في سباق مع الزمن في واشنطن، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام اختبار دستوري حساس مع اقتراب الأول من أيار/مايو 2026، وهو الموعد الذي يُفترض أن تنتهي فيه مهلة الستين يوما التي تخول ترامب شن حرب فيها على إيران من دون موافقة الكونغرس.
ونُقِل اليوم الإثنين (27 أبريل/نيسان 2026) عن تقرير لشبكة "سي إن إن" الأمريكية الإعلامية أن ترامب يخوض الحرب "من دون إذن تشريعي"، في مسار يفتح الباب أمام مواجهة سياسية وقانونية داخل واشنطن.
ولا تتعلق القضية فقط بتوقيت المهلة، بل بتفسير قانون يعود إلى عام 1973، وُضع في أعقاب حرب فيتنام، ويُعرف باسم "قانون صلاحيات الحرب".
أُقر قانون " صلاحيات الحرب " عام 1973 لتأكيد "الدور الدستوري للكونغرس في إرسال (قوات) الولايات المتحدة إلى نزاعات مسلحة في الخارج"، وهذا وفق النص الرسمي للقانون الذي أُقر رغم فيتو الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون.
وينص القانون على أن أي استخدام للقوة يجب أن يتوقف تلقائيا بعد 60 يوما ما لم يمنح الكونغرس موافقته.
ووفق ما نقلت صحيفة فرانكفورتر روندشاو الألمانية عن شبكة سي إن إن، لم يُستخدم هذا القانون سابقا لإنهاء حرب بشكل فعلي، إذ "عثر الرؤساء الأمريكيون المتعاقبون على طرق لتجاوز متطلبات الموافقة البرلمانية"، ما يجعل الحالة الراهنة غير مسبوقة من حيث حدتها السياسية.
يفرض القانون على الرئيس الأمريكي استشارة الكونغرس "في كل الحالات الممكنة" قبل إرسال القوات إلى نزاع مسلح. وتشير سي إن إن إلى أن "ترامب لم يطلب تفويضا لبدء العمليات في إيران".
كذلك، يتوجب على الرئيس إبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من بدء القتال وذكرت دويتشه فيله DW أن ترامب أوفى بالمهلة التي يفرضها القانون الأمريكي، وهي أن على الرئيس إخطار الكونغرس خلال ثمانٍ والأربعين ساعة، وأن ترامب احترم بالفعل واجب الإبلاغ الأولي وقدم تقريره إلى الكونغرس في الثاني من آذار/مارس 2026 الكونغرس علما بأن هذا لا يعني أن الكونغرس وافق على الحرب . أما بعد مرور 60 يوما، فيُفترض أن تتوقف العمليات تلقائيا، ما لم يصدر قانون يجيزها.
وينقسم المشرعون حول تاريخ انتهاء مهلة الستين يوما. فبحسب بعض التفسيرات، تبدأ المهلة من يوم الهجوم الأول على إيران، ما يعني انتهاءها في 29 أبريل/نيسان 2026.
غير أن تفسيرا آخر يعتمد تاريخ الإخطار الرسمي للكونغرس، ما يؤجل انتهاءها إلى الأول من مايو/أيار 2026، وفق سي إن إن.
وتبقى مسألة وقف إطلاق النار عاملا إضافيا، إذ لا يوجد إجماع حول إنْ كانت التهدئة تجمد "العد التنازلي" للمهلة القانونية أم لا.
ترامب ليس أول رئيس يحاول تجاوز "قانون صلاحيات الحرب". ففي عام 2011، أبقى الرئيس الأسبق باراك أوباما مشاركة الولايات المتحدة في قصف ليبيا لأكثر من 60 يوما من دون تفويض، معتبرا أن القوات الأمريكية "ليست منخرطة في أعمال عدائية مباشرة".
وأعاد هذا التفسير، كما تورد سي إن إن، طرح سؤال تعريف " الأعمال العدائية " وحدودها القانونية.
واستخدمت إدارة ترامب منطقا مشابها في عمليات سابقة ضد قوارب يُشتبه بصلتها بعصابات مخدرات فنزويلية، إلا أن الحرب على إيران "أوسع وأكثر خطورة".
ومن بين الخيارات المتاحة، قد يعتبر ترامب أن وقف إطلاق النار أنهى "الأعمال العدائية"، وبالتالي يعيد ضبط المهلة القانونية.
وفي هذا السياق، نقلت سي إن إن عن النائب الجمهوري براين فيتزباتريك قوله: "لا يمكن معاقبة اتفاقات وقف إطلاق النار. نحن نريد أن يجلسوا إلى طاولة ويتحدث بعضهم إلى بعض".
ويتمثل خيار آخر في الطعن بدستورية القانون نفسه. فقد قال نائب الرئيس جيه دي فانس في يناير/ كانون الثاني 2026 بعد اختطاف قوات أمريكية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إن "قانون صلاحيات الحرب هو في الأساس قانون شكلي وغير دستوري" في موقف يتقاطع مع آراء سابقة لرؤساء أمريكيين.
في 16 أبريل/نيسان 2026، رفض مجلس النواب الأمريكي مسعى ديمقراطي "للحد من سلطة الرئيس دونالد ترامب في شن حرب على إيران"، وفق وكالة فرانس برس (أ ف ب).
وجاء التصويت "إلى حد كبير على أساس حزبي"، رغم وجود انشقاقات محدودة داخل حزب ترامب : اعتراضات جزئية من بعض أعضاء الحزب الجمهوري، فقد أيد أحد الجمهوريين القرار فيما امتنع آخر عن التصويت، بينما صوت ديمقراطي ضده.
وفي هذا السياق، قال النائب الديمقراطي غريغوري ميكس قبل التصويت: "نقف على حافة هاوية ، وعلى الكونغرس أن يتحرك قبل أن يدفعنا هذا الرئيس إلى السقوط"، محذرا من "نزاع لا مخرج منه"، وفق ما نقلت أ ف ب.
وفي اليوم نفسه، أعلن ديمقراطيون عن تقديم مذكرات لعزل وزير الدفاع بيت هيغسيث ، متهمين إياه بشن حرب "من دون إعلان حرب أو تفويض قانوني محدد من الكونغرس"، بحسب أ ف ب.
وقادت هذه الجهود النائبة الديمقراطية ياسمين أنصاري ذات الأصول الإيرانية، التي قالت عبر منصة إكس: "للكونغرس وحده صلاحية إعلان الحرب، وأفعاله تستدعي عزله فورا".
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن تحقيقا عسكريا أوليا أشار إلى أن "صاروخ توماهوك أصاب مدرسة (في إيران) بسبب خطأ في تحديد الهدف"، في حادثة تعود إلى 28 فبراير/شباط 2026 وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 170 شخصا، وفق السلطات الإيرانية.
وحتى الآن، تؤكد الوقائع، بحسب سي إن إن وَأ ف ب، أن ميزان القوى لا يزال يميل لصالح البيت الأبيض، مع بقاء الباب مفتوحا أمام مفاجآت سياسية محتملة، فالرئيس الأمريكي وإدارته ما زالوا يمتلكون اليد العليا سياسيا وقانونيا في هذه المرحلة، سواء بسبب الأغلبية الحزبية أو ضعف قدرة الكونغرس على فرض قرارات مضادة، لكن في الوقت نفسه لا يمكن استبعاد تغير مفاجئ في المشهد السياسي قد يقلب هذه المعادلة.
فمع اقتراب الاستحقاق الانتخابي النصفي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، يقف الكونغرس أمام معادلة صعبة بين محاسبة الرئيس وإظهار انقسام داخلي في زمن حرب وبين تردد النواب في التصويت لصالح حرب لا تحظى بشعبية إلى حد كبير، في وقت قد يتخوف فيه المشرعون من التكاليف المتزايدة على دافعي الضرائب ومن عدم وضوح الهدف النهائي ومن خطر اتساع رقعة الحرب أكثر.
تحرير: حسن زنيند
المصدر:
DW