اتهمت صحيفة "جيروزاليم بوست" الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باتباع "سياسة مزدوجة ومقلقة" تجاه إسرائيل خلال العام الماضي، وخاصة في الأيام الأخيرة. إذ أن القاهرة، رغم معاهدة السلام الموقعة عام 1979، اتخذت مواقف اعتُبرت في تل أبيب ودول الخليج "متساهلة مع إيران" وتستحق الوقوف عندها، أبرزها: معارضة اعتراف إسرائيل بـ"صوماليلاند"، والسعي للتدخل في مفاوضات إسرائيلية لبنانية، وإجراء مناورات عسكرية "مثيرة للجدل" قرب الحدود، وهو ما تراه إسرائيل تآكلاً تدريجياً لاتفاقية كامب ديفيد .
وترى الصحيفة أن هذه التحركات جاءت في وقت تعاني فيه مصر من ضغوط اقتصادية حادة، تفاقمت بسبب الهجمات في البحر الأحمر والحرب على إيران مما أثر على إيرادات قناة السويس، إلى جانب دين خارجي يتراوح بين 160 و170 مليار دولار، وتراجع قيمة الجنيه، واعتماد متزايد على المساعدات الخليجية وصندوق النقد، وسط مخاوف من أزمة مالية وشيكة.
وبناءً عليه، ترى "جيروزاليم بوست" أن القاهرة تستخدم هذه التحركات عن قصد كورقة ضغط للحصول على دعم اقتصادي وسياسي، وتخلص إلى أن على إسرائيل عدم الاستجابة لذلك، بل تقديم احتجاج رسمي لواشنطن بصفتها ضامن اتفاق السلام، بسبب "انتهاكات تُخلّ بالتفاهمات الأمنية".
غير أن قراءة إسرائيلية أخرى، في صحيفة "إسرائيل اليوم" بقلم المحلل يهودا بلنجا، تقدم تفسيراً مختلفاً لهذه التحركات المصرية "المريبة"، لا ترى فيها "ازدواجية" بقدر ما تراها انعكاساً لوضع بالغ التعقيد يمر به الحليفان المصري والأردني أيضًا.
فالقاهرة وعمان، بحكم كونهما موقعتين على اتفاقيات سلام مع إسرائيل وحليفتين لواشنطن، تجدان نفسيهما مضطرتين للموازنة بين ثلاثة مستويات متضاربة: التزاماتهما الاستراتيجية تجاه الغرب، والضغوط الإقليمية التي تمارسها إيران وحلفاؤها، ورأي عام داخلي معادٍ لإسرائيل بشكل واسع.
لذلك، على المستوى الرسمي، تضطر مصر والأردن لتبني خط موحد يقوم على معارضة التصعيد العسكري، وتأييد المفاوضات مع إيران، والشجب لأي مساس بسيادة الدول العربية في الخليج. وقد شدد السيسي على أن الحل يجب أن يكون دبلوماسياً، محذراً من أن التصعيد قد يؤدي إلى "انهيار دول وليس فقط أنظمة"، كما عرضت القاهرة خدماتها كوسيط بين واشنطن وطهران.
أما اقتصادياً، فيكمن الخوف المصري الأعمق، فقد حذر السيسي من أن إغلاق مضيق هرمز قد يمس بالحركة التجارية وقناة السويس، التي تكبدت خسائر جسيمة أصلاً منذ أكتوبر 2023. وشدد على أهمية بقاء الدولة والشعب متحدين، انطلاقاً من وعي راسخ بأن المشاكل الاقتصادية في مصر قد تخرج الناس إلى الشوارع مجدداً.
وفي الأوساط المصرية المثقفة والسياسية، لا تُقرأ الحرب الحالية فقط كمواجهة بين إيران وإسرائيل وأميركا، بل كمسيرة أوسع تهدف إلى "إعادة تصميم الشرق الأوسط" وإخضاع الدول العربية لهيمنة إسرائيلية عسكرية وسياسية، وفق تعبير التحليل الإسرائيلي نفسه.
ومن أبرز من يطرح هذه القراءة عمرو موسى ، وزير الخارجية الأسبق وأمين عام الجامعة العربية السابق، الذي يمتنع عن شجب الهجوم الإيراني، محذراً من خطوات أميركية إسرائيلية لاحقة لتغيير النظام الإقليمي.
في المحصلة، تقف مصر أمام المعضلة العربية ذاتها التي لم تُحل منذ عقود: كيف تحافظ على مصالحها القومية في وقت تتركز فيه مراكز القوة بيد لاعبين خارجيين؟ وفي أي سيناريو تنتهي به الحرب، سيكون التحدي الأكبر هو ضمان ألا تأتي التسوية على حساب مكانتهما الاستراتيجية في المنطقة، ولربما على حساب النظام المصري نفسه.
المصدر:
يورو نيوز