في الساعات الأولى من صباح يوم 25 شباط/فبراير اقترب زورق سريع من سواحل كوبا . وحسب الأنباء، فإن الزورق انطلق من فلوريدا وعلى متنه عشرة من المنفيين الكوبيين. وعندما صادف زورق دورية تابعة لخفر السواحل الكوبي اندلع تبادل لإطلاق النار. وفي نهاية الاشتباك لقي أربعة من ركاب الزورق السريع مصرعهم وأصيب ستة آخرون. وأفادت الحكومة في هافانا لاحقا أن المنفيين الكوبيين كانوا ينوون "التسلل إلى كوبا بأغراض إرهابية"، وأنه "تم ضبط أسلحة ومتفجرات وسترات واقية على متن الزورق".
وأعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أنه سيتم إجراء تحقيق مستقل في الحادث. وأوضح أن الحادث لم يكن عملية أمريكية رسمية ولم يتورط فيه أي موظف حكومي. ووصف روبيو تبادل إطلاق النار في عرض البحر بأنه "غير عادي للغاية"، لكنه أضاف أن الولايات المتحدة مستعدة "للرد بشكل مناسب" بمجرد توفر جميع الحقائق.
تأتي هذه الحادثة في وقت تشهد فيه العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا توترا شديدا وهو ما يرتبط بشكل كبير بماركو روبيو؛ إذ تربط روبيو علاقة خاصة بالدولة الكاريبية التي تقع على بعد أقل من 150 كيلومتراً من سواحل فلوريدا.
وزير الخارجية الأمريكي هو ابن مهاجرين كوبيين. وهو لا يتردد في التعبير عن رأيه عندما يتعلق الأمر بالمستقبل السياسي الذي يتمنى لبلد والديه: "أعتقد أننا نود أن نرى تغييرا في النظام هناك"، كما قال في كانون الثاني/يناير الماضي خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي. وأضاف روبيو: "هذا لا يعني أننا سنعمل بنشاط على إحداث تغيير". ومع ذلك سيكون من المفيد للغاية للولايات المتحدة ألا يحكم كوبا بعد الآن "نظام حكم استبدادي"، على حد تعبير الوزير.
تقوم الولايات المتحدة اليوم بكل ما في وسعها لإضعاف هذا النظام في هافانا إلى أقصى حد ممكن. يعتبر ماركو روبيو القوة الدافعة وراء السياسة الأمريكية الحالية تجاه أمريكا اللاتينية كما أنه كان له دور حاسم في اعتقال الرئيس الفنزويلي أنذاك نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير.
وكان للتدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا عواقب وخيمة على كوبا حيث توقف استيراد النفط الحيوي للغاية للاقتصاد الكوبي. بالإضافة إلى ذلك هددت الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية عقابية على أي دولة ثالثة تنوي تزويد الجزيرة الكاريبية بالنفط.
ومنذ ذلك الحين أصبحت انقطاعات الكهرباء التي تستمر لساعات طويلة أمراً معتاداً في كوبا واضطرت الحكومة إلى تقليص ساعات العمل والدراسة وتوقفت الحافلات والقطارات في العديد من الأماكن. وحذرت الأمم المتحدة بالفعل من حدوث "انهيار إنساني" في الجزيرة، لأن النقص الحاد في الطاقة والوقود أدى إلى توقف تبريد المواد الغذائية وتوريد الأدوية وتشغيل مضخات المياه.
صحيح أن روبيو أعلن الآن عن تخفيف طفيف في القيود المفروضة على صادرات النفط إلى القطاع الخاص في كوبا ، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التراخيص ستسحب على الفور في حالة تحويل الوقود إلى الجيش أو الحكومة.
تعتبر واشنطن كوبا "تهديداً استثنائياً" للأمن القومي والسياسة الخارجية. وفي نهاية شهر كانون الثانس/يناير أعلن الرئيس الأمريكي ترامب حالة الطوارئ الوطنية.
وتتهم الولايات المتحدة القيادة الكوبية من بين أمور أخرى بتوفير قاعدة للدول والأطراف المعادية. فحسب الولايات المتحدة تستضيف كوبا أكبر منشأة روسية خارجية للاستخبارات السلكية واللاسلكية والتي تهدف إلى الحصول على معلومات أمنية حساسة عن الولايات المتحدة. كما يُقال إن كوبا تتعاون بشكل متزايد مع الصين. وتزعم أجهزة الاستخبارات الأمريكية أنها حددت ما لا يقل عن أربع منشآت تجسس صينية على الجزيرة يمكنها مراقبة العمليات العسكرية الأمريكية ووسائل الاتصال.
بالإضافة إلى ذلك تتهم واشنطن هافانا بتوفير ملاذاً لجماعات إرهابية دولية مثل حركة حماس الفلسطينية و حزب الله اللبناني. وعلى الرغم من عدم وجود أي تقارير استخباراتية علنية أو أدلة أخرى حتى الآن، فقد أدرجت الولايات المتحدة كوبا في قائمة الدول الراعية للإرهاب العالمي. كما ترى الولايات المتحدة في نشر الأيديولوجيات الشيوعية من قبل النظام الكوبي تهديداً مباشراً لمصالحها الإقليمية.
يحافظان على علاقات جيدة بين البلدين: وزير خارجية كوبا برونو رودريغيز باريا ونظيره الصيني وانغ ييصورة من: Kyodo/picture allianceيعود الصراع بين الولايات المتحدة وكوبا إلى الثورة الكوبية في عام 1959. في ذلك الوقت أطاح فيدل كاسترو بالديكتاتور فولغينسيو باتيستا المدعوم من الولايات المتحدة، وبدأ بعد ذلك بوقت قصير في تأميم الشركات الأمريكية. وفي عام 1961 حاولت الولايات المتحدة بمساعدة كوبين مسلحين في المنفى الإطاحة بنظام كاسترو الجديد. لكن الغزو في خليج الخنازير فشل ودفع كوبا أكثر إلى أحضان الاتحاد السوفيتي. وخوفا من غزو أمريكي جديد سمح فيدل كاسترو بنشر صواريخ نووية سوفيتية، مما أدى إلى أزمة كوبا الخطيرة في عام 1962 والتي لم يتم نزع فتيلها إلا بصعوبة.
وفي أعقاب هذه الأزمة فرضت الولايات المتحدة حظراً اقتصادياً واسع النطاق على كوبا ولا يزال هذا الحظر ساري المفعول حتى اليوم. ولا تزال العلاقات الدبلوماسية بين البلدين متجمدة حتى الآن. صحيح أن رئاسة باراك أوباما شهدت فترة وجيزة من التقارب الحذر، لكن العقوبات ضد كوبا تم تشديدها مرة أخرى في ولاية ترامب الأولى ثم في ولاية جو بايدن.
منذ تولي دونالد ترامب منصبه للمرة الثانية وتعيين ماركو روبيو وزيراً للخارجية الأمريكية تواصل الولايات المتحدة تشديد الخناق حتى اليوم. "إذا كان الشعب الكوبي يعاني فذلك لأن النظام يقف في طريق المساعدة"، كما أوضح روبيو على هامش تصريحه بشأن تبادل إطلاق النار الحالي قبالة الساحل الكوبي. وأعلن أن الولايات المتحدة لن تخفف ضغوطها على كوبا إلا إذا منح النظام شعبه "الحرية السياسية والاقتصادية".
أعده للعربية. م.أ.م
المصدر:
DW