في خطوة تصعيدية، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في التاسع من مارس/آذار الجاري إدراج جماعة الإخوان المسلمين في السودان على قائمة "الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص".
ومع إيداع القرار في السجل الفيدرالي، ليصبح ساري المفعول بدءاً من الإثنين، السادس عشر من مارس/آذار عام 2026، تفتح واشنطن فصلاً جديداً من فصول الضغط الدولي على الفاعلين في المشهد السوداني، مبررةً ذلك بضرورة محاسبة الجهات التي تهدد أمن المدنيين وتقوض استقرار البلاد.
تندرج القرارات الأمريكية تحت إطار قانوني يتيح لواشنطن فرض حزمة من الإجراءات العقابية التي قد تؤدي عملياً إلى خنق الجماعة مالياً وسياسياً.
ويشمل التصنيف تجميد كافة الأصول والممتلكات التابعة للجماعة أو الكيانات المرتبطة بها داخل الولايات المتحدة، أو تلك التي تقع تحت سيطرة أشخاص أمريكيين، بالإضافة إلى حظر التعامل مع المؤسسات المالية التي تستخدم الدولار، مما يعني عزل الجماعة وواجهاتها الاستثمارية عن النظام المصرفي العالمي.
ويجرّم القانون الأمريكي تقديم أي شكل من أشكال الدعم المادي أو التقني أو حتى الإعلامي للجماعة، مع إتاحة ملاحقة قادتها قضائياً وتقييد تحركاتهم الدولية عبر حظر التأشيرات.
وفي جوابه عن تساؤل ما إذا كانت هذه القرارات الأمريكية تعتبر تدخلاً في الشأن السوداني، يؤكد المفكر والأكاديمي السوداني، عبد الله علي إبراهيم بقوله لـبي بي سي: "طالما كان السودان في حرب أهليه فبابه انفتح للتدخل في شأنه بالطبع".
فيما يرى المحلل السياسي، بهرام عبد المنعم، أن هذا التوقيت يحمل دلالات استراتيجية كبرى، حيث لا يمكن فصله عن الصراع الإقليمي المحتدم بين واشنطن وحلفائها من جهة، والمحور الإيراني من جهة أخرى.
ويضيف: "واشنطن تريد قطع الطريق أمام أي تحالفات عابرة للحدود قد تعزز نفوذ النظام الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وهي ترسل بذلك رسالة تطمينية لحلفائها، خاصة مصر والسعودية ودولة الإمارات".
نشأت جماعة الإخوان المسلمين في السودان، في أربعينيات القرن الماضي، ورغم أنها بدأت كامتداد لفكر حسن البنا ومدرسة الإسلام السياسي في مصر، إلا أنها سرعان ما اتخذت مسارها الخاص وباتت مستقلة بفكرها ومنظريها.
وبحسب الكاتب الصحفي عبد الماجد عبد الحميد، فإن إسلاميي السودان نجحوا في "سودنة التجربة" لتكون متسقة مع الواقع المحلي المعقد.
ويشير عبد الحميد إلى أن "الحركة الإسلامية في السودان لم تكن مجرد تنظيم منغلق، بل كانت تجربة منفتحة تمتلك أدوات الحوار مع الآخر مهما بلغت درجات الخلاف".
وفي عام 1989،سيطرت الحركة الإسلامية على السلطة بواسطة انقلاب عسكري حكم لثلاثة عقود تخللتها انقسامات بين تيارات الحركة، أبرزها الانقسام الذي تم بين عرّاب الحركة حسن الترابي وتلامذته الذين أسسوا حزب المؤتمر الوطني، قبل أن تطيح به الاحتجاجات الشعبية في عام 2019.
يمثل "لواء البراء بن مالك" النقطة الأكثر إثارةً للجدل في القرار الأمريكي الأخير.
فهذه المجموعة، التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني في حربه ضد قوات الدعم السريع، تُتهم من قبل واشنطن بتلقي تدريبات ودعم من الحرس الثوري الإيراني.
وخلال إعدادنا لهذا التقرير، حاولنا التواصل مع قيادة اللواء للحصول على رد رسمي، إلا أنهم آثروا التحفظ، مؤكدين أن اللواء يعمل تحت إمرة القوات المسلحة السودانية، وأن أي تصريح يجب أن يمر عبر القنوات الرسمية للجيش.
وبحسب مراقبون، فإن هذا التحفظ يقابله "حذر دبلوماسي" من جانب وزارة الخارجية السودانية، التي اكتفت في بيانها بإدانة الإرهاب بصفة عامة، مطالبةً المجتمع الدولي بتصنيف "قوات الدعم السريع" كمنظمة إرهابية بسبب "جرائمها الموثقة".
ويؤكد ذلك المفكر والأكاديمي السوداني، عبد الله علي إبراهيم بقوله: "بالتأكيد القوات المسلحة محرجة من هذا التصنيف، لأنه دخل 'اللحم الحي ' - كما نقول في السودان. فهو ليس عن السياسة فحسب، بل عن -غزارتها في الوغى- فالمطلوب وهو أن تحل كتيبة البراء مما يدخلها في حساب آخر".
يقول المحلل السياسي، بهرام عبد المنعم، إنه ومنذ استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الخرطوم وطهران، تصاعدت المخاوف الغربية من تحول السودان إلى موطئ قدم للحرس الثوري الإيراني.
حيث تنظر واشنطن إلى إخوان السودان ليس كفاعل محلي فحسب، بل كجسر لتمدد النفوذ الإيراني في المنطقة العربية والقرن الإفريقي.
وحول التساؤلات عن مستقبل الإسلاميين في السودان، يصف المفكر السوداني عبدا لله علي إبراهيم المشروع الإسلامي في السودان بأنه قد "أفلس"، على حد قوله.
ويضيف " إذا أراد الإسلاميون العودة له، نزع السودانيون أنيابه، ولكن المزيد من التحريض عليه عبر الإسراف في القتل فإن عواقبه غير سعيدة على مجرى الدولة المدنية التي نريد لها أن تتوطن في فصل الدين عن الدولة من فوق خبرة مثل تمرد السودانيين على الدولة الدينية ووعيهم الفادح بها خلال نضال عقود انتهى بالثورة".
على الجانب الآخر، يقلل مراقبون من تأثير قرارات واشنطن.
حيث يرى الكاتب الصحفي، عبد الماجد عبد الحميد، أن التجربة السابقة مع العقوبات أثبتت عدم فاعليتها، متهماً الخارجية الأمريكية بالاعتماد على معلومات "مسيسة" تستقيها من منظمات معادية للتيار الإسلامي.
وينفي عبد الماجد عبد الحميد بشدة أي صلة بين الإخوان المسلمين والحرس الثوري، مؤكداً أن التدريبات العسكرية للمقاتلين هي شأن سوداني خالص يتم داخل معسكرات الخدمة الوطنية وبإشراف مباشر من الجيش.
أما المحلل السياسي، بهرام عبد المنعم، فيعتقد أن الحركة الإسلامية لن تسلم أوراقها بسهولة، بل قد تذهب نحو "حرب وجودية" لإثبات ثقلها الميداني والسياسي.
ويقول عبد المنعم: "الجيش السوداني حالياً في وضع لا يسمح له بالتضحية بحلفائه الميدانيين، مما يجعل تنفيذ القرار الأمريكي على الأرض عملية بالغة التعقيد".
ويرى أن صناع القرار في الدولة السودانية أمام تحديات استراتيجية بالغة التعقيد تقتضي الموازنة بين مقتضيات السيادة والضرورات الميدانية من جهة، وبين متطلبات الاندماج في المنظومة الدولية من جهة أخرى.
وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا التصنيف إلى رسم ملامح عملية سياسية مستقبلية تستبعد تيار "الإخوان المسلمين" من معادلة الحكم، تجد المؤسسة العسكرية نفسها في مواجهة استحقاقات حرجة تتعلق بإدارة تحالفاتها الداخلية في وقت الحرب.
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة