آخر الأخبار

استدراج واغتيال وخطوط تجميع سرّية.. كتاب إسرائيلي يكشف أسرار "عملية البيجر" ضد حزب الله

شارك

بحسب ما أوردته صحيفة "جيروزاليم بوست" نقلاً عن الكتاب، واجه الموساد خلال صيف عام 2024 خطر انكشاف العملية بعدما اقترب أحد عناصر حزب الله المتخصصين في التكنولوجيا من اكتشاف أن أجهزة "البيجر" كانت مفخخة.

كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست"، في تقرير مطوّل استند إلى مقابلة حصرية مع مسؤول أمني إسرائيلي سابق استخدم الاسم المستعار "آدم فاين"، تفاصيل غير مسبوقة عن العملية التي نفذها جهاز الموساد ضد حزب الله في سبتمبر/أيلول 2024، والمعروفة بعملية "أجهزة البيجر المفخخة".

وبحسب الصحيفة، فإن فاين الذي قال إنه تقاعد مؤخراً من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بعد عقود من العمل العملياتي نشر كتاباً باللغة العبرية بعنوان "رسالة مصيرية" (Hoda’ah Goralit)، قدّم فيه رواية تستند، بحسب قوله، إلى أحداث حقيقية شارك في إدارتها عدد محدود من كبار مسؤولي الموساد والمؤسسة الأمنية.

وأوضح التقرير أن الكتاب يمزج بين الشخصيات الحقيقية والشخصيات المركبة درامياً لأغراض السرد، إلا أن غالبية الوقائع والقرارات الأمنية الواردة فيه تعكس، بحسب الكاتب، ما جرى فعلياً خلف الكواليس.

استدراج عنصر من حزب الله لمنع كشف العملية

وبحسب ما نقلته الصحيفة عن الكتاب، فإن الموساد واجه خلال صيف 2024 خطر انكشاف العملية بعد اقتراب أحد عناصر حزب الله المختصين بالتكنولوجيا من اكتشاف أن أجهزة البيجر مفخخة.

وذكر فاين أن رئيس الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع عقد اجتماعاً مع مسؤولين من سلاح الجو الإسرائيلي، جرى خلاله التحذير من أن استمرار العنصر في فحص الأجهزة قد يؤدي إلى انهيار العملية بالكامل.

وأشار الكتاب إلى أن الموساد عمل لاحقاً على استدراج العنصر إلى جنوب لبنان، حيث جرى استهدافه، فيما رفض فاين تقديم تفاصيل مباشرة حول العملية، مكتفياً بالقول إن "الوضع كان معقداً، وأحياناً كان على الموساد التدخل لمنع المشكلات من التفاقم".

كما أفادت الرواية بأن حزب الله حاول لاحقاً التواصل مع الشركة المصنعة "غولد أبولو" بشأن رسالة أرسلها العنصر قبل مقتله، إلا أن الموساد كان قد اعترض الرسالة ونجح في تعطيل عملية المراجعة التقنية حتى موعد تنفيذ العملية .

مخاوف إسرائيلية من فحص إيراني متقدم

وكشف التقرير أن حزب الله لم يكتفِ بإجراء فحوصه الداخلية، بل طلب أيضاً من إيران إخضاع أجهزة البيجر لفحص تقني مستقل.

ووفقاً للرواية، كان أحد عناصر الحزب يعتزم نقل جهاز إلى مسؤول في الحرس الثوري الإيراني خلال زيارة إلى طهران.

وكانت صحيفة واشنطن بوست قد كشفت، استناداً إلى سلسلة مقابلات حصرية، عن وجود خلاف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بين قيادات الجيش والموساد بشأن توقيت تنفيذ العملية، فوفق رواية الجيش، كانت إيران على وشك كشف تلك الأجهزة، ما استدعى تنفيذ العملية قبل موعدها المخطط وربما قبل التوقيت الأمثل.

في المقابل، يؤكد الموساد أن الأجهزة واجهت مخاطر الكشف في مراحل متعددة سابقة، وأن منتصف سبتمبر/أيلول 2024 لم يكن سوى إحدى تلك اللحظات، مشيراً إلى أن قرار الحكومة بتحويل تركيزها الاستراتيجي من غزة إلى لبنان كان عاملاً حاسماً في اختيار توقيت التنفيذ.

وقال فاين إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كانت تعتبر الفحص الإيراني أخطر بكثير من فحوص حزب الله، نظراً إلى القدرات التقنية المتقدمة التي تمتلكها طهران.

شكوك داخل حزب الله قبل إتمام الصفقة

وبحسب الكتاب، فإن حزب الله لم يتعامل بسهولة مع عرض أجهزة البيجر الجديدة، إذ شهدت أوساطه نقاشات واعتراضات داخلية قبل الموافقة على الشراء.

وأوضح فاين أن بعض المسؤولين داخل الحزب أبدوا شكوكاً تجاه أي منتج يُعرض عليهم مباشرة من الشركات، خصوصاً أن الحزب كان يفضّل عادةً المبادرة بنفسه إلى اختيار أنظمة الاتصالات.

وأشار إلى أن أحد العوامل التي دفعت الحزب نحو قبول الصفقة كان توقف بيع أجهزة الاتصال القديمة التي كان يعتمد عليها، ما فرض عليه الانتقال إلى نظام جديد.

كما أوضح أن الحزب كان يعتبر كل تغيير في منظومة الاتصالات مخاطرة أمنية كبيرة، وهو ما جعل عملية اختراق سلسلة التوريد شديدة الحساسية والتعقيد.

وأضاف فاين أن مسؤولي التكنولوجيا داخل حزب الله كانوا يركزون على احتمالات التنصت أو الاختراق الإلكتروني، وليس على إمكانية زرع متفجرات داخل الأجهزة، وهو ما اعتبره أحد أبرز أسباب نجاح العملية.

كيف جرى تمرير الصفقة؟

وتحدث التقرير عن دور امرأة تُدعى "تيريزا"، قال الكتاب إنها كانت تعمل ضمن شركة حقيقية لديها تعاملات سابقة مع حزب الله.

ووفقاً للرواية، تلقت تيريزا في مارس/آذار 2024 طلباً من الحزب لرفع حجم الطلبية من 500 جهاز سنوياً إلى 5000 جهاز دفعة واحدة.

وأشار فاين إلى أن مسؤولة في الموساد تحمل الاسم الحركي "عينات"، وتعمل تحت غطاء سيدة أعمال تُدعى "ليلى"، ساهمت في دفع الصفقة عبر توجيه تيريزا بشأن كيفية التواصل مع رئيس شركة "غولد أبولو" هسو تشينغ كوانغ.

وأكد فاين، بحسب الصحيفة، أن الشركة التي استُخدمت في العملية كانت حقيقية ولم تكن مملوكة لإسرائيل، وهو ما ساعد في تبديد شكوك حزب الله.

أضرار جانبية وتساؤلات أخلاقية

وتطرّق التقرير كذلك إلى الجدل الأخلاقي المرتبط باستخدام شخصيات مدنية لا علم لها بحقيقة ما يجري، ومن بين أبرز الأمثلة التي أوردها، اختفاء سيدة الأعمال كريستيانا بارسوني أرتشيدياكونو، مديرة شركة BAC Consulting، التي قيل إنها استُخدمت كواجهة ضمن العملية، غير أن أرتشيدياكونو نفت ذلك خلال ظهور إعلامي مع شبكة NBC بعد ساعات قليلة من تفجيرات أجهزة النداء، مؤكدة: "أنا لا أصنع أجهزة البيجر، أنا مجرد وسيط فقط… أعتقد أنكم أسأتم الفهم".

وبمجرد انتهاء المقابلة وانتشار تصريحاتها، اختفت أرتشيدياكونو عن الأنظار بشكل كامل، وتشير المعلومات إلى أنها وُضعت تحت حماية الأجهزة الأمنية المجرية لفترة قصيرة، قبل أن تتوارى تماماً دون أي ظهور علني لاحق.

ونقلت الصحيفة عن فاين قوله إن الموساد "يحاول تقليل الأضرار الجانبية قدر الإمكان"، وإن المؤسسة الأمنية تجري نقاشات داخلية قبل تجنيد أي شخص أو استخدامه ضمن عمليات حساسة.

وأضاف أن رئيس الموساد طلب، وفق الرواية، محاولة تعويض الأشخاص الذين استُخدموا دون علمهم وتقليل الأضرار التي قد تلحق بهم.

مصدر الصورة زينب مسطرة، 26 عامًا، التي أُصيبت في هجوم أجهزة النداء الذي نفذته إسرائيل في 17 سبتمبر/أيلول 2024، تظهر صورتها منعكسة في مرآة في نفس المكان الذي أُصيبت فيه، في الضاحية الجنوبي AP Photo

تحويل مرافق الموساد إلى خطوط إنتاج

وكشف الكتاب أن الموساد واجه أزمة لوجستية كبيرة بعد طلبية الـ5000 جهاز، إذ اعتبر عدد من كبار المسؤولين أن إنتاج هذا العدد خلال فترة قصيرة قد يعرّض العملية للخطر.

لكن رئيس الموساد أصرّ على تنفيذ الطلبية، وأمر بتحويل موارد بشرية من مشاريع أخرى للمشاركة في عملية التصنيع.

ووفقاً للرواية، جرى تحويل صالة الألعاب الرياضية ومناطق الترفيه داخل منشآت الموساد إلى خطوط تجميع مؤقتة لأجهزة البيجر.

ووصف فاين تلك المرحلة بأنها شهدت "جهودًا جنونية" لضمان تنفيذ الطلبية ضمن الوقت المحدد.

خلافات داخل الموساد حول المشروع منذ 2019

وكشف التقرير أن النقاش حول تطوير عملية أجهزة البيجر بدأ داخل الموساد منذ عام 2019، عندما طرح نائب رئيس الموساد آنذاك "والذي تشير التقديرات إلى أنه كان ديفيد برنياع" فكرة تطوير عملية جديدة تُضاف إلى عملية أجهزة اللاسلكي التي بدأ العمل عليها منذ عام 2014.

وبحسب الرواية، اعترض عدد من كبار المسؤولين على المشروع خشية أن يؤدي فشل العملية الجديدة إلى كشف العملية القديمة أيضاً.

وأشار فاين إلى أن بعض المسؤولين اعتبروا الفكرة مستحيلة تقنياً بسبب صغر حجم الأجهزة، قبل أن تطرح إحدى المسؤولات الأمنيات تقريراً أعدّته محللة شابة حول جهاز جديد يمكن استخدامه لإخفاء المتفجرات.

وأكد فاين أن قائدة نسائية داخل الموساد لعبت دوراً محورياً في تطوير المشروع، رغم أن الشخصيات الواردة في الكتاب قد تكون مركبة من أكثر من شخصية حقيقية.

خلاف بين الجيش والموساد حول توقيت التنفيذ

كما سلّط التقرير الضوء على خلافات بين قيادة الجيش الإسرائيلي والموساد بشأن توقيت تنفيذ العملية.

وبحسب الكتاب، رأى رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك هرتسي هليفي أن شن مواجهة واسعة مع حزب الله في ذلك التوقيت قد لا يكون الخيار الأمثل، رغم إدراكه لأهمية العملية.

في المقابل، اعتبر مسؤولو الموساد أن العملية بلغت مرحلة متقدمة جداً ، وأن تأجيلها قد يؤدي إلى انكشافها بالكامل.

وأشار فاين إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حسم القرار في النهاية لصالح تنفيذ العملية، معتبراً أن قدرات أجهزة البيجر تمثل "قيمة استراتيجية هائلة".

مصدر الصورة أحد مؤيدي حزب الله، الذي فقد بصره في هجوم بأجهزة النداء نفذته إسرائيل في 17 سبتمبر/أيلول 2024، يغطي عينيه بعصابة رأس حمراء منقوش عليها اسم "الحسين" خلال ذكرى عاشوراء، وهي ذكرى AP Photo

جدل جديد حول أجهزة اللاسلكي

وكشف فاين أيضاً عن نقاش آخر داخل المؤسسة الأمنية بشأن ما إذا كان ينبغي تفعيل أجهزة اللاسلكي مباشرة بعد عملية البيجر أو الانتظار لمراقبة رد فعل حزب الله .

وأوضح أن الجيش الإسرائيلي كان يخشى أن يؤدي تنفيذ العمليتين بشكل متتالٍ إلى دفع حزب الله نحو رد عسكري واسع قبل استكمال استعدادات إسرائيل.

لكن القرار النهائي وفق الرواية جاء بالموافقة على تنفيذ عملية أجهزة اللاسلكي في اليوم التالي مباشرة، وهو ما أدى، بحسب الكتاب، إلى زيادة حالة الارتباك داخل حزب الله.

"الثمن العائلي" للعاملين في المؤسسة الأمنية

وفي ختام المقابلة، تحدث فاين عن التأثيرات الشخصية والعائلية التي يتحملها العاملون في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

وقال إن العمل العملياتي الطويل، خصوصاً في المهام الخارجية، يفرض ضغوطاً كبيرة على الحياة الأسرية، ويتطلب دعماً دائماً من العائلة.

وأضاف أن العديد من مسؤولي الموساد يضطرون أحياناً إلى الابتعاد لفترات عن العمل الأمني والعودة إلى الحياة المدنية قبل العودة مجدداً إلى المناصب العليا، مشيراً إلى أن رئيسي الموساد السابقين، ديفيد برنياع ويوسي كوهين، سلكا هذا المسار خلال مسيرتهما المهنية.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا