غزة/ رام الله- رغم اختلاف الأسباب، يُواجه طلبة فلسطين في قطاع غزة والضفة الغربية، تحديات كبيرة، تهدد مستقبلهم التعليمي، وتُنذر بجيل لا يمتلك أساسيات المعرفة، وفق خبراء.
ففي قطاع غزة، ينقطع الطلاب عن التعليم منذ بداية الحرب قبل نحو عامين ونصف عام، أما في الضفة، فلا ينتظم دوام التلاميذ في المدارس الحكومية منذ سنتين أيضا، بسبب الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية.
ويُقدَّر عدد طلبة مدارس فلسطين بنحو مليون و530 ألف طالب وطالبة، وهو ما يشكّل قرابة ربع سكان الضفة وغزة، المقدر عددهم بنحو 5.5 ملايين، بحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.
وتعكس هذه النسبة حجم الخطر الذي يهدد شريحة واسعة من المجتمع، في ظل تعطل العملية التعليمية وتراجع انتظامها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
منذ اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، في أكتوبر/تشرين الأول 2023، انقطعت العملية التعليمية بشكل كامل، ودمر الاحتلال مئات المدارس، بينما تحوّل ما تبقى منها إلى مراكز إيواء للنازحين، وهو ما حرم نحو 700 ألف طالب وطالبة من التعليم.
فمنذ عامين ونصف عام، لم تدخل الطفلة جنى عابد (13 عاما) أي مدرسة، ومع ذلك تُسجَّل اليوم في الصف الثامن، في مفارقة تختصر ما آلت إليه العملية التعليمية في القطاع، حيث ينتقل الطلاب على الورق إلى صفوف أعلى، بينما تتآكل مهاراتهم الأساسية في القراءة والكتابة وباقي المواد كالرياضيات.
ويقول والدها محمد عابد إن "أولادي أصبحوا شبه أميين، لكنهم كانوا متفوقين قبل الحرب، اليوم نسوا القراءة والكتابة، وجدول الضرب.. كل شيء تقريبا".
وتتكون العائلة، بالإضافة للأبوين، من 4 أطفال: جنى في الصف الثامن، وحلا في السادس، وفراس في الرابع، ومحمود في الثاني.
يضيف عابد للجزيرة نت أن "التوقف الطويل عن الدراسة ترك أثره بوضوح، فقد بدؤوا ينسون اللغة العربية نفسها، حتى أبسط المهارات لا يتذكرونها".
ومؤخرا، شرعت وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع مؤسسات دولية ومحلية، في استئناف التعليم جزئيا بإنشاء "نقاط تعليمية" داخل صفوف من الخيام، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بمئات المدارس، وتحول ما تبقى منها إلى مراكز إيواء لعشرات آلاف النازحين.
وتقدم هذه النقاط التعليم 3 أيام في الأسبوع، عبر 4 حصص دراسية في اليوم، وفي الغالب، لا تقدم النقاط التعليمية خدماتها للطلبة فوق الصف السادس، وهو ما حرم جنى عابد من استئناف الدراسة.
تقول الطفلة الفلسطينية للجزيرة نت "لم أذهب إلى أي مدرسة منذ أول الحرب، لأن النقطة القريبة لغاية الصف السادس فقط".
وتحلم جنى أن تعود يوما إلى مدرستها، وترتدي الزي المدرسي، وأن يكون لها حقيبة وكتب ودفاتر وأقلام مثل بقية طلبة العالم. وفي المقابل، التحق إخوتها الثلاثة الأصغر بالنقطة التعليمية القريبة منذ 3 أشهر فقط. لكن التجربة -كما تقول الأم ياسمين عابد- لا تعالج المشكلة.
وتضيف الأم للجزيرة نت: "لا توجد كتب، ولا قدرة على المتابعة في البيت.. ما يتعلمونه أعلى من مستواهم الحقيقي بكثير، وهذه هي المشكلة الرئيسية لأنه تم ترفيعهم آليا". وتشير إلى ابنتها حلا التي في الصف السادس، وتقول "لا تقرأ ولا تكتب".
وتؤكد حلا ذلك بطريقتها قائلة: "لا أفهم الدروس… المعلمة تشرح أشياء صعبة، وعندما تطلب تبسيطها، ترد عليّ: لا أستطيع العودة لصفوف سابقة".
وتلقى الطلاب فترة تعليم مدتها شهران، في محاولة لاستدراك جزء مما فاتهم من التعليم، لكنها -بحسب الأهالي- "غير كافية".
في مركز إيواء "سند"، وسط مدينة غزة، افتُتحت قبل نحو 3 شهور، نقطة تعليمية، مكونة من عدة خيام. وتقول هويدا حِلّس، مديرة مركز الإيواء، والمشرفة التربوية والاجتماعية على النقطة التعليمية، إن معظم الأطفال "لم يذهبوا إلى أي مدرسة منذ بداية الحرب".
وتحذر من "تفشي نسبة الأمية بشكل كبير وسط الصغار، مع وجود أطفال في العاشرة لا يعرفون الإمساك بالقلم أو كتابة الحروف بشكل سليم".
وتلفت حلّس -في حديثها للجزيرة نت- إلى ارتفاع نسبة مشاكل "صعوبات التعلّم" لدى كثير من الطلاب، متمثلة في ضعف القراءة والكتابة، وارتباك في الحساب، وعجز عن متابعة دروس تفوق مستواهم.
وتضيف أن الأثر لم يكن تعليميا فقط، بل نفسيا أيضا، إذ يبدو على كثير من الأطفال الانطواء والخوف، ورفض التعليم، مما استدعى عقد جلسات "إرشاد جماعي، والتواصل مع الأهالي بهدف المساعدة على حل هذه المشاكل".
على مستوى وزارة التربية والتعليم، تبدو الصورة أكثر تعقيدا بين "محاولة الإنقاذ وحدود القدرة"، بحسب فؤاد عطية، موجّه اللغة العربية في مديرية غرب غزة، الذي يتنقل ميدانيا بين النقاط التعليمية.
يقول عطية إن افتتاح "مئات وربما آلاف" النقاط في قطاع غزة شكّل "قفزة نوعية" أعادت جزءا من الطلاب إلى مقاعد الدراسة، ولو جزئيا، عبر نظام تدريس وجاهي محدود لا يتجاوز 3 ساعات يوميا لمدة 3 أيام أسبوعيا. لكنه يضيف أن هذا الجهد، رغم أهميته، لا يغطي حجم الفجوة المتراكمة "ما تحقق مهم، لكنه لا يكفي".
ويشير في حديث للجزيرة نت إلى أن شريحة واسعة من الطلاب لا تزال خارج أي مسار تعليمي منذ عامين ونصف عام، لأسباب تتراوح بين الفقر والعمل اليومي لمساعدة عائلاتهم، وجلب الماء والطعام، ما يهدد بدخولهم فعليا دائرة الأمية.
ويدافع عطية عن عملية "الترفيع الآلي" للطلاب، على اعتبار أنه "شر لا بد منه". ويضيف "نعلم أن الترفيع يتسبب في فاقد تعليمي كبير، لكن الوزارة مضطرة لهذا الخيار، إذ لا يمكن عمليا إعادة السنوات الدراسية لمئات آلاف الطلبة، وإلا سيتوقف قطار التعليم بالكامل".
ولذلك، تعمل الوزارة -حسب الموجّه التربوي- وفق مسارين متوازيين: ترفيع الطلبة بحسب أعمارهم، بالتوازي مع تقديم مواد استدراكية لمحاولة تعويض الفاقد.
وفي ظل هذا الواقع، يحذر من تداعيات تتجاوز التعليم إلى السلوك والقيم، مع بقاء أطفال خارج المدارس لفترات طويلة.
ويختم بالقول إن إنقاذ العملية التعليمية "يتطلب تضافر جهود الجميع"، وعلى رأسهم وزارة التربية والتعليم ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ( أونروا)، والمؤسسات الدولية مثل اليونيسيف، لدعم البنية التعليمية الهشة والعمل على إنقاذ "جيل مهدد بالتجهيل وفقدان أساسيات المعرفة".
كما هي الحال في قطاع غزة، يواجه الطلبة في الضفة الغربية، البالغ عددهم نحو 829 ألفا، تحديات كبيرة، جراء عدم انتظام التعليم في المدارس الحكومية منذ عامين، وما سبق ذلك من انقطاعات سواء بسبب الإضرابات المطلبية وجائحة كورونا.
وقررت وزارة التربية والتعليم بالضفة الانتقال إلى نظام "التعليم عن بُعد"، تزامنا مع بدء الحرب التي شنتها إسرائيل وأمريكا على إيران يوم 28 فبراير/شباط الماضي.
وفاقم هذا الإجراء معضلة التعليم الذي لم ينتظم منذ عامين، بسبب الأزمة المالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية بعد اقتطاع إسرائيل أموال الضرائب الفلسطينية، ثم وقفها بالكامل قبل نحو عام، والتي تراكمت لتتجاوز حاجز 4 مليارات دولار.
وبدأت الأزمة عام 2021 عندما صرفت الحكومة الفلسطينية رواتب منقوصة للموظفين، وبشكل غير منتظم، وهو ما دفع المدرسين لخوض سلسلة إضرابات عن العمل للمطالبة باستثنائهم من قرار تقليص الأجور، مما أثر على سير العملية التعليمية التي لم تكن قد تشافت من أزمة جائحة "كورونا".
وسبق التوجه للتعليم "عن بُعد"، قرار سابق لوزارة التربية والتعليم بتقليص الدوام المدرسي إلى 3 أيام في الأسبوع، وترافق ذلك مع اختصار المنهاج في "رُزم تعليمية".
وتسبب كل ما سبق في معاناة كبيرة للعائلات التي تحاول استدراك "الفاقد التعليمي" الناجم عن الدراسة الجزئية، وغير الوجاهية.
وفي هذا الصدد، تحاول الأم دعاء الهندي التوفيق بين متابعة الحصص الإلكترونية لطفليها بكر (7 سنوات) وليان (6 سنوات)، بعد قرار الوزارة الانتقال إلى نظام "التعليم عن بُعد".
وتقول الهندي -للجزيرة نت- "أحاول تعويض المنهاج الأصلي، مثلا كتاب اللغة العربية للصف الثاني 15 درسا، تقلص إلى 6 دروس فقط".
ورغم أن الهندي متخصصة في التدريس، حيث تعمل مُعلمة غير متفرغة للصفوف الأساسية، فإنها تواجه عديدا من الصعوبات في متابعة دروس أبنائها. وتضيف شارحة "الأمر ليس بهذه السهولة، ففي البيت لا تستطيع ضبط الأطفال كما في المدرسة".
كما أن المادة العلمية التي كانت تدرّس على مدى 5 أيام، بات على المعلم إنهاؤها في 3 أيام، مع تكليف الطالب بكثير من الواجبات المنزلية، وهو ما يزيد العبء على عاتق أولياء الأمور في المنازل، وفق المعلمة الفلسطينية.
ورسميا، يجب أن يُختتم منهاج فلسطين للسنة الدراسية الكاملة خلال 182 يومًا دراسيًا. لكن عضو الائتلاف التربوي الفلسطيني نسيم كبها يقول -للجزيرة نت- إن أيام دوام الطلبة في المدارس الحكومية لم تتجاوز في الفصل الأول من العام الدراسي الحالي 50 يومًا، وهو ما يعني أن هناك فاقدًا تعليميًا كبيرا، دون وجود خطة واضحة لانتظام التعليم أو التعويض.
ويضيف أن "تراكم الفاقد التعليمي بانتقال الطالب من مرحلة دراسية إلى أخرى يعني خسارته مهارات ومفاهيم صُمم المنهاج الجديد للبناء عليها، وهو ما خلق اغترابا تعليميا، وراكم مؤشرات عجز وكسل في كثير من المهارات".
هذا الواقع دفع بعض الأهالي للبحث عن حلول فردية لأبنائهم، منها التدريس المنزلي، ونقلهم لمدارس خاصة، أو اللجوء إلى المراكز التعليمية، والدروس الخصوصية، لمن يمتلك المال الكافي لذلك.
تقر وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بوجود فاقد تعليمي كبير لدى طلبة الضفة (الجزيرة)ورغم وجود توافق على تشخيص الأزمة، وآثارها السلبية على مستوى التعليم، فلا تزال الحلول غير متفق عليها. ويُقر وكيل وزارة التربية والتعليم، أيوب عليان، بوجود "أزمة وفاقد تعليمي كبير"، لكنه يعزو ذلك إلى ظروف خارج مسؤولية وزارته.
وفي هذا الصدد، يقول عليان -للجزيرة نت- إن "على الحكومة إيجاد حلول للأزمة المالية، فالمعلم الذي لا يتقاضى راتبه كاملا، من الصعب أن يداوم دوامًا كاملًا".
ومن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لتخفيف الفاقد التعليمي "صياغة الملخصات التدريسية التي تركز على مهارات الكتابة والقراءة واللجوء إلى نظام المهمات، والتعويض بين الفصول، وتطوير نظام مساند في المواد الأساسية"، بحسب عليان.
غير أن وكيل وزارة التعليم يؤكد أن ما سبق هو لتخفيف الأثر، وليس لحل الأزمة من جذورها.
من جانبه، يقدم المجلس المركزي لأولياء أمور الطلبة مبادرة للحل، تقترح على الوزارة البحث عن موارد إضافية -خارج الميزانية- لدعم المعلمين، ولكن على الأرض لم يتم تنفيذ أي من هذه المبادرات.
في حين يلفت رفعت الصباغ رئيس الائتلاف التربوي -وهو مجموعة من المؤسسات التربوية ومن بينها مجلس أولياء أمور الطلبة- إلى عدم وجود دراسة، على مستوى الوطن، لقياس الأثر على العملية التعليمية ووضع الحلول. ويحمّل الصباغ -في حديثه للجزيرة نت- الوزارة مسؤولية جزئية عن أسباب الأزمة، مضيفا أنها مُقصرة في البحث عن حلول.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة