آخر الأخبار

تحت القصف.. طلاب لبنان يلاحقون التعليم عبر شاشات متقطعة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

البقاع ـ داخل غرفة واحدة تحولت على عجل من مساحة معيشة عائلية إلى قاعة دراسة، تجلس الطالبة الجامعية زينب سليمان على كرسي بسيط خلف طاولة خشبية، تحدق في شاشة حاسوبها في محاولة لالتقاط إشارة إنترنت متقطعة.

وتجلس زينب وإلى جانبها نافذة نصف مفتوحة، لا تفلح في حجب هدير الطائرات الحربية التي تشق سماء البقاع شرقي لبنان، وتتسلل بين الحين والآخر أصداء انفجارات بعيدة، تكسر سكون المكان وتبدد ما تبقى من تركيز.

في هذا المشهد الهش، حيث تتداخل تفاصيل الحياة اليومية مع وقع الحرب، تحاول زينب متابعة محاضراتها في تخصص علمي دقيق بالجامعة اللبنانية. لا مقاعد دراسية ولا سبورة، بل شاشة صغيرة تختصر كل شيء: الشرح، والتفاعل، وحتى القلق. فلم يعد التعليم تجربة متكاملة، بل محاولة يومية للحفاظ على الاتصال، تقنيا ونفسيا، في بيئة مضطربة.

تصف زينب تجربتها بأنها "انقطاع مزدوج" بين انقطاع في الاتصال الرقمي، وآخر في القدرة على التركيز، إذ تصطدم المواد العلمية التي تتطلب تسلسلا ذهنيا دقيقا بإيقاع حرب متقلب، يفرض حضوره على تفاصيل اليوم ويقوض أي محاولة للاستقرار المعرفي.

وتستعيد تفاصيل يومها قائلة للجزيرة نت: "في التعليم الحضوري، كان التفاعل مع الأساتذة يسهّل الفهم ويمنحنا شعورا بالاستقرار، أما اليوم فتحولت الدروس إلى شاشة صامتة.. حتى المكان تغيّر، الجامعة كانت مساحة آمنة، أما الآن فنحن ندرس على وقع الغارات".

مصدر الصورة طلاب لبنان اضطروا للدراسة عن بعد بسبب الحرب الدائرة على البلاد (الجزيرة)

صعوبات مزدوجة

في زاوية أخرى من منزل يثقله القلق، تجلس الطالبة الكفيفة لين الرمح أمام حاسوبها، تضع سماعاتها وتنصت أكثر مما تنظر، محاولة التقاط خيط الدرس وسط ضجيج لا يهدأ، هنا، لا تقاس جودة الاتصال بسرعة الإنترنت فقط، بل بالقدرة على التمييز بين صوت الأستاذ وأي صوت آخر قد يقتحم اللحظة فجأة.

إعلان

تحاول لين بناء عالمها الدراسي عبر الصوت، وحفظ ملامح المحاضرة من نبرات الشرح وتفاصيل الكلمات، وتقول: "مع اندلاع الحرب، انتقلنا قسرا إلى التعليم عن بُعد، نحاول الحفاظ على نفس التركيز، لكن الواقع أقوى منا أحيانا".

وتضيف للجزيرة نت: "فجأة يهتز المكان بصوت غارة، ينقطع الإنترنت والكهرباء، ويتوقف كل شيء، حتى التسجيلات التي أعتمد عليها قد تضيع، فأضطر لإعادة كل شيء من البداية".

وفي يومياتها، تتضاعف العوائق، فكل انقطاع لا يعني فقط تأجيل الدرس، بل فقدان وسيلة الفهم الأساسية التي تعتمد عليها.

لا ترى لين ما يحدث حولها، لكنها تعيشه بكل تفاصيله السمعية، من أزيز الطائرات إلى الانقطاع المفاجئ للصوت، مما يجعل التعليم تحديا مركبا يختبر قدرتها على الصبر بقدر ما يختبر قدراتها الأكاديمية.

مصدر الصورة شكاوي متعددة من صعوبات التعلم عن بعد خاصة في المواد العلمية التي تتطلب انتباها تاما (الجزيرة)

المشهد المقابل

ولا تكتمل الصورة من دون النظر إلى الجهة الأخرى من الشاشة، حيث تحاول المعلمة مريم عقيل التكيف مع هذا الواقع الجديد.

ومن منزلها في بلدة بدنايل، تدرس تلاميذ مرحلة الروضات باللغة الفرنسية مستخدمة هاتفها المحمول، بعدما اضطرت للتخلي عن حاسوبها لابنتها. وتقول للجزيرة نت: "الحرب فرضت علينا التعليم عن بُعد رغم عدم جاهزية الظروف، وأبرز التحديات هي ضعف الإنترنت وانقطاعه".

وتوضح أن الأزمة لا تتعلق بالتقنيات فحسب، بل بواقع الأسر أيضا، إذ تضيف: "العائلة الواحدة قد لا تملك سوى جهاز واحد، مما يضطر الأهل لتقسيمه بين أولادهم". ولمواجهة هذه التحديات، لجأت إلى تسجيل الدروس وإرسالها للتلاميذ، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية، لكنها تؤكد أن يومها لا ينتهي بانتهاء الحصص، بل يمتد لمتابعة الطلاب والرد على استفساراتهم.

وتقول: "أجد نفسي أقوم بعدة أدوار في آن واحد، أدرس وأهتم بأطفالي وأدير شؤون المنزل، وكل ذلك تحت ضغط نفسي كبير بسبب الوضع الأمني"، في انعكاس مباشر لتداخل الأعباء المهنية والشخصية في ظل الحرب.

هذا الواقع يتصل بمشهد أوسع، حيث أغلقت مدارس عديدة في لبنان، إما لقربها من مناطق الاستهداف أو لتحويلها إلى مراكز إيواء للنازحين، مما جعل التعليم عن بُعد الخيار الوحيد، رغم محدوديته وتحدياته.

مصدر الصورة أغلقت مدارس عديدة في لبنان إما لقربها من مناطق الاستهداف أو لتحويلها لمراكز إيواء للنازحين (الجزيرة)

إصرار تعليمي

في هذا السياق، يرى نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوظ أن الاستمرار في التعليم لم يعد خيارا تربويا فحسب، بل موقفا وطنيا في مواجهة تداعيات الحرب.

ويقول محفوظ للجزيرة نت: "الإصرار على استكمال العام الدراسي هو قرار لمواجهة محاولات قتل الحياة، فلا يجوز أن تؤدي الظروف الأمنية إلى تجهيل جيل كامل".

ويربط محفوظ بين ما يعيشه لبنان وتجارب أخرى في المنطقة، مضيفا: "في غزة يتعلم الأطفال داخل الخيام، ترك الطلاب بلا تعليم يعني خسارة مستقبلهم"، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن أزمة التجهيزات التقنية لا تقع على عاتق النقابة، بل على الدولة وإدارات المدارس، في ظل غياب بنية تحتية قادرة على دعم التعليم الرقمي.

مصدر الصورة ‎⁨صدور قرار يلزم المدارس بإعادة شرح الدروس التي قُدمت عبر الإنترنت فور العودة إلى الصفوف (الجزيرة)

تعليم مضطرب

ومن زاوية أخرى، تبرز معاناة الأهالي الذين وجدوا أنفسهم بين تأمين متطلبات الحياة اليومية ومحاولة دعم تعليم أبنائهم.

إعلان

وتؤكد رئيسة اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور لمى الطويل أن الأولوية في المناطق غير المستقرة "تكمن في الحفاظ على الرابط التعليمي والنفسي للتلاميذ بعيدا عن ضغوط الفروض المدرسية"، مشددة على ضرورة وضع خطط تعويضية شاملة فور استئناف التعليم الحضوري.

وتوضح للجزيرة نت أن الاتحاد على تواصل دائم مع لجان الأهل في مختلف المناطق، وأن الجهد يتركز حاليا على الحوار مع إدارات المدارس لضمان تلبية احتياجات التلاميذ في هذه الظروف الاستثنائية.

وترى أن "أغلبية المدارس في المناطق غير الآمنة تدرك تماما وضع التلاميذ وتراعي حالتهم النفسية، والهدف هو إبقاء الطالب في أجواء التعلم دون إثقاله بالدروس والواجبات، لأن التعليم الحضوري يبقى الأصل والأفضل".

وتكشف لمى الطويل عن استجابة وزارة التربية لمطالب الاتحاد، إذ صدر قرار يلزم المدارس بإعادة شرح الدروس التي قُدمت عبر الإنترنت فور العودة إلى الصفوف.

وتؤكد أنه "لا يمكن تقييم أي تلميذ بناء على أدائه في التعليم عن بُعد، فالتعويض الحقيقي، أكاديميا ونفسيا، يجب أن يتم بالتنسيق مع إدارات المدارس بمجرد استقرار الأوضاع والعودة للحياة المدرسية الطبيعية".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا