديناميكية قدرة المجتمع المصري على تحويل الثقافة الوطنية إلى أداة مباشرة لمقاومة الظلم والتأكيد على التضامن مع فلسطين والعداء لإسرائيل، مما يجعل الوعي الشعبي جزءا فعالا، في أحايين كثيرة، من منظومة الأمن القومي المصري.

تنشيط الوعي

أعادت الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وما تلاها من تصعيد تحفيز هذا المزاج المصري الراسخ، واضعة الشعب والدولة أمام اختبارات معقدة. مشاهد القصف والضربات الموجهة في إيران، وتصاعد العدوان الصهيوني على لبنان، أدت إلى تآكل أي جاذبية متبقية لخطاب "عملية السلام"، وأعادت سردية "العدو الوجودي المتغطرس" بقوة إلى قلب الوعي الشعبي.

أثمر ذلك تعاطفا متزايدا للمصريين مع إيران، غلب صوته على مواقع التواصل صوت استنكار الضربات الإيرانية التي نالت من دول الخليج. لا يعكس هذا التعاطف في أي لحظة توافقا للمصريين مع المشروع الإيراني الإقليمي (تضررت سمعة إيران وحزب الله وسط المصريين بشدة بفعل تدخلهما في سوريا على سبيل المثال)، إنما يمثل آلية للتنفيس عن الشعور بالعجز، ورغبة جماعية في مشاهدة أي قوة تردع الغطرسة الإسرائيلية، حتى لو كانت قوة إقليمية لا يتفق المصريون مع منطلقاتها الأيديولوجية أو توجهاتها السياسية.

في غضون ذلك، ظلّ الموقف الرسمي المصري متحورا حول الالتزام بأمن الخليج مع رفض التحركات الإسرائيلية في الأوان ذاته. وهكذا وجدت القاهرة نفسها تدير توازنا دقيقا بين الضغوط الشعبية المناهضة لإسرائيل وبين التزاماتها الإقليمية. وهكذا تحول الموقف الشعبي المعادي لإسرائيل إلى عنصر ضغط مستمر، يضع صانع القرار المصري أمام اختبار مزدوج، حيث يتعين عليه الاستجابة للتفاعلات الجماهيرية المتصاعدة، مع الحفاظ على دوره كوسيط وضامن لتوازنات حساسة في المنطقة.

"كل موجة تصعيد إسرائيلية تعيد تنشيط الرفض الشعبي المصري وتعمق الإحساس بالمسؤولية تجاه القضية الفلسطينية"

منذ كامب ديفيد، يتأرجح الموقف المصري تجاه إسرائيل بين براغماتية الدولة ووجدان شعبي يواصل إعادة إنتاج خطاب المقاومة، ما جعل "السلام البارد" عاجزًا عن اختراق الوعي الجمعي أو تفكيك رواسب الصراع التاريخي. فكل موجة تصعيد تعيد تنشيط الرفض الشعبي وتعمق الإحساس بالمسؤولية تجاه القضية الفلسطينية، مع تزايد الربط بين التراجع الوطني واستمرار التفوق الإسرائيلي. وكما يرى الأكاديمي المصري الراحل جلال أمين، فإن مسار المجتمعات تحكمه بنى ثقافية وقيم متراكمة تتجاوز الحسابات السياسية الآنية، وهو ما يجعل هذا الصراع يتخطى حدوده الجيوسياسية ليغدو صراعًا على الهوية والمعنى، وعلى موقع مصر ودورها التاريخي في معادلة النهوض أو الانكفاء.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا