شهدت المحكمة العليا الأمريكية الأربعاء لحظة تاريخية، حيث حضر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب جلسة مرافعات للنظر في شرعية سياسة تعتبرها إدارته أساسية لنهجها الصارم تجاه الهجرة، والتي تسعى إلى تحديد منح حق المواطنة بالولادة.
وجلس ترمب في الصف الأول من القسم المخصص للجمهور داخل قاعة المحكمة الفخمة، قبل أن يغادر بهدوء بعد انتهاء مرافعة محاميه الذي يمثل الإدارة -مع بدء محامية الطاعنين مرافعتها- برفقة عناصر من جهاز الخدمة السرية.
ووصل ترمب -في موكب من البيت الأبيض– برفقة وزير التجارة هوارد لوتنيك، وظل داخل المحكمة لأكثر من ساعة ونصف، بينما لم يشر رئيس المحكمة جون روبرتس إلى حضوره عند إعلان بدء الجلسة.
وخارج مبنى المحكمة، تجمع متظاهرون رافعين لافتات مناهضة له، بينها عبارات تطالبه بمغادرة السلطة، في حين أكدت المؤرخة كلير كوشمان أن ترمب أصبح أول رئيس أمريكي يحضر جلسة مرافعة شفوية أمام المحكمة العليا خلال فترة ولايته.
سياحة الولادة
وتركز الجدل في القضية المعروفة باسم "ترمب ضد باربرا" على تعديل الدستور الرابع عشر، الذي ينص على أن "جميع الأشخاص المولودين أو المجنسين في الولايات المتحدة والخاضعين لولايتها القضائية هم مواطنون أمريكيون"، بينما ترى إدارة ترمب أن التعديل يخص حقوق العبيد المحررين بعد الحرب الأهلية (1861-1865)، وليس أبناء المهاجرين غير القانونيين أو الزائرين المؤقتين.
وتنص السياسة التنفيذية التي وقعها ترمب على أن الأطفال المولودين لأبوين يقيمان في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني أو بتأشيرات مؤقتة لن يحصلوا تلقائيا على الجنسية، معتبرة أن منح الجنسية بهذه الطريقة يشجع الهجرة غير الشرعية و"سياحة الولادة".
وخلال المرافعة، أكد محامي ترمب جون ساور أن منح الجنسية دون قيود "يتعارض مع ممارسات الغالبية العظمى من الدول الحديثة"، ويقلل من قيمة المواطنة الأمريكية، بينما أشارت المحكمة العليا إلى شكوكها بشأن تفسير الإدارة، مشيرة إلى أن التعديل الرابع عشر لم يهدف إلى استثناء أبناء المقيمين مؤقتا أو غير القانونيين.
ورفضت المحكمة العليا سابقا تعريف الإدارة الضيق في قضية عام 1898 تتعلق برجل يدعى وونغ كيم آرك، وُلد في سان فرانسيسكو عام 1873 لأبوين هاجرا إلى الولايات المتحدة من الصين، مؤكدة حقه في المواطنة.
وقال أستاذ القانون بجامعة إيلينوي في شيكاغو ستيفن شوين إن من المرجح أن ترفض المحكمة الطعن الحالي في حق المواطنة بالولادة، موضحا أن المحكمة "لطالما استندت إلى التاريخ والتقاليد كمرجع أساسي لفهم الدستور، وسيكون من المستغرب اكتشاف -بعد 150 عاما- أننا كنا نطبق بند المواطنة بشكل خاطئ تماما".
ويمتلك المحافظون أغلبية ساحقة في المحكمة العليا (6-3)، وقد عيّن ترمب ثلاثة من قضاتها.
فقدان الجنسية
وفي رد من الطرف المعارض، حذرت المديرة القانونية لمنظمة الدفاع عن الحقوق المدنية سيسيليا وانغ من أن تنفيذ الأمر التنفيذي سيؤدي إلى فقدان آلاف الأطفال جنسيتهم، ويثير الشكوك حول جنسية ملايين الأمريكيين على مر الأجيال.
وعقب انتهاء الجلسة، غرد ترمب -على منصة "تروث سوشيال"- منتقدا منح الجنسية بالولادة، في حين من المتوقع صدور حكم المحكمة في القضية بحلول أواخر يونيو/حزيران أو أوائل يوليو/تموز.
وترى صحيفة واشنطن بوست أن المحكمة العليا أمام خيارين: إما إصدار حكم دستوري شامل يحسم القضية إلى الأبد، أو اختيار مسار "أضيق" يركز على أن قانون الهجرة والجنسية لعام 1952 قد كرس هذا الحق بالفعل بشكل مستقل عن الدستور.
وتقول الصحيفة إن هذا المخرج القانوني يعني أن الرئيس لا يملك سلطة إلغاء قانون أقره الكونغرس بمجرد أمر تنفيذي، مما يجعل محاولة ترمب "التفافة أحادية" غير قانونية.
وتشدد "واشنطن بوست" على أن مراجعة سياسة مستقرة منذ عقود تتطلب أدلة تاريخية قاطعة، وهي أدلة تراها الصحيفة غائبة أو متضاربة في الحجج التي يقدمها فريق ترمب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة