على مر التاريخ، وفي فترات مختلفة، أطلق الفلاسفة والمنظرون أفكارا كبرى. وفي صيف عام 1993، وبقدر غير قليل من الغطرسة، صاغ صامويل هنتنغتون نموذجا عالميا ضخما في مجلة "فورين أفيرز" المؤثرة، يحمل عنوان "صدام الحضارات؟".
لقد كانت تلك لحظة مفصلية تمثلت في نهاية الحرب الباردة؛ حيث كان آخرون يحتفلون بالعولمة الناشئة، بينما يواصل المجتمع الدولي بناء الأطر القانونية للقواعد الدولية للحرب؛ لحماية المدنيين، سعيا نحو السلام العالمي.
لكن صيغة هنتنغتون سرعان ما اشتعلت كأطروحة جريئة داخل المؤسسة الأمريكية، على الرغم مما شابها من عيوب شديدة، واختزالية، وافتقار إلى العمق والصرامة.
قدم هنتنغتون عالما مخيفا منقسما بشدة، لا بسبب الاقتصاد أو التنافس على الأسواق العالمية، بل جراء مصطلح غامض وغير دقيق صاغه وهو "الهويات الحضارية"؛ إذ تخيل مستقبلا تُواجه فيه الغرب تهديدات من سبع أو ثماني "حضارات" مختلفة.
وكان العداء، لا التعايش، هو ما يحدد ملامح هذا العالم المحكوم عليه بالصراع بين الغرب و"مجموعات من حضارات مختلفة".
وفي كتاباته "صدام الحضارات"، لاحظ إدوارد سعيد أن الصراع بين اثنتين من تلك الحضارات، وهما الإسلام والغرب، قد استحوذ على "حصة الأسد من اهتمامه".
كما أشار سعيد إلى اعتماد هنتنغتون بشكل كبير على "المستشرق المخضرم" برنارد لويس، الذي كان رهابه غير المستتر من الإسلام (الإسلاموفوبيا) واضحا في عنوان كتابه "جذور الغضب الإسلامي" المنشور عام 1990.
وقد روّع سعيد فجاجةُ تعريفات هنتنغتون لـ"الحضارات" إذ قدمت كـ"كيانات مغلقة" مجردة من "التيارات والتيارات المضادة الكثيرة التي تحرك التاريخ البشري"، وهي ذات التيارات التي سمحت لها على مدى قرون باحتواء الحروب الدينية، والانخراط في التلاقح والمشاركة.
فقد غابت عن تفكيره كليا الفروق الدقيقة للديناميكيات الداخلية، وتعددية القوى المتنافسة داخل كل حضارة.
وغني عن القول إن هنتنغتون لم يكن بمقدوره تخيُل مسار عالمي مدفوع بالتعايش السلمي، وحقوق الإنسان، والمواطنة العالمية، وبالتأكيد ليس ذلك الاندماج الثقافي بين الموسيقى والمأكولات، والذي ينشأ، خاصة، حيث تتمازج مجتمعات الشتات في جميع أنحاء العالم.
نعم، لقد أخطأ هنتنغتون بفهمه المغلوط للعالم باعتباره مجموعة من المعسكرات المسلحة في مواجهة دائمة التطور، حيث شكلت ثنائيات بسيطة- مثل الخير مقابل الشر، والحديث مقابل المتخلف، والمسيحية مقابل الإسلام- نموذجه الفكري.
لكن هذا النموذج تحول إلى نبوءة، لكونه قدم أداة مفيدة لتبرير الحروب الحديثة؛ فبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، والتي كان ينبغي التعامل معها كأعمال إجرامية والتحقيق فيها من قبل المحكمة الجنائية الدولية، اختار البيت الأبيض في عهد بوش النظر إليها من خلال عدسة عالم هنتنغتون.
فوصفها بوش بأنها حملة صليبية، حيث كان الأمر "نحن ضدهم"، الحضارة ضد البربرية، وبعبارة أخرى، الغرب ضد الإسلام.
ولا تزال نظرية "الصدام" تستخدم كغطاء حتى اليوم لإخفاء جوهر العالم الحقيقي، وتبرير حروب العدوان غير المشروعة في العصر الحديث.
كتب هيغسيث فكرة تفوق العرق الأبيض الخاصة به على كامل جسده: بوشم صليبي على صدره، وكلمة "كافر" على جذعه مؤكدا بذلك على رهابه من الإسلام
لقد كان كتاب "صدام الحضارات" بدائيا ومبسطا إلى درجة جعلت إدوارد سعيد يشبهه برسوم متحركة كانت رائجة في ذلك الوقت، حيث يتشاجر بطلان ملاكمان، "باباي" و"بلوتو"، بشكل دائم، غير أن "باباي" الذي يرتدي زي البحرية الأمريكية كان يخرج دائما منتصرا.
وبينما كان "باباي" يتباهى بوشم لمرساة سفينة على ساعديه المفتولين، فإن وزير الدفاع الأمريكي الحالي بيت هيغسيث- وهو "محارب مسيحي" نصب نفسه بنفسه- يحمل اليوم رؤية عالمية كرتونية مماثلة، واضعا وشما على عضلة ذراعه اليمنى المفتولة يقرأ "Deus Vult" وتعني "مشيئة الله"؛ وهي الدعوة لحمل السلاح التي اشتهرت خلال الحملات الصليبية، ودخلت الآن في معجم ألعاب الفيديو التي شاعتها لعبة الحرب "ملوك الصليبين" (Crusader Kings).
لقد كتب هيغسيث فكرة تفوق العرق الأبيض الخاصة به على كامل جسده: بوشم صليبي على صدره، وكلمة "كافر" على جذعه مؤكدا بذلك على رهابه من الإسلام.
وفي 15 أبريل/نيسان، وخلال خدمة صلاة في البنتاغون، تلا هيغسيث بخشوع ما قال إنه "سفر حزقيال 25:17″، لكنه لم يكن يقتبس آية من الإنجيل، بل كان قد "استعار" من نص كوينتن تارانتينو الذي اشتهر به صامويل ل. جاكسون قبيل قيام شخصيته- وهي شخصية قاتل مأجور عديم الرحمة- بقتل شخص ما في الفيلم الكلاسيكي الشهير "خيال رخيص" (Pulp Fiction).
إن اقتباس هيغسيث من فيلم عنيف كما لو كان نصا مقدسا هو أمر يجمع بين السخافة والإنذار بالخطر في آن واحد؛ فإذا كان هيغسيث يجهل الإنجيل الذي يدعي اتباعه، فإن استيعابه للحقائق الجيوسياسية أقل من ذلك بكثير.
إن الحملة الصليبية الجديدة التي يعتقد "بيت البنتاغون" أنه يقودها قد حصدت أرواح 170 طفلة في المدارس الإيرانية في اليوم الأول، وحيث كان مقدرا لهذه الحرب منذ البداية أن تفشل في عالمنا الحديث المترابط، يبدو أنه لا هيغسيث ولا دونالد ترمب يعرفان أي شيء عن ذلك.
إن إغلاق إيران مضيق هرمز يقترب يوما بعد يوم من إسقاط الاقتصاد القائم على الوقود الأحفوري والدولار النفطي المنشود، ومع ذلك فقد جاء الأمر بمثابة مفاجأة لهما، على الرغم من أن إغلاق المضيق كان جزءا من إستراتيجية الدفاع الإيرانية لسنوات.
تحمل تهديدات ترمب وهيغسيث وهجماتهما على إيران أعباء ما امتصاه من خلال معارك أسطورية تنتهي دائما بالنصر. وبسبب الإحباط من إستراتيجيات الحرب الفعالة لإيران، وعدم انصياع البلاد للقوة العسكرية الأمريكية، كتب ترمب يائسا قبل فترة على وسائل التواصل الاجتماعي: "حضارة كاملة ستموت الليلة، ولن تعود أبدا"، إذا لم يتفاوضوا على تسوية.
وكما لاحظ سعيد، فمن الأسهل "إطلاق تصريحات عدائية" بدلا من فرز ما نتعامل معه في الواقع، والمتمثل في ترابط حيوات لا حصر لها، حيواتنا "نحن" وكذلك حيواتهم "هم".
ولكن حتى صانع "آيس كريم" سابق مثل دانيال كوهين، من شركة "بن آند جيري" (Ben & Jerry’s)، يمكنه رؤية الروابط التي تحدث عنها سعيد؛ فبينما كان كوهين يتعرض للاعتقال بسبب مطالبته بوقف إرسال الأسلحة إلى إسرائيل، صاح ويداه في الأصفاد قائلا: "الكونغرس يدفع ثمن قصف الأطفال في غزة، ويدفع ثمن ذلك عن طريق طرد الأطفال الفقراء من برنامج "مديكيد" (المساعدة الطبية) في الولايات المتحدة".
وفي النهاية، وصف سعيد "الصدام" بأنه حيلة، "أقرب إلى تعزيز الكبرياء الدفاعي الذاتي منه إلى الفهم النقدي للترابط المحير في عصرنا".
وباندفاع وعدائية مذهلين، يرى دونالد ترمب أن المخرج الوحيد من حربه على إيران ليس سوى نقطة النهاية الحتمية لصدام هنتنغتون: التدمير الإبادي لحضارة بأكملها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة