يواجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس عاماً ثقيلاً بعد تشكيل حكومته، بين اقتصاد متعثر، وصعود اليمين المتطرف، وضغوط أمريكية تطال صناعة السيارات والوجود العسكري في ألمانيا، وهو ما جعله يصرح في مقابلة مع المجلة الألمانية الكبيرة (دير شبيغل) "لم يضطر أي مستشار قبلي إلى تحمل كل هذا".
ورغم أن هذه ليست أول أزمة كبرى تواجه مستشاراً ألمانياً، فإن خطورة اللحظة تكمن في تزامن الضغط الداخلي مع ابتزاز الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجمركي والسياسي، لذلك تثير تصريحات ميرتس الأخيرة تساؤلات، إذ بدا كأنه يبرر غضب واشنطن بدلا من قيادة موقف أوروبي أكثر صلابة.
ومع أن التحديات التي تواجه حكومة ميرتس كبيرة، ولكنها لا تقل أهمية عن تحديات واجهت 4 مستشارين قبله من المحافظ هيلموت كول إلى الاشتراكيين الديمقراطيين غيرهارد شرودر وأولاف شولتس مرورا بالمستشارة المعمرة أنجيلا ميركل.
والواضح أن الرسوم الجمركية التي أعلنها ترمب (القديمة 15% والجديدة 25%) ستضرب الاقتصاد الألماني قبل غيره وستصيب عصب صناعة السيارات الألمانية وتحديدا مجموعة ( فولكس فاغن) التي تخرج منذ عقود من أزمة لتدخل في أخرى، ولكن الاتحاد الأوروبي ليس عاجزا ولديه أدوات يستطيع من خلالها الوقوف في وجه سياسة ترمب.
وتقدم مجلة (دير شبيغل) ذات التوجه اليساري الليبرالي حلولا عملية للرد، وتقول إن أدوات كثيرة يمتلكها الاتحاد الأوروبي للرد مثل تعليق الاتفاق، أو تفعيل أداة الإكراه الاقتصادي (ACI) وثالثها فرض رسوم على شركات أمريكية عملاقة من غوغل إلى مايكروسوفت وماستر كارد وباي بال وغيرها من الشركات الأمريكية التي تجني مليارات في أوروبا وليس آخرها فرض رسوم جمركية مضادة.
ففي بروكسل تُطرح من جديد ـ تقول المجلة ـ أقوى أداة مضادة وهي أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي (ACI) والمعروفة أيضا باسم (بازوكا) من خلال هذه الأداة يمكن وقف تدفق المنتجات الأمريكية إلى السوق الأوروبية أو حتى استبعاد شركات أمريكية من المناقصات العامة أو فرض رسوم على المنتجات الرقمية الأمريكية، غير أن هذه الأداة تتطلب تحقيقا يتوقع أن يستمر ثلاثة أشهر وبالتالي لا يمكن تطبيقها فورا.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وأطراف مؤثرة في البرلمان الأوروبي اقترحت منذ فترة طويلة استخدام هذه الأداة، لكن هذا الاقتراح لم ينجح، لأن ألمانيا رفضتها في البداية ومع ذلك، لا تزال دول أبرزها ألمانيا وإيطاليا متحفظة على هذا التصعيد رغم تدهور العلاقات بين ترمب وكل من المستشار ميرتس ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
وهناك أداة أخرى وهي فرض رسوم على عمالقة التكنولوجيا المشار إليهم، وهذا الإجراء تأثيره كبير ولكنه يصطدم بمعارضة أيرلندا التي ترفض فرض ضريبة رقمية موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي، كما أن هذا الخيار لن يكون سريع التنفيذ وهذه الشركات قد تحاول تحميل المستهلكين جزءاً من تبعاته.
ويمكن أيضا الرد بالمثل وفرض رسوم مضادة، وهناك بالفعل لائحة جاهزة عند الاتحاد الأوروبي تشمل بضائع بقيمة 93 مليار يورو وأهم ما يميز هذا الإجراء أنه قابل للتطبيق الفوري، لكن مخاطره كبيرة وقد يكون أخطرها رد انتقامي جديد من جانب ترمب.
الصحيفة الاقتصادية "فيرتشافتس فوخه" "أسبوع الاقتصاد" تقول إنه إذا لم يقتصر إعلان ترمب على التهديد وتحول إلى قرار نافذ، فإن "القائمة السوداء" التي أعدها الاتحاد الأوروبي كرد محتمل جاهزة.
وبحسب الصحيفة تتكون هذه اللائحة من 99 صفحة وتضم نحو 2000 سلعة أمريكية منها الغسالات والثلاجات وكاسحات الثلوج والقوارب ومنتجات زراعية مثل لحوم الأبقار والدواجن والألبان والسكر والخضراوات وحتى اللوز ومنتجات صناعية مثل المنسوجات والمنتجات الجلدية والأجهزة المنزلية والأدوات البلاستيكية والخشبية.
وتنقل الصحيفة عن رئيس لجنة العلاقات التجارية في البرلمان الأوروبي بيرند لانغه قوله إن الأمر لا يتعلق فقط بالانتقام، لأن الالتزام بقواعد منظمة التجارة العالمية يفرض مبدأ المعاملة بالمثل.
إلى جانب "القائمة السوداء" ـ يقول المسؤول للصحيفة ـ توجد خطط أوروبية لفرض رسوم قد تشمل الهواتف الذكية والأجهزة التقنية الأمريكية إضافة إلى اتخاذ إجراءات مماثلة ضد شركات التكنولوجيا الكبرى مثل آبل أو باي بال وغيرها.
وهذا التوجه يأتي مدعوما بتقرير جديد لمركز الدراسات السياسية الأوروبية الذي يرى أن فرض ضرائب على إيرادات شركات التكنولوجيا الأمريكية في أوروبا قد يدر على الاتحاد الأوروبي نحو 37.5 مليار يورو سنوياً.
وتحمل الصحيفة الجانب الأمريكي مسؤولية ذلك بالقول إنه حتى الآن كانت رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين تتريث بخصوص الخلافات الجمركية وكان شعارها البحث عن حلول عبر الحوار بدلا من المخاطرة بحرب تجارية.
لكن صبر الأوروبيين تجاه السياسة التجارية المتقلبة لترمب والتي يتخللها في بعض الأحيان إهانات شخصية بدأ ينفد، ففرنسا تدفع بالفعل نحو إعادة النظر في شروط الاتفاق التجاري بأكمله ورئيس الوفد التفاوضي التجاري الأوروبي براندو بينيفي يطالب المفوضية من جديد باستخدام "البازوكا التجارية" في إشارة إلى أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي (ACI).
ولأن الأسواق لا تنتظر دق أكبر معهد اقتصادي ألماني (إيفو) ناقوس الخطر وحذر من التداعيات السلبية للرسوم الجمركية الجديدة على نمو الاقتصاد الألماني الذي نجا في الأعوام الماضية من الركود واكتفى بالدخول في مرحلة الركود التقني، وقال رئيس المعهد كلمنس فويست في مقابلة مع صحيفة (بيلد) إن تطور الأمر إلى حرب تجارية جديدة سيعني أن ألمانيا مهددة بدخول ركود اقتصادي في العام الحالي.
ووفق فويست، فإن رفع الرسوم الجمركية من 15 إلى 25 % ستضرب قبل كل شيء قطاع صناعة السيارات الألماني في وقت يعاني فيه هذا القطاع الحيوي أصلا من وضع صعب.
ونقلت الصحيفة عن خبراء في صناعة السيارات قولهم إن رفع الرسوم إلى 25 % يعني فعليا بداية حرب تجارية ضد ألمانيا التي لا تصدر دولة أوروبية أخرى سيارات وآلات أكثر منها إلى الأسواق الأمريكية.
وسواء أعجب تشبيه (دير شبيغل) فهم المستشار الألماني للسياسة بمشاهدة مسلسل في نتفليكس أم لا، يدرك ميرتس وشركاؤه الاشتراكيون الديمقراطيون في الائتلاف الحاكم أن المستهدف الأبرز من السياسة الجمركية الأمريكية هي بالدرجة الأولى ألمانيا قبل غيرها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة