أثارت أنباء عن إدخال تعديلات جوهرية على المناهج الفلسطينية، قيل إنها شملت حذف مضامين وطنية وتغيير مفاهيم تاريخية وثقافية، موجة غضب وجدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، وسط حديث عن ارتباط تلك التعديلات بضغوط أوروبية واحتجاجات مرتبطة ب الاحتلال الإسرائيلي.
وبحسب وثائق وتداولات نشرها نشطاء ووسائل إعلام فلسطينية محلية خلال الأيام الماضية، فإن التعديلات -وفق ما جرى تداوله- لم تقتصر على نصوص محدودة، بل امتدت إلى عشرات الكتب المدرسية من الصف الأول حتى العاشر، وطالت موضوعات حساسة مثل الأسرى و القدس واللاجئين والذاكرة الوطنية، إضافة إلى تغيير مصطلحات راسخة واستبدال مضامين تربوية بأخرى قيل إنها تروّج لروايات بديلة.
في المقابل، أصدرت وزارة التربية والتعليم العالي، أمس السبت، بيانا توضيحيا أكدت فيه أن ما يجري تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي يتعلق في غالبيته بأمثلة وشواهد قام الاحتلال بتغييرها في مناهج مدارس القدس، في إطار ما وصفته بسياسة أسرلة المدينة المقدسة وعاصمة دولة فلسطين.
وأشارت الوزارة إلى أن بعض الجهات الإعلامية الممولة من الخارج سعت -بحسب بيانها- إلى الخلط المتعمد بين تعهدات دولة فلسطين بمواءمة المنظومة التعليمية مع معايير اليونسكو، وما اعتبرته اختلاق أمثلة غير موجودة أساسا في المناهج الفلسطينية، أو استجلاب نماذج من كتب مدارس القدس التي قام الاحتلال بتعديلها.
وأكدت الوزارة التزامها بمعايير اليونسكو لجودة التعليم، موضحة أنها تنفذ منظومة تعليمية متكاملة لتطوير العملية التعليمية، تراكم على جهود سابقة امتدت لسنوات، وتشمل تجربة عشرات المدارس التفاعلية هذا العام، والعمل على عقد امتحان الثانوية العامة "التوجيهي" على عامين وفق نظام جديد قائم على التخصص، إلى جانب تطوير مهنة التعليم ضمن خطة شاملة لتحديث المنظومة التعليمية ومواءمتها مع المعايير الدولية ومتطلبات سوق العمل.
ورغم التوضيحات الرسمية، فقد أثار البيان موجة من التساؤلات والنقاشات بين فلسطينيين على منصات التواصل، خاصة في التعليقات المتفاعلة معه، حول طبيعة معايير اليونسكو المتعلقة بالمناهج التعليمية وحدود تأثيرها المحتمل على المضامين الوطنية والثقافية.
وقد تباينت ردود الفعل بين منتقدين ومطالبين بمزيد من التوضيح الرسمي، إذ عبر مغردون عن مخاوفهم مما وصفوه بـ"فرض مفاهيم جديدة" ضمن معايير اليونسكو، مثل المساواة الجندرية وإزالة الصور النمطية، معتبرين أن ذلك قد يفضي بحسب رأيهم إلى تغيير أدوار الرجل والمرأة وإعادة تشكيل مفهوم الأسرة، وفصل التربية عن منظومة القيم الإسلامية، متسائلين إن كان ذلك يمثل تطويرا تعليميا أم إعادة صياغة للمناهج وفق معايير غربية.
وفي السياق ذاته، رأى آخرون أن الجدل يطرح تساؤلات حادة حول مستقبل الهوية الوطنية داخل الصفوف المدرسية وحدود التدخل السياسي أو الخارجي في صياغة وعي الطلبة ومضامين التعليم.
واعتبر بعض النشطاء أن الحديث عن مواءمة المناهج مع معايير اليونسكو يؤكد من وجهة نظرهم حدوث تغييرات فعلية مرتبطة بسياسات خارجية ودعم مشروط، قد يؤثر في الهوية الدينية والعادات والتقاليد والرواية التاريخية الفلسطينية.
في المقابل، شدد متفاعلون على ضرورة مراعاة خصوصية المجتمع الفلسطيني بوصفه شعبا واقعا تحت الاحتلال ومحافظا على قيمه، مؤكدين أن المناهج يجب أن تعكس واقعه وهويته الوطنية والثقافية، مع الإشارة إلى أن اليونسكو تقرّ بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في تعليم يعكس تاريخها وحقوقها، إلى جانب الالتزام بالقيم الإنسانية العامة.
كما انتقد مدونون ما وصفوه بمحاولات "تلميع" التعديلات، متسائلين عن طبيعة التغييرات في مناهج مدارس القدس وعلاقتها بالمنهاج الفلسطيني الرسمي، فيما طالب آخرون وزارة التربية والتعليم بتقديم شرح واضح ومفصل لمعايير اليونسكو مع أمثلة محددة على ما جرى مواءمته في المناهج، تجنبا لانتشار المعلومات غير الدقيقة.
في حين رأى بعض المتفاعلين أن معايير اليونسكو قد لا تختلف من حيث النتائج عما يطالب به الاتحاد الأوروبي، داعين إلى الشفافية الكاملة ومراجعة شاملة للمناهج من منظور وطني يوازن بين التطوير التعليمي والحفاظ على الهوية.
وعبر آخرون عن مخاوف عميقة مما وصفوه بتغييرات قد تمس الهوية الوطنية الفلسطينية وتؤثر في ذاكرة الطلبة التاريخية، محذرين -بحسب تعبيرهم- من تزييف الرواية الوطنية أو إضعاف حضور اللغة العربية والمضامين الثقافية المحلية داخل المناهج.
المصدر:
الجزيرة