مع بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران أواخر فبراير/ شباط الماضي، ظهرت انتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي ضد الموقف المصري من "الاعتداءات الإيرانية" على دول الخليج، حسب وصف مستخدمين خليجيين، من بينهم شخصيات في دوائر صنع القرار، أو مسؤولون سابقون أو شخصيات عامة مؤثرة.
ففي حين أدانت القاهرة، عبر بيانات متكررة صادرة عن الرئاسة المصرية ووزارة الخارجية منذ الأيام الأولى للحرب، "استهداف دول الخليج ورفضها لأي انتهاك لسيادتها"، ظهرت على الجانب الآخر انتقادات من شخصيات خليجية اعتبرت أن هذا الموقف لم يُترجم إلى خطوات عملية أو خطاب إعلامي واضح بالقدر الكافي.
ولم يفسر أي من المنتقدين للموقف المصري في منشوراتهم على منصات التواصل الاجتماعي ما كان يجب أن تقوم به مصر ولم تفعل، وما إذا كان قد طلب منها شيء محدد على المستوى الرسمي ولم تلبه.
ومع ارتفاع وتيرة التطورات الميدانية في دول الخليج، وسقوط قتلى ومصابين جراء الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، بدأت تتزايد حدة التصريحات من عدة شخصيات سياسية خليجية بارزة تحمل هجوما لمواقف "الأشقاء" وهي ما فُسرت على أنها تقصد الموقف المصري.
أبرز من خرج بتصريحات كان المستشار الدبلوماسي الإماراتي أنور قرقاش الذي قال إن المرحلة تتطلب "وضوحاً في المواقف العربية"، بينما كتب نائب رئيس شرطة دبي السابق ضاحي خلفان أن "بعض المواقف العربية لا ترقى إلى مستوى التحديات".
ووصل السجال لمستوى أعلى من التوتر بعد واقعة دبلوماسية محدودة، فوفقا لبيان لوزارة الدولة المصرية للإعلام، "قامت وزارة الخارجية المصرية بالتواصل مع نظيرتها الكويتية بخصوص ما تضمنه مقال كاتب كويتي في صحيفة كويتية من إساءات في حق مصر وشعبها"، ثم أبلغ وزير الخارجية الكويتي نظيره المصري في اتصال هاتفي باتخاذ إجراءات بحق الكاتب بعدما وصف مصر في مقاله بأنها كـ "زوجة الأب" وليست أم الدنيا، كما يطلق عليها.
كان الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله أحد من انتقد المواقف العربية بشدة، إذ غرد على إكس قائلا: "أثبتت الإمارات ودول الخليج العربي أنها قادرة على الدفاع عن نفسها بقدراتها الدفاعية الذاتية ولا تحتاج لمساعدة دول عربية هشة وتعيش أزمات داخلية خانقة ولا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها".
أرجع عبد الله هجومه ذاك إلى غياب موقف إعلامي مصري واضح منذ بداية الأزمة، فيقول في حديث لبي بي سي إن بعض الأصوات المصرية "تبنت روايات تبرر الحرب أو تقلل من خطورتها على دول الخليج".
كما لاحظ عبد الله، حسب قوله، أن أصواتا لها ثقلها في مصر كانت متعاطفة مع إيران، وكان لابد أن يشهد الإعلام المصري "حشدا وتوجيها أكبر" مع دول الخليج منذ اليوم الأول.
يتفق معه عبد الله غانم القحطاني اللواء السابق في الجيش السعودي فيقول ل بي بي سي: "كان موقف الأشقاء في مصر غريبا وغير متوقع، وبعض الخطوات كانت ملفتة مثل خطبة عيد الفطر التي أراها كانت غير موفقة لا توقيتا ولا مضمونا".
أثارت خطبة عيد الفطر التي ألقاها حسين عبد الباري رئيس قطاع الشؤون الدينية بوزارة الأوقاف المصرية في حضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جدلا واسعا، بعدما دعا "بحق فاطمة وأبيها بألا يجعل الله لمصر حاجة عند لئيم"، في ذكر للسيدة فاطمة بنت النبي محمد وزوجة علي بن أبي طالب، وهي شخصية ذات مكانة عالية لدى المسلمين الشيعة، فقد فسر البعض اختيار تلك الصياغة بأنها "تقرب" من إيران ذات الأغلبية الشيعية.
في المقابل يصف طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة في حديثه لـبي بي سي عربي أن بعض التصريحات الخليجية كانت "غير منضبطة" ومتحاملة على مصر.
بينما يرى الكاتب الصحفي إسلام عفيفي رئيس مجلس إدارة صحيفة أخبار اليوم المصرية ل بي بي سي عربي أن الانتقادات الخليجية كانت "بسبب التوقعات الكبيرة من مصر التي يريد الخليج أن تكون من أول وأشد المدافعين عنه".
تؤكد القاهرة أن موقفها لم يتغير منذ بداية الحرب، فقد شددت وزارة الخارجية المصرية في أكثر من بيان على أن "أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري"، داعية إلى "وقف التصعيد واللجوء إلى الحلول السياسية".
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أجرى وزير الخارجية المصري جولة إقليمية بعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب شملت سلطنة عمان وقطر والإمارات والأردن، ولاحقا زار السعودية، ناقش خلالها "سبل احتواء التصعيد"، وفق بيانات رسمية.
كما قام الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد نحو ثلاثة أسابيع من بدء الحرب، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر ثم السعودية والبحرين، أكد خلالها "دعم مصر لأمن واستقرار دول الخليج".
يبقى الخلاف الأساسي حول طبيعة الدور الذي تنتظره دول الخليج من مصر.
يقول أحمد أبو دوح الباحث في المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) إن هناك حيرة خليجية بشأن طبيعة الدور المصري الذي يريدونه خاصة أن دول الخليج لم تحارب حتى الآن.
لكن لدى الدكتور عبد الخالق عبد الله أستاذ العلوم السياسية من الإمارات رؤية حول الدور المطلوب من مصر، وهو دور عسكري فكان من الممكن "أن يصاحب البيان المصري الأول في بداية الحرب تحركات فعالة، مثل التضامن العسكري ولو بشكل رمزي مثل إرسال قطعة حربية في الأيام الأولى للحرب"، حسب قوله.
فالموقف المصري حتى "لم يرقَ إلى التضامن الفرنسي والإثيوبي، وحديثي هذا من كثرة تقديري لمصر وليس هجوما عليها،" بحسب عبد الله في حديثه ل بي بي سي.
مع بداية الحرب، أكد وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو استعداد بلاده "للمشاركة في الدفاع" عن دول الخليج والأردن، كما زار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الإمارات بعد نحو أسبوعين من بدء الحرب، وأدان "الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعددا من الدول الشقيقة في المنطقة".
لكن في المقابل، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور طارق فهمي أن "الحديث عن دور عسكري مصري غير واقعي في ظل عدم انخراط دول الخليج نفسها عسكرياً".
ويتفق معه عبد الله غانم القحطاني اللواء السابق في الجيش السعودي، في أنه لا جدوى لتقديم مصر دعم عسكري لدول الخليج، ويضيف: "الخليج لا يحتاج سلاحا أو جنودا فلديه ما يكفي ولديه شراكات استراتيجية مع دول كبرى".
لكن ربما يتغير الموقف المصري باختلاف الظروف الحالية، فإذا ما أعلن الخليج خوض الحرب مثلا، فإن مصر لن تتوان عن تقديم دعم عسكري كامل كما حدث خلال حرب الخليج عام 1990 كما يقول الكاتب الصحفي المصري إسلام عفيفي.
شاركت مصر في التحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1990 بعد غزوها من العراق، عبر إرسال قوات عسكرية مصرية ضمن عملية "عاصفة الصحراء".
ووفقاً للدستور المصري، لا يجوز للرئيس إرسال قوات مسلحة خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بالأغلبية، على أن يكون ذلك في مهام قتالية للدفاع عن الأمن القومي.
أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء جولته الخليجية قبل عدة أيام على تقديم "الدعم المادي" لدول الخليج، وهو المصطلح ذاته الذي استخدمه وزير الخارجية المصري أثناء لقاء بالصحفيين الأجانب في القاهرة يوم الثلاثاء الماضي.
"ربما يعني الدعم العسكري والاستخباراتي" هكذا فسر أبو دوح "الدعم المادي" الذي يمكن أن تقدمه مصر، "ربما تستطيع القاهرة تقديم دعم تقني يتعلق بالطيران وطرق التجارة ونقل النفط، لكن دورها الأبرز سيكون في خفض التصعيد من خلال وساطتها مع تركيا وباكستان".
ويؤكد من جانبه أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور طارق فهمي أنه كان يجب أن تقدم مصر المشورة العسكرية واللوجستية مع بداية الحرب، من خلال جولة خليجية يعقدها رئيس الأركان المصري مع بداية الحرب كما قام بذلك رئيس الأركان الباكستاني، معتقدا أنها ستفعل ذلك إذا طلبت دول الخليج منها أمورا محددة منها في هذا الصدد.
وتعليقا على الوساطة المصرية لإنهاء الحرب يقول فهمي: "باكستان هي الأبرز خلال الوساطة حاليا، ومن مصلحة الخليج أن يكون هناك تكتل عربي يشمل مصر وقطر وسلطنة عمان لإنجاح هذه الوساطة.
وكان وزير الخارجية المصري قد عبر عن استعداد بلاده استضافة محادثات بين الجانبين لوقف إطلاق النار.
كرر المسؤولون المصريون التأكيد على "تقدير القادة الخليجين التام" للدور المصري لدعم الخليج في تلك الحرب، وهي التصريحات ذاتها التي جرت على ألسنة مسؤولين خليجيين.
وأصدرت وزارة الدولة المصرية للإعلام بيانا بعد نحو أسبوعين من الحرب يدعو "نخب المثقفين وقادة الرأي في مصر وفى الدول الشقيقة للقيام بدورهم في وأد هذه الفتنة وقطع الطريق على الدسائس ومحاولات الوقيعة التي لا يستفيد منها إلا أعداء هذه الأمة".
وأتبعت الوزارة هذا البيان ببيان آخر بعد واقعة الصحفي الكويتي، جددت فيه "عزمها مع كل الجهات المصرية المختصة، على إخضاع أية تجاوزات تضر بالمصالح الوطنية وتسيء للعلاقات مع الدول العربية الشقيقة، للقوانين واللوائح المصرية، وهو الأمر الذي تناشد به الجهات المعنية في الدول العربية الشقيقة القيام به تجاه المتجاوزين في حق مصر وشعبها والساعين إلى الإضرار بعلاقات دولهم الشقيقة معها، وذلك وفقا لما تتيحه الأنظمة والقوانين في كل منها".
واتفق المحللون الذين تحدثت لهم بي بي سي عربي على وصف تلك الأزمة بالعابرة، فيقول إسلام عفيفي إن السجال الحالي لن يؤثر على علاقات مصر بدول الخليج، ويقول طارق فهمي إن تلك التغريدات لا تعبر عن آراء قادة الخليج تجاه مصر.
كذلك يؤكد أبو دوح الباحث في (تشاتام هاوس) أن تلك التصريحات بشأن مصر عاطفية، لكنها مفهومة في سياق تقديرهم الكبير لمصر.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة