عند الوصول إلى دوار مدخل مدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال شرق سوريا ، يتلقاك مجسم لاسم المدينة طلي بألوان الأخضر والأحمر والأصفر، وسارية طويلة رفع عليها العلم الكردي يحمل نفس الألوان والتي تتخذها ( قوات سوريا الديمقراطية )، وبدت حركة السير وعبور السيارات شبه طبيعية بعد توقف دام قرابة شهرين، جراء الاشتباكات العسكرية التي شهدتها المنطقة نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، والتقدم السريع للقوات الحكومية على حساب قوات (قسد) ومحاصرتها على طول الشريط الحدودي مع تركيا .
وفي مطار القامشلي الدولي، ينهمك عمال وورشات الصيانة بترميم وإصلاح هذه المنشأة الجوية التي توقفت قرابة عام ونصف، بعد تولي السلطة الانتقالية السورية الحالية سدة الحكم نهاية 2024 وسقوط نظام بشار الأسد ، وبقاء هذا المطار في منطقة تخضع سيطرتها العسكرية لقوات (قسد).
وبحسب مصادر في المطار والقائمين على ورشات الإصلاحات أن أعمال الصيانة تشمل ترميم صالة الاستقبال وسلامة مدرجاتها ومسح مهبط الطائرات، بغية إعادة تشغيل هذا المطار الوحيد للملاحة الجوية في هذه المنطقة من قبل الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي الحكومية، والتي تسلمتها منتصف الشهر الماضي في إطار عملية الدمج بين (قسد) والحكومة السورية.
منظر من مدينة القامشلي في شمال شرق سورياصورة من: Kamal Sheikho/DW
وعلى الرغم من إعادة ربط مدينتي القامشلي والحسكة مع مدن الداخل السوري وعودة حركة النقل البري بعد أحداث دامية، تباينت آراء ومواقف سكان هذه المدينة حول مجريات الأحداث المتسارعة. ولعل أكبر الهواجس والمخاوف يدور حول الوضع الأمني وصمود الاتفاق الموقع بين قوات (قسد) والحكومة في 29 من كانون الثاني/يناير الفائت. وفي الوقت الذي شكك فيه البعض بجدية التزام هذه الأطراف بتنفيذ جميع بنود الاتفاقية مع الغموض الذي يعتري بنودها سيما ملفي الأسرى والقتلى، يرى خبراء ومحللون سوريون بأن الحلم الكردي بإقامة إدارة ذاتية موسعة شمالي سوريا "تبدد" بعد تخلي الولايات المتحدة عن مواصلة دعم (قسد).
يقول سراج كلش وهو يساري كردي ومعتقل سياسي سابق في بداية حديثه لـDW عربية إن دخول قوات السلطة إلى القامشلي محدود، "تواجدها محدود جداً يكاد لا يرى، وتنص الاتفاقية أن حماية المنطقة موكلة لقوات الاساييش (جهاز الشرطة) وهم من أبناء المنطقة"، ولم يستعبد حدوث تغيرات ميدانية أو سياسية في بلد شهد تقلبات ميدانية وتبدلات في السيطرة استمرت نحو عقد ونيف، ليضيف: "أكبر الهواجس أن الاتفاقية الأخيرة غامضة في كثير من تفاصيلها، أما الثقة بالسلطة تكاد تكون معدومة نتيجة خلفيتها الجهادية وأفكارها المتشددة".
قوات الأمن الحكومية السورية تنتقل من مدينة الحسكة في الجزيرة شمال شرق سوريا إلى مدينة القامشليصورة من: Izz aldien alqasem/Anadolu/picture alliance
من جانبه، يرى حسام القس (40 سنة) وهو العضو الإعلامي في (المنظمة الآثورية الديمقراطية) أن حالة التوتر وانعدام الثقة بين مكونات هذه المدينة، مردها بث خطاب الكراهية على أوسع نطاق والتحريض المتبادل بين المكونات المختلفة على منصات التواصل الاجتماعي، وأكد خلال حديثه: "زادت هذه الدعوات حالة الخوف من احتمالية عودة دوامة العنف بسبب هذا الاحتقان الطائفي".
وانتقد بشدة تجاهل أبناء المكون السرياني الآشوري والمسيحيين عموماً من عملية الدمج من قبل طرفي الاتفاق، ونوه بأن: "تغييب السريان الآشوريين عن التعيينات الإداريّة والمناصب في جميع القطاعات كان رسالة واضحة باستبعادهم".
فالتعيينات تكون من المكونين العربي والكردي وتأتي بتوافق بين الحكومة وقسد، على حد تعبيره: "كما لاحظنا مؤخراً استبعاد اللغة السريانية من اللوحات التعريفية على المؤسسات الحكومية التي تشكلت بعد الدمج، وهذا سبب إضافي يدفع المكون المسيحي للتساؤل حول جدية تطبيق هذه التوافقات".
العمل مستمر لتأهيل مطار القامشلي وهي مسألة ضرورية لكثير من سكان المدينة، وخصوصا الذين هاجروا ويريدون زيارة عائلاتهم.صورة من: Kamal Sheikho/DW
تضم مدينة القامشلي مزيجاً من المكونات القومية والدينية من الكرد والعرب والسريان والأرمن والمردللية، وتمتاز بتنوعها السكاني العريق التي صهرتها جغرافيا المنطقة ويعيش فيها طيف واسع من المسلمين والمسيحيين، ويُعتبر التنوع الثقافي والعشائري السمة الأبرز لهذه المدينة، وبلغ عدد سكانها وفقاً لإحصاءات عام 2004 حوالي نصف مليون نسمة.
ونقل ساري العلي (32 سنة) وهو إعلامي عربي يعمل في وكالة محلية أن غالبية السكان من البسطاء ومحدودي الدخل، وجل همهم الحصول على لقمة العيش لحفظ كرامتهم ومتابعة أعمالهم اليومية بعيداً عن الحروب، وكيف تسبب الواقع المزري لريف القامشلي إلى دفع شبابها وخبراتها للهجرة والنزوح من جديد، "للبحث عن العمل سواء في دمشق أو درعا أو مدن أخرى. وترسخت حالة عدم الاستقرار نتيجة تلك الأحداث، والمطلوب الإسراع بخطوات الحل للنجاة وأنقاذ ما تبقى من أبناء جلدتنا العرب والكرد والمسيحيين".
وأكد الإعلامي استحالة تلاشي فقدان الثقة بين مكونات المنطقة لأن العلاقات التاريخية التي تجمعها عميقة مرتبطة بأواصر المصاهرة والدم، لافتاً إلى أن "الشرخ المجتمعي حدث نتيجة لتصاعد خطابات الكراهية والتحريض الممنهج عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكن مجتمع الجزيرة عموماً يحمل من الوعي ما يكفيه لتجاوز هذه الشروخات".
وتتصدر الساحات العامة بالقامشلي ومداخل الطرق والشاخصات الإعلانية وأعمدة الكهرباء، صور مقاتلين رجال ونساء وفتيات في ربيع العمر سقطوا في الحروب التي خاضتها (قسد) ضد تنظيم داعش المتطرف شرقي البلاد، بدعم من تحالف دولي قادته واشنطن التي تخلت عن حلفائها في سوريا. وهذه المدينة لا يمضي يوم إلا وتشيع جنازة أو تجوب شوارعها مسيرات احتجاجية رافضة للتطورات الدراماتيكية المتسارعة.
وتحولت عملية الدمج إلى حديث الساعة الساخن بين سكان هذه المدينة الحدودية مع تركيا ويترقب الجميع بحذر ما ستؤول إليه التفاهمات المحلية برعاية وضمانة دولية. تقول هيفي إسماعيل (38 سنة) والتي تعمل موظفة في إحدى مؤسسات الإدارة الذاتية، إنها تنتظر دمج مؤسسات الإدارة مع دوائر وهياكل الدول لمعرفة مصيرها، كحال جميع الموظفين الذين يعملون منذ سنوات خارج سلطة الحكومة، "حقيقةً الكرد لم يطالبوا بالانفصال يوماً ومن الطبيعي عودة مؤسسات الدولة، لإصلاح البنية التحتية وفتح المعابر الحدودية وتشغيل مطارها الدولي، كنا شبه محاصرين"، على حد تعبيرها.
واستبعدت هذه السيدة الكردية فكرة عودة الحرب وتجدد العمليات القتالية لأن جميع المكونات سيدفعون ثمنها، وشدّدت على: "لا خيار أمام السوريين سوى الحوار والتوافق والتفاوض، فمناطق الجزيرة لديها خصوصية قومية ودينية والجميع لا يريد الانقسام".
المتحدث الرسمي للفريق الرئاسي السوري المكلف في متابعة تطبيق بنود اتفاقية 29 يناير/كانون الثاني أحمد الهلالي، أكد خلال تصريحات تلفزيونية بثتها قناة الإخبارية الحكومية في 14 مارس/أذار الحالي، أن الفريق الحكومي فتح طرقاً حيوية لمحافظة الحسكة ونصبت حواجز مشتركة مؤقتاً، وأن وجود قوات (الأسايش) مؤقت حتى تكتمل عملية الدمج، ويعزو التأخير في تطبيق جميع البنود أن 14 عاماً من الإدارة المنفصلة تحتاج وقتاً لتقبل عملية الدمج.
ثم يقول خلال تصريحه: "اتفقنا على دمج 4500 مقاتل من قسد ضمن ثلاثة ألوية تابعة للفرقة 60 في الجيش، لأن الملفين العسكري والأمني أولوية لتسهيل دمج بقية مؤسسات الدولة في المنطقة"، بحسب كلام المسؤول السوري.
ويرى خبراء ومحللون سوريون أن الوقائع الأخيرة على الأرض وتقدم القوات الحكومية على حساب (قسد)، فرضت قبول الأخيرة لمعظم شروط دمشق مع تعديلات تعطي عملية الاندماج وقتاً أطول يمنح الطرفين إمكانية التنفيذ والابتعاد عن خطر المواجهة المسلحة المكلفة، غير أن التراتبية العسكرية وقيادة الألوية الثلاث التي سيتم تشكيلها من (قسد)، ووحدات الأمن العام التي ستتشكل من قوات (الأسايش)، وعلاقة القيادة والرئيس في دمشق بالمرؤوس تمثل أبزر العوائق، بحسب الباحث والمحلل بدر ملا رشيد مدير مركز رامان للبحوث والاستشارات.
ويقول ملا رشيد خلال حديث لـDW عربية إن وصول الطرفين لاتفاقٍ نهائي متبادل يتعلق بتراتبية القيادة: "سيمثل نقطة التحول الكبرى والتي تعني إما انتهاء قسد بشكلٍ كامل، أو ظهور بدايات معالم الحكم الذاتي لهذه المناطق إذا تمكنت قسد من الحفاظ على استقلالية قرارها العسكري ولو بشكل محدود".
وأوضح الباحث الكردي أن مسألة إدارة السلطة الفعلية على الأرض يتم تفسيرها حتى الآن من قبل الطرفين من زوايا مختلفة، ويضيف ملا رشيد: "في الوقت الذي تطرح دمشق نموذج إندماجٍ يؤدي لانحلال الإدارة وقسد بشكلٍ كامل بالهيكل الحكومي والأمني بالمحافظة؛ تطرح قسد ولو إعلامياً مفهوماً مغايراً يتمحور حول إدارة موسعة"، دون أن يكون هذا الطرح مستنداً لبنود معلنة في الاتفاقية، "أو آليات تنفيذية معلنة بقبول رسمي من دمشق والتي تركز على مركزية السلطة".
وهذا التفسير المغاير أظهر انشقاقاً مجتمعياً بين مكونات المنطقة لا سيما في المناطق العربية التي ترغب بالتلويح مجدداً بعملية عسكرية، تنهي أي وجود فعلي لقوى عسكرية كردية كـ(قسد) بحسب المحلل ملا رشيد، والذي أكد بأن هذه التوجهات: "تأتي لإنهاء الأحلام الكردية بحكم ذاتي في سوريا للأبد"، بينما يتسمك المكون الكردي بضرورة وجود دعمٍ شعبي لقوات (قسد) للحفاظ إدارياً على هذه المناطق التي بقيت لسنوات تحت سيطرتها، وختم حديثه قائلاً: "لإبعاد شبح عودة السلطة المركزية الشاملة من العاصمة، إلى جانب الحفاظ على قوة عسكرية تحمل ملامح كُردية وتكون ضامناً للمجتمع الكُردي".
تحرير: ف.ي
المصدر:
DW