في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تحت ضغط الحرب والحصار، يقترب القطاع الصحي في غزة من مرحلة شلل جديدة، مع تصاعد التحذيرات من توقف خدمات المختبرات الطبية وبنوك الدم، في ظل عجز حاد بمواد الفحص الأساسية، ومنع إسرائيلي مستمر لإدخال المستلزمات الطبية.
وفي تقرير لمراسل الجزيرة شادي شامية من داخل أحد المختبرات الطبية في قطاع غزة، بدت مشاهد التعامل مع عينات الدم بمعدات محدودة تعكس أزمة صامتة تهدد ما يوصف بـ"عصب التشخيص" في المنظومة الصحية، حيث تحاصر المختبرات بين القصف ونفاد الإمدادات.
وتحذر السلطات الصحية من أن المختبرات وبنوك الدم أصبحت على حافة التوقف، مما ينذر بانهيار واسع في الخدمات الطبية، خصوصا أن الفحوص المخبرية تشكل أساس التشخيص والعلاج، ولا يمكن الاستغناء عنها في مختلف الأقسام الطبية.
ومن داخل مجمع الشفاء الطبي، تقول طبيبة مخبرية إن المستشفى يعاني نقصا حادا في المواد المخبرية، لا سيما الفحوص الأساسية مثل فحص تعداد الدم الكامل (CBC)، مؤكدة أن استمرار هذا النقص يهدد بإغلاق المختبر كليا.
وتظهر بيانات وزارة الصحة، بحسب ما أورده مراسل الجزيرة، أن نسبة العجز في الأصناف الأساسية من مواد الفحص المخبرية تجاوزت 84%، وهو ما انعكس بشكل مباشر على فحوصات الدم والتجلط والكلى، إضافة إلى معاينات الأورام.
هذا العجز جعل المختبرات عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات المرضى، في وقت تتزايد فيه أعداد الجرحى والمصابين، وتتراكم الحالات المزمنة التي تحتاج إلى متابعة مخبرية دورية لا غنى عنها.
وفي شهادة مؤلمة، يقول زوج مريضة إنه توجه إلى المستشفى لإجراء تحاليل لزوجته، ليُفاجَأ بعدم توفر الفحوص المطلوبة، رغم ارتباط حالتها باضطرابات هرمونية وغدية تستلزم تحاليل دقيقة.
ولا يقتصر أثر الأزمة على المرضى العاديين، إذ يرصد مراسل الجزيرة عجز أقسام العناية المركزة والعمليات والطوارئ وحضانات الأطفال عن تقديم الرعاية اللازمة دون فحوص مخبرية، مما يهدد حياة المرضى والجرحى.
وفي أقسام غسيل الكلى، تبدو المخاطر أكثر حدة، حيث تؤكد مريضة مسنة أن الفحوص الدورية تشكل مسألة حياة أو موت، محذرة من أن توقف المختبرات يعني فقدان القدرة على متابعة الحالة الصحية، وما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة.
الأزمة ذاتها تتجسد في جنوب القطاع، كما ينقل مراسل الجزيرة غازي العلول من مجمع ناصر الطبي في خان يونس، أحد أكبر المرافق الصحية العاملة حاليا في ظل الضغط المتزايد على المنظومة الطبية.
ويقول العلول إن المجمع، الذي يخدم قرابة 800 ألف فلسطيني، يواجه نقصا واسعا في المواد المخبرية، مما يدفع عددا كبيرا من المرضى إلى مغادرة المستشفى دون استكمال فحوصاتهم، نتيجة نفاد المواد وتوقف بعض أجهزة التحليل.
ولا تقف تداعيات الأزمة عند حدود الفحوص، إذ تمتد إلى وحدات الدم، حيث أدى غياب هرمون "الإريثروبويتين" اللازم لمرضى الفشل الكلوي إلى الاعتماد المكثف على نقل الدم، مما فاقم الضغط على بنوك الدم في مستشفيات القطاع.
وتُظهر مشاهد قسم استقبال العينات في مجمع ناصر توافدا متواصلا للمرضى على مدار الساعة، حيث يتحول الانتظار في كثير من الأحيان إلى وقت مفتوح، مع عدم توفر الفحوص المطلوبة رغم الحاجة الطبية الملحّة.
ويؤكد أطباء في المجمع أن تعطل عدد من أجهزة الفحص، إلى جانب محدودية المواد المتبقية، يفرض عليهم المفاضلة بين الحالات، مما يؤدي إلى تأخير التشخيص، خاصة للحالات الحرجة التي تتطلب قرارا علاجيا عاجلا.
بدوره، حذّر المدير العام لوزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة الدكتور منير البرش، من أن العجز في مستلزمات المختبرات يشل منظومة التشخيص، ويقوّض قدرة الأطباء على اتخاذ قرارات علاجية دقيقة داخل المستشفيات.
ويقول البرش للجزيرة إن تقييد عمل المختبرات يؤدي إلى تأخير اكتشاف حالات خطيرة، مثل النزيف أو الفشل الكلوي أو اضطرابات القلب، محذرا من تحوّل أمراض قابلة للعلاج إلى تهديد مباشر للحياة.
ويشير إلى أن الطواقم الطبية تضطر أحيانا إلى العمل دون مرجعية مخبرية كافية، مما يرفع مخاطر الأخطاء العلاجية، سواء في اختيار الأدوية أو تحديد الجرعات، ويزيد المضاعفات لدى المرضى.
ويلفت البرش إلى أن المرضى في العناية المركزة والأطفال والمسنين وأصحاب الأمراض المزمنة، هم الأكثر تضررا، مؤكدا أن انقطاع المتابعة المخبرية عنهم يسرّع تدهور حالتهم الصحية.
ويؤكد أن توقف خدمات مخبرية متخصصة، مثل فحوص الأورام والهرمونات وبنوك الدم لا يعطل التشخيص فحسب، بل يحدّ من القدرة على إنقاذ الأرواح ويقود إلى استنزاف خطير لما تبقى من إمكانات القطاع الصحي.
وفي سياق متصل، يؤكد مدير دائرة الصيدلة بوزارة الصحة الفلسطينية الدكتور علاء حلس أن الأزمة لا تقتصر على المختبرات، بل تشمل مخزون الأدوية والمستهلكات الطبية، حيث أصبح أكثر من 46% من قائمة الأدوية الأساسية معدوما.
ويضيف في حديثه للجزيرة مباشر أن أكثر من 66% من المستهلكات الطبية غير متوفر، وهو ما أدى إلى توقف جزئي أو كلي لعدد من الخدمات الصحية، وتأثر قطاعات حيوية مثل مرضى الأورام والكلى والطوارئ والرعاية الأولية.
ويحذر حلس من أن التوريد القليل، رغم المناشدات المستمرة للمنظمات الدولية، لا يلبي الاحتياجات الفعلية، مؤكدا أن المنظومة الصحية بحاجة إلى إمدادات مستمرة وكبيرة لتفادي انهيار شامل.
وفي ظل اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان من المفترض أن يسهم في إنعاش القطاع الصحي، تؤكد وزارة الصحة أن الواقع الحالي يعكس استمرار الحصار والتضييق، مما يضع المنظومة الصحية أمام أخطر اختبار في تاريخها.
المصدر:
الجزيرة