كشف تحقيق استقصائي لصحيفة " نيويورك تايمز" نُشر في أبريل/نيسان 2026، عن فضيحة أخلاقية وقانونية تضرب "مؤسسة سك العملة الأمريكية" (U.S. Mint)، حيث أثبتت الصحيفة أن الذهب المستخدم في صناعة العملات المعدنية الأمريكية -التي يُفترض أنها تمثل "قيم الحرية"- يعود في أصله إلى مناجم تديرها كارتيلات المخدرات في كولومبيا وجماعات مسلحة حول العالم.
وبحسب التحقيق، فإن الذهب الذي تموله جماعات مثل "كلان ديل غولفو" (Clan del Golfo) يمر عبر مراحل "غسل" قانوني، تبدأ بتسجيله ضمن برامج تعدين محلية تسمح بتداوله رسميا، رغم كونه مستخرجا بطرق غير مشروعة وتحت ظروف بيئية وصحية خطيرة.
ويشير التقرير إلى أن هذا الذهب يُصدَّر لاحقا إلى الولايات المتحدة، حيث يُخلط مع ذهب من مصادر أخرى داخل مصافٍ محلية، ما يمنحه صفة "الأصل الأمريكي" وفق ممارسات صناعية، رغم أن القانون الأمريكي يشترط استخدام ذهب مستخرج حديثا من داخل البلاد.
كما يلفت التحقيق إلى أن الجهات الرقابية لم تفرض تدقيقا كافيا على مصادر الذهب، وأن وزارة الخزانة الأمريكية تعهدت بمراجعة إجراءات التوريد، وسط مخاوف من أن تسهم هذه الثغرات في تمويل أنشطة غير مشروعة، من بينها الاتجار بالمخدرات وتمويل النزاعات.
وجاء التحقيق نتيجة جهد ميداني استمر لأكثر من عامين، قاده المراسلون جاستن شيك، وسيمون بوسادا، وفيديريكو ريوس.
وانطلق الفريق ميدانيا من قلب أراضي كارتيل "كلان ديل غولفو" (Clan del Golfo) في شمال غرب كولومبيا، واعتمد في منهجية تحقيقه على تتبع سلاسل التوريد عبر قواعد بيانات التصدير والاستيراد، ومقابلات مع عمال مناجم أُصيبوا بالتسمم بسبب الزئبق، وصولا إلى مصافي الذهب في تكساس ويوتا، وانتهاء بمصنع " ويست بوينت" التابع للحكومة الأمريكية.
وسلط التحقيق الضوء على آلية معقدة لغسل منشأ الذهب تمر عبر مرحلتين:
في بلدة "كاوكاسيا" الكولومبية، يجمع العمال الذهب باستخدام الزئبق السام تحت إشراف الكارتيلات التي تفرض "إتاوات" على كل منقب، ويُباع هذا الذهب لمتاجر محلية تسجله زورا تحت أسماء منقبين مرخصين، مما يمنحه شرعية ورقية كاذبة تتيح تصديره.
يصل الذهب الكولومبي (وغيره من المكسيك وبيرو وحتى الكونغو) إلى مصافٍ كبرى في الولايات المتحدة مثل ديلون غيج، وهناك، يُصهر في غلايات ضخمة مع ذهب محلي وأجنبي معاد تدويره، وبمجرد خروجه من الصهر، يُعامل وفق منطق الصناعة على أنه "ذهب أمريكي" المنشأ، ومن ثم تشتريه مؤسسة سك العملة لصناعة عملات "النسر الذهبي".
وأكد التحقيق أن مؤسسة سك العملة، بهذا الفعل، تضرب بعرض الحائط قانونا صادرا عام 1985 يحظر استخدام الذهب الأجنبي في السبائك الأمريكية لحمايتها من انتهاكات حقوق الإنسان، لكن على الرغم من تحذيرات المفتش العام لوزارة الخزانة منذ عام 2024، فإن المؤسسة استمرت في الشراء من مصادر "مشبوهة" لتلبية الطلب المرتفع.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه سوق الذهب ارتفاعا قياسيا في الأسعار، مع وصول سعر الأونصة إلى 5000 دولار، مما يعزز من جاذبية التعدين غير القانوني، ويزيد من صعوبة تتبع مصادر المعدن النفيس في الأسواق العالمية.
وعقب مواجهة الصحيفة للمسؤولين بنتائج التحقيق، أقرّت مؤسسة سك العملة بأن الولايات المتحدة هي مصدرها "الأساسي" وليس الوحيد، واعدة بتحسين التتبع.
كما أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت فتح مراجعة شاملة لممارسات المشتريات لضمان عدم تمويل الإرهاب أو تدمير البيئة.
ويضع هذا التحقيق واشنطن في مأزق، حيث يُظهر كيف تسهم أموال المستثمرين الأمريكيين -عبر مؤسستهم الرسمية- في تمويل حروب العصابات، وتسميم العمال بالزئبق، وتدمير الغابات، في تناقض صارخ مع شعارات الشفافية وحقوق الإنسان التي ترفعها الإدارة الأمريكية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة