في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يعيش السودان اليوم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، حيث تحولت البلاد إلى ساحة لما يوصف بحرب الفظائع التي لا تبدي أي مؤشرات على التراجع.
وتناولت ثلاث صحف بريطانية كبرى هي: "غارديان" (The Guardian) و"فايننشال تايمز" (Financial Times) و"تلغراف" (The Telegraph) هذه القضية، واتفقت على أن السودان يعيش في ظل صراع تجاوز كونه نزاعا محليا ليتحول إلى "حرب فظائع" مدفوعة بطموحات عسكرية وتدخلات إقليمية سافرة.
وبينما وصفت صحيفة غارديان في افتتاحيتها الوضع بأنه نتيجة مباشرة لتحول الجنرالات ضد بعضهم بعد الإطاحة بالحكومة المدنية، أكدت فايننشال تايمز، في تقرير لها من نيروبي ولندن، أن الأزمة بدأت تتمدد وتتجاوز الحدود لتشمل دول الجوار السبع.
وقدمت تلغراف، في تقرير لها أيضا، بيانات صادمة تثبت أن السودان بات الساحة الأكثر دموية للمدنيين عالميا، متجاوزا في أعداد ضحاياه صراعات دولية أخرى تحظى باهتمام إعلامي أكبر مثل أوكرانيا وغزة، ووصفت الأمم المتحدة الوضع بأنه "أسوأ أزمة إنسانية في العالم".
وفي رصدها الميداني للوضع العسكري الراهن ونتائج الحرب، كشفت صحيفة تلغراف أن استخدام الطائرات المسيّرة أصبح السمة الأبرز والتهديد الأكبر للمدنيين؛ حيث نقلت عن ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية (Humanitarian Research Lab) بجامعة ييل (Yale University)، قوله إن كلا الطرفين طوّرا تكتيكات استخدام المسيّرات لضرب أهداف مدنية واضحة بفاعلية أكبر، مما أدى إلى مقتل أكثر من 8800 شخص في نحو 4800 ضربة طائرة مسيّرة منذ اندلاع الحرب.
وفي سياق متصل، أشارت فايننشال تايمز إلى أن البلاد باتت مقسمة فعليا بنسبة 60% للجيش و40% لقوات الدعم السريع، ونقلت عن خلود خير، مديرة مركز كونفلوانس آدفايسوري (Confluence Advisory) للبحوث، أن الحرب قد "تغلغلت" في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل، مؤكدة أنه لا توجد دولة من جيران السودان السبعة إلا وهي متورطة أو مستثمرة في هذه الحرب بشكل ما، مما خلق واقعا من "الاستعصاء العسكري" الذي يدفع ثمنه المواطن البسيط.
أما فيما يخص حصيلة الضحايا البشرية، فقد فجّرت صحيفة تلغراف (The Telegraph) مفاجأة بخصوص تضارب الأرقام؛ فبينما تكتفي الأمم المتحدة بذكر رقم 150 ألف قتيل، نقلت الصحيفة عن المبعوث الأمريكي السابق للسودان توم بيرييلو اعتقاده بأن عدد القتلى الحقيقي قد تجاوز 400 ألف شخص.
وأكد الخبير ناثانيال ريموند للصحيفة ذاتها أن هذه التقديرات وضعت حتى قبل وقوع المجازر الأخيرة في الفاشر، مشيرا إلى أنه رُصدت عبر الأقمار الصناعية "أكوام من الجثث وبقع من الرمال الملطخة بالدماء" لدرجة يمكن رؤيتها من الفضاء، واصفا ما يحدث بأنه يحمل "سمات الإبادة الجماعية"، وهو ما أيّدته بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة التي أكدت استهداف المدنيين والقتل خارج نطاق القانون وتعذيب المحتجزين.
وحول الوضع الإنساني المتفاقم ونتائج المجاعة، وصفت صحيفة غارديان (The Guardian) السودان بأنه يعيش أزمة أمن غذائي حادة تشمل نحو 30 مليون شخص، بينما نقلت صحيفة تلغراف عن شيلدون يت، ممثل منظمة اليونيسيف في السودان، تحذيرا مرعبا يفيد بأن "الأطفال لا يموتون فقط بسبب نقص الغذاء، بل لأن أجسادهم الضعيفة لم تعد قادرة على مقاومة أمراض بسيطة مثل الإسهال أو الملاريا".
وأوضحت صحيفة تلغراف عبر بيانات خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 أن 62% من السكان يواجهون انعداما غذائيا حادا، مع تأكيد حدوث مجاعة فعلية في مخيم زمزم بدارفور ومنطقة كادوقلي، محذرة من أن 20 منطقة أخرى مهددة بالانزلاق نحو المجاعة قبل ذروة موسم الجفاف في يونيو/حزيران المقبل.
وفي هذا الصدد، أشارت صحيفة غارديان إلى أن مطابخ الطوارئ المجتمعية التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد، أُغلق 42% منها بسبب نقص التمويل العالمي، مما يترك الملايين يواجهون الموت جوعا.
وعلى صعيد الانهيار الطبي، ذكرت صحيفة تلغراف أن النظام الصحي السوداني تعرض لتدمير شبه كامل، حيث نقلت عن منظمة الصحة العالمية وقوع 217 هجوما مباشرا على مرافق صحية، نتج عنها زيادة مروعة في الوفيات داخل المستشفيات بنسبة 680% في عام 2025 وحده.
ونقلت صحيفة تلغراف عن الدكتور شبل صحباني، ممثل منظمة الصحة العالمية، أن الخدمات الصحية الأساسية قد "تحطمت"، مما أدى لانتشار الكوليرا وحمى الضنك والتهاب الكبد الوبائي والدفتيريا بشكل غير مسبوق.
وفي سياق الانتهاكات الاجتماعية، ركزت "غارديان" (The Guardian) على تقرير لمنظمة " أطباء بلا حدود" يوثق أن العنف الجنسي والاغتصاب باتا "جزءا من الحياة اليومية"، حيث سُجلت آلاف الحالات لضحايا من النساء والفتيات، بعضهن دون سن الخامسة، كأداة ممنهجة للترهيب والسيطرة العرقية من قِبَل قوات الدعم السريع وحلفائها.
وفيما يتعلق بالتدخلات الخارجية التي تغذي الصراع، قالت "غارديان" في افتتاحيتها إن التنافس الإقليمي بين دول الإقليم حوّل السودان إلى "ساحة حرب بالوكالة".
من جهتها، عززت صحيفة "فايننشال تايمز" (Financial Times) هذا الطرح بنشر أدلة من "مختبر ييل" (Yale Lab) تشير إلى "تواطؤ إثيوبي" مع قوات الدعم السريع عبر السماح بانطلاق عمليات عسكرية من قاعدة داخل إثيوبيا لفتح جبهة جديدة في شرق السودان.
وفي المقابل، أشارت "تلغراف" (The Telegraph) إلى أن روسيا ومصر وتركيا تدعم الجيش السوداني، في حين تحقق الصين أرباحا طائلة من بيع المسيّرات لكلا الطرفين، مما يعقّد أي محاولات للسلام.
وعلى مستوى النزوح الجماعي، أوضحت "فايننشال تايمز" أن الحرب تسببت في نزوح 13.6 مليون شخص، وهي الأزمة الأكبر عالميا. ونقلت الصحيفة عن مامادو ديان بالدي، المدير الإقليمي للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، قوله إن الاعتقاد بأن هذا الصراع لن يؤثر على استقرار المنطقة هو "خطأ فادح"، محذرا من تدفقات هائلة نحو أوروبا.
كما لفتت "تلغراف" إلى مأساة "النزوح الثانوي"، حيث نقلت عن ستيفان سافاريموثو من مفوضية اللاجئين أن السودانيين الذين حاولوا العودة إلى الخرطوم وجدوا منازلهم مدمرة ومنهوبة، مما أجبر نحو مليون شخص على النزوح مرة أخرى وهم في حالة من الإفلاس واليأس التام، بينما يواجه اللاجئون في تشاد وجنوب السودان ظروفا قاسية تفوق قدرة الدول المضيفة.
اقتصاديا، رسمت التقارير صورة قاتمة لانهيار الدولة؛ حيث أشارت "تلغراف" و"فايننشال تايمز" إلى أن العُملة السودانية فقدت قيمتها بشكل مرعب، مما جعل الأسواق عاجزة عن توفير السلع.
ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" عن دبلوماسيين مصريين قلقهم من أن السودان لم يعد يمتلك مؤسسات قادرة على الحفاظ على وحدته سوى الجيش، الذي يواجه اتهامات أيضا باستخدام الجوع سلاحا.
وحذّرت صحيفة غارديان (The Guardian) من أن تدمير البنية التحتية والمصانع والأسواق في الخرطوم والجزيرة سيحتاج إلى عقود من إعادة الإعمار، في ظل غياب أي خطة دولية لإنقاذ الاقتصاد السوداني من السقوط الحر.
ونال الموقف الدولي نصيبه من النقد؛ فقد وصفت صحيفة غارديان الأزمة بأنها "مهمشة" وبأن المجتمع الدولي "فشل في التحرك"، ونقلت عن دينيس براون، أرفع مسؤولة أممية في السودان، قولها إن لغة الدبلوماسية لم تعد تجدي ويجب "إيجاد حل لإنهاء الحرب".
وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة فايننشال تايمز (Financial Times) عن المسؤول السوداني السابق عمر قمر الدين سخطه على مؤتمرات المانحين في برلين وباريس، واصفا إياها بأنها "تكرار للوجوه والصيغ القديمة نفسها دون أي تغيير ميداني"، منتقدا تجاهل صوت السودانيين في هذه الاجتماعات الدولية.
عموما، تجمع الصحف الثلاث على أن السودان يتجه نحو "حالة من التفكك الكامل" إذا لم يُمارس ضغط حقيقي، وإلى مستقبل مجهول يهدد وجوده ككيان وطني موحد.
ونقلت صحيفة تلغراف (The Telegraph) عن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تأكيدها أن هذه "أزمة من صنع الإنسان بالكامل، تغذيها تدفقات الأسلحة والمال"، بينما حذرت صحيفة غارديان من أن استمرار الحرب يعني تحول السودان إلى بؤرة دائمة للاضطراب.
وتخلص صحيفة تلغراف، في تحليلها النهائي، إلى أن غياب التدخل الدولي الفاعل حوّل السودان إلى أكبر مقبرة مفتوحة في العالم، وأكبر دليل على "النظام العالمي الجديد المضطرب" الذي يدفع فيه المدنيون العُزل الثمن الأكبر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة