في المناطق الغربية من مدينة خان يونس، لا يقف الناس في طوابير عادية، بل في طابور الانتظار الأطول في حياتهم. هنا، تتقاطع الآمال مع الآلام، وتعلق مصائر آلاف المرضى على بوابة معبر رفح، الذي فتح لليوم الثاني وسط ترقب ثقيل وأسئلة لا تنتهي.
أكثر من 40 ألف مريض في قطاع غزة ينتظرون فرصة للخروج لتلقي العلاج في الخارج، نصفهم يحملون تحويلات طبية رسمية، في حين تتآكل أعمارهم وهم يراقبون قوائم السفر تتبدل دون أن تحمل أسماءهم.
الشاب إبراهيم (29 عاما) أحد هؤلاء الذين باتت حياتهم معلّقة بورقة تحويلة طبية لم تتحرك منذ عام 2024.
تروي زوجته قصته بصوت يختلط فيه القلق بالدموع والإرهاق، "ورم دموي يتمركز على أعصاب الأذن، يمتد من العصب الثامن حتى المخيخ، مركز توازن الجسم". وتواصل سرد حكايته "المرض كان صامتا لمدة 4 سنوات، قبل أن تكشفه قسوة النزوح والحرارة الخانقة داخل الخيمة، ومنذ ذلك اليوم، بدأ إبراهيم يفقد توازنه، ثم سمعه، ثم قدرته على ممارسة أبسط تفاصيل حياته".
وتضيف "هو يحمل تحويلة طبية عاجلة جدا منذ أغسطس/آب 2024، واليوم نحن في 2026 ولم يسافر، الأطباء أكدوا أن علاجه غير متوفر في غزة، وأن العملية دقيقة وخطرة، وقد تؤدي للشلل أو فقدان البصر إن تأخرت". وبينما هي تتحدث، تتذكر طفليها التوأمين اللذين ولدا خلال الحرب، وتقول إن والدهما لا يستطيع حتى تحمل أصوات بكائهما بسبب الطنين المستمر في أذنه.
إبراهيم نفسه يتحدث بصوت هادئ، لكنه مثقل بالخسارة "كنت أركض من رفح إلى غزة، ألعب كرة القدم وأمارس الرياضة، لكني اليوم لا أستطيع المشي لنهاية الشارع". ويشير إلى صورة الأشعة التي أظهرت كتلة يتجاوز حجمها 3 سنتيمترات، ويقول إن النزوح من رفح إلى خيام المواصي كان نقطة التحول التي سحبت جسده إلى العجز.
الزوجة تنهي مداخلتها مع الجزيرة مباشر بالقول: "إيش اللي يمنع أهل غزة إنهم يعيشوا حياة كريمة".
وليس المرض وحده ما ينتظر على المعبر؛ حمد أبو جزر يقف هناك أيضا، لكن قلبه معلق بأبنائه الذين سبقوه إلى مصر قبل اجتياح رفح بأيام قليلة: ابنته تدرس الهندسة في جامعة القاهرة، وابنه سراج يدرس طب الأسنان، ومنذ عامين لم يلتقِ بهما، ولم يرهما إلا عبر مكالمات قصيرة يقطعها ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء.
يقول أبو جزر إن أصعب لحظة مرت عليهم كانت حين علم أبناؤه بهدم منزلهم في غزة، البيت الذي ولدوا فيه وكبرت فيه أحلامهم، "نحن عائلة مشتتة، بعضنا هنا وبعضنا هناك، وكل ما نتمناه أن يعود المعبر كما كان، لنلتقي من جديد".
وعبر الهاتف، يأتي صوت سراج من مصر مطمئنا والده، لكنه لا يخفي قلقه الدائم "أصعب ما نعيشه هو الخوف عليكم أثناء القصف، وانقطاع التواصل لأيام.. هذا القلق يسرق النوم من عيوننا".
بين مرض ينتظر علاجا، وعائلات تنتظر لقاء، يقف معبر رفح شاهدا على قصص لا تقاس بالأرقام. هنا، لا يطلب الناس امتيازات، بل حقا أساسيا: الحق في العلاج، والحق في الحياة، والحق في أن تجتمع العائلة من جديد.
المصدر:
الجزيرة