آخر الأخبار

دمشق على هامش الحرب الإيرانية الإسرائيلية.. حياد حذر وارتدادات يومية على السوريين

شارك

تحولت سوريا بعد سقوط نظام الأسد من حليف استراتيجي لإيران إلى تبني "حياد دفاعي"، مع انقسام شعبي بين متشفٍ من الدور الإيراني ومتعاطف مع دعمها لفلسطين، وسط تداعيات أمنية واقتصادية للحرب الدائرة في سمائها.

بينما تتسع رقعة الاشتباكات في الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، والتي تعد الثانية من نوعها بعد حرب الـ12 يومًا في صيف 2025، يبدو المشهد السوري مختلفاً عما كان عليه قبل سقوط نظام بشار الأسد وخروج القوات الإيرانية والفصائل التابعة لها من الأراضي السورية.

على المستوى الرسمي، تظهر قراءة المشهد أن سوريا تنأى بنفسها عن الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وقد اكتفت الحكومة السورية المؤقته برئاسة أحمد الشرع، باتخاذ إجراءات حدودية مشددة مع لبنان والعراق، تحسباً لامتداد النزاع بسبب احتمال انخراط أطراف من البلدين في القتال دعماً لإيران وفقاً لمصادر رسمية.

سوريا بين الحياد الواقعي والانكشاف الجوي

ورغم هذا النأي بالنفس، يرى مراقبون أن سوريا تبقى ركناً أساسياً في المعادلة الشرق أوسطية، مما يجعل استبعادها كلياً عن تداعيات الحرب أمراً غير ممكن.

على الأرض، تعيش سوريا وضعاً استثنائياً، فبدلاً من أن تكون المعركة دائرة على أراضيها كما كان يحدث طيلة السنوات الماضية، هي اليوم تدور في سمائها. فبعد أن دمرت إسرائيل معظم منظومات الدفاع الجوي السورية في غارات أعقبت سقوط النظام مباشرة، باتت الأجواء السورية مفتوحة، ويتم رصد تصدٍ إسرائيلي متواصل للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تعبر الأجواء السورية، في غياب أي قدرة سورية على الاعتراض أو الرد.

هذا التصدي الإسرائيلي للطائرات والمسيرات الإيرانية، وإن كان يحدث في السماء، إلا أن له تداعيات على الأرض. فشظايا الصواريخ المتساقطة تسبب بين الحين والآخر أضراراً مادية في الممتلكات، وتسجل بعض الإصابات البشرية نتيجة هذه الشظايا، فيما لم تسجل حتى الآن أي حالة وفاة جراء ذلك.

أزمة اقتصادية تضاعف المعاناة

إلى جانب المخاوف الأمنية ، يجد السوريون أنفسهم تحت وطأة أزمة اقتصادية تتفاقم بسبب التداعيات العالمية للحرب. فالاضطرابات في إمدادات الطاقة عالمياً، الناجمة عن الصراع الدائر في المنطقة، تنعكس سلباً على السوق السورية التي تعاني أصلاً من انهيار اقتصادي خانق.

ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة بشكل عام يضيف عبئاً جديداً على مواطن أنهكته سنوات الحصار والعقوبات. فمعاناة تأمين مادة الغاز والمازوت للتدفئة في الشتاء، والبنزين للتنقل، تتحول إلى كابوس يومي يذكر السوري بأنه، حتى وهو بعيد عن ساحات القتال، يدفع ثمناً باهظاً لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

الشارع السوري: ذاكرة مؤلمة وقراءات متعددة

في هذا المشهد المعقد، تتعدد قراءات السوريين للحرب الدائرة، حيث ينظر كل منهم إلى الأحداث من خلال تجربته الشخصية مع أطراف النزاع. فمن عانى من إيران وفصائلها يقرأ الحرب بتشفي، ومن تركزت معاناته مع إسرائيل يقرأها بأمل، ومن أنهكته السنوات الماضية يراها صراعاً لا يعنيه. لكن ما يجمع هؤلاء جميعاً، رغم اختلاف قراءاتهم، هو أن السوري يبقى دائماً من يدفع الثمن.

محمد المصري أحد سكان العاصمة يعبر عن هذا الإحساس بالمرارة قائلاً لـ"يورونيوز": "ما الذي جنيته من هذه الحرب؟ على مدى 14 عاماً، لكل من إسرائيل وإيران يد في خراب وتدمير سوريا، وكلاهما شارك في قتل الشعب السوري وتدمير اقتصاده، واستغلا حاجة السوريين والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم، واستفادا أكثر مما خسرا. لا أعتقد أن هذه الحرب تهمني".

في المقابل، تحمل يارا سمندر جرحاً مختلفاً يتعلق بالقضية الفلسطينية فتقول لـ"يورونيوز": "أنا لا أنحاز لأي طرف، ولكن إسرائيل على مدى 70 عاماً تهجر وتقتل وتعتقل الشعب الفلسطيني. أنا سعيدة لأنهم يتذوقون الآن الخوف والرعب الذي عاشه أهلنا في غزة من الصواريخ التي تتساقط عليهم".

أما علي صالح فيعبر عن موقف أكثر تعقيداً، يمزج بين الرفض المبدئي لإسرائيل والتشفي مما يحصل لإيران: "لا يمكنني أبداً أن أقف مع إسرائيل. لكن في الوقت نفسه، يقال اليوم إن لإسرائيل يداً كبيرة في إسقاط النظام الذي خلصنا من طغيان استمر 50 عاماً. إيران والميليشيات الإيرانية كانوا سبباً في قتل وتهجير الشعب السوري. فليذوقوا ما ذقناه".

ويضيف علي: "تقسيم إيران ليس في مصلحة أحد في الشرق الأوسط. المنطقة مصلحتها في تغيير سلوك النظام الإيراني، سواء بإرادة الشعب الإيراني أو عبر إدارة داخلية أو خارجية، وهذا يصب في مصلحة شعوب المنطقة".

رأي مغاير

في مقابل هذه الآراء، هناك أصوات أخرى ترفض منطق "العدوين" أو "التشفي"، وتنظر للحرب من زاوية دعم لـ"المقاومة". سيدة سورية فضلت عدم الكشف عن هويتها لضرورات أمنية، تعبر عن رأي مغاير تماماً: "أرى أن ما تفعله إيران هو في سبيل تحرير فلسطين، خاصة أن إيران تعتبر دعماً حقيقياً لحماس وحزب الله" .

وتضيف في حديثها لـ"يورونيوز"، "لا أفهم لماذا يشمَت البعض بإيران، يجب أن نفرق بين النظام الإيراني والشعب الإيراني. الشعب الإيراني مثلنا، يدفع الثمن، وهو منفصل عن التصرفات الخاطئة. أنا لا أوافق على كل تصرفات النظام الإيراني، لكن قضية فلسطين خط أحمر."

التحول الاستراتيجي: من "حليف عضوي" إلى "حياد دفاعي"

التباين في آراء الشارع السوري لا يعكس فقط تجارب شخصية متناقضة، بل يرصد تحولاً جيوسياسياً في بنية الدولة السورية نفسها. فطيلة نصف قرن من حكم حافظ وبشار الأسد، كانت سوريا وإيران شريكين في حلف استراتيجي، حيث شكلت دمشق العمق البري لطهران وموطئ قدم ميليشياتها نحو الجولان والبحر المتوسط.

بعد سقوط النظام، حدث انقلاب في هذه المعادلة. لم تعد سوريا حليفة لإيران بالمعنى التقليدي، ولم تعلن عداءً صريحاً قد يجرها لحرب شاملة، بل انتقلت إلى حالة يمكن وصفها بـ"الحياد الدفاعي" أو "التباعد القسري". هذا التحول لم يكن خياراً أيديولوجياً بقدر ما كان استجابة لضغط الواقع الجديد.

هذا التحول يضع سوريا في موقع استراتيجي جديد؛ فهي لم تعد "ورقة ضغط" بيد إيران ضد إسرائيل، بل أصبحت "منطقة عازلة" بحكم الواقع، تحاول الموازنة بين عدم استفزاز إيران وعدم تقديم ذريعة لإسرائيل لاستهداف البنية التحتية السورية وفق كلام مراقبين.

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا