آخر الأخبار

إضراب مفتوح.. ماذا يجري خلف قضبان سجن رومية بلبنان؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بيروت – منذ سنوات، لم يعد سجن رومية مجرد منشأة عقابية بل تحوّل إلى مرآة تعكس عُمق الأزمة الحقوقية والقضائية في لبنان، فقد ارتبط اسم السجن بأحداث شغب وتمرُّد، وتسريبات مصورة وثّقت انتهاكات وتعذيبا، ما جعله حاضرا باستمرار في تقارير المنظمات الحقوقية وعناوين الإعلام.

واليوم، يعود السجن إلى الواجهة مجددا، مع إعلان سجناء لبنانيين وسوريين، أمس الاثنين، الإضراب الشامل عن الطعام، احتجاجا على ما يصفونه بتأخير مزمن في البت بملفاتهم القضائية، بعد سنوات من التوقيف دون محاكمات أو أحكام نهائية.

من خلف القضبان

وفي تسجيل مُصوَّر من داخل السجن، ظهر فيه الشيخ أحمد الأسير، قال السجناء إن الإضراب جاء بعد "نفاد كل السبل" متهمين السلطات القضائية بالمماطلة، رغم وعود متكررة بإيجاد حلول، خصوصا ملفات السجناء السوريين الموقوفين منذ سنوات طويلة بلا محاكمات.

ودعا المضربون إلى اعتصام مركزي في ساحة رياض الصلح وسط بيروت، ظهر الجمعة المقبل، تحت شعار "لا للعدالة الانتقائية.. نعم للعدالة الانتقالية"، في محاولة لنقل قضيتهم من خلف القضبان إلى الفضاء العام.

ولم يقتصر بيان السجناء على المطالب القانونية، بل تطرّق أيضا إلى أوضاعهم الصحية، مؤكدين تسجيل وفيات داخل السجن نتيجة غياب الرعاية الطبية، وبحسب معطياتهم، تُوفي 44 سجينا خلال العام الماضي، إضافة إلى 6 وفيات منذ مطلع العام الجاري.

ويقع سجن رومية شرق بيروت، وقد صُمّم في الأصل وفق معايير اعتبرت حديثة، كمجمع أبنية منفصلة تضم مرافق إدارية وطبية ومهاجع جماعية، غير أنّ هذا النموذج -بحسب متابعين- لم يواكب التحولات الأمنية والديموغرافية في لبنان ما فاقم الاكتظاظ وسوء الأوضاع المعيشية داخله.

وتبرز إشكالية التأخير في المحاكمات كواحدة من أعقد أزمات سجن رومية، خاصة بملفات الموقوفين الإسلاميين، حيث يمكث بعضهم سنوات طويلة دون أحكام، في مخالفة لمبدأ "المحاكمة العادلة ضمن مهلة معقولة"، كما ورد في المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

إعلان

كما يشير حقوقيون إلى أن تعدد الجهات الرقابية وتداخل الصلاحيات بين وزارتي العدل والداخلية يضعف آليات المحاسبة، ويسهم في استمرار الانتهاكات وسط عجز مزمن عن ضبط ممارسات التعذيب وسوء المعاملة التي وثّقتها منظمات محلية ودولية في أكثر من تقرير.

مصدر الصورة المعتقلون في سجن رومية يتلون مطالبهم عبر تسجيل مصور (حساب Tamer Turkmane على إكس)

معضلة الاكتظاظ

ويُطلَق توصيف "الموقوفين الإسلاميين" على مجموعة من السجناء اللبنانيين، ينتمي معظمهم للطائفة السنية، إضافة لموقوفين سوريين وفلسطينيين. وبرز هذا المصطلح إلى الواجهة منذ مطلع الألفية في سياق ملفات أمنية شائكة، شملت اتهامات بالتورُّط في تفجيرات وأحداث أمنية، والاشتباك مع الجيش اللبناني، فضلا عن القتال في سوريا إلى جانب جماعات مسلحة.

وخلال السنوات الماضية، أصدرت المحكمة العسكرية أحكاما متباينة بحق عدد من هؤلاء، تراوحت بين السجن المؤبد وعقوبة الإعدام، بينما لا يزال آخرون رهن التوقيف منذ سنوات طويلة، دون محاكمات مكتملة أو أحكام نهائية، ما جعل قضيتهم عنوانا دائما للجدل الحقوقي والقضائي في لبنان.

وفي السياق، أوضحت المحامية غيدة فرنجية أن "رومية" وهو السجن المركزي في لبنان، يضم 6 مبانٍ مخصصة للراشدين والأحداث، والموقوفين والمحكومين، بطاقة استيعابية تتراوح بين 1400 و3000 سجين، لكنه يأوي حاليا نحو 4000 سجين، ما يجعله نموذجا صارخا لأزمة الاكتظاظ بالسجون اللبنانية.

وأبرزت فرنجية للجزيرة نت أسباب تفاقم الاكتظاظ في:


* الإفراط في اللجوء للتوقيف الاحتياطي، في ظل غياب بدائل فعّالة، إذ تتجاوز نسبة الموقوفين غير المحكومين 65% من إجمالي السجناء.
* بطء الإجراءات القضائية نتيجة التحديات التي يواجهها القضاء بعد الأزمة.
* صعوبة سوق السجناء إلى قصور العدل.
* غياب إطار تشريعي يتيح عقد جلسات المحاكمة عن بُعد.
* ضعف إدارة ملفات الموقوفين واحترام المُهل القصوى للتوقيف الاحتياطي.

ولفتت كذلك إلى أن غياب نظام وطني شامل للمساعدة القانونية، من شأنه تقصير مدد التوقيف، إضافة إلى تعطيل عمل لجنة تخفيض العقوبات، التي تتيح الإفراج عن المحكومين قبل انقضاء كامل مدة أحكامهم.

مطالب بالعفو

وأشارت المحامية فرنجية إلى أنه عقب سقوط نظام بشار الأسد، تصاعدت مطالب السجناء الإسلاميين السوريين بإقرار عفو عام، علما أن عدد السجناء السوريين بلبنان يقارب 2000 سجين، معظمهم موقوفون دون أحكام، كما يوجد نحو 480 سجينا من لبنانيين وسوريين وفلسطينيين في المبنى "ب" من سجن رومية، المعروف بمبنى الإسلاميين، بينهم نحو 120 محكوما بالسجن المؤبد أو بالإعدام.

وأوضحت أن السجناء الإسلاميين يُصنّفون ضمن فئات متعددة، تشمل عناصر تنظيم فتح الإسلام المتورطين في أحداث مخيم نهر البارد عام 2007، ومجموعة الشيخ أحمد الأسير المرتبطة بأحداث عبرا في صيدا عام 2013، إضافة إلى متهمين بالاعتداء على الجيش اللبناني، وتنفيذ تفجيرات، وتشكيل خلايا مسلحة، والانتماء إلى تنظيمات مصنّفة إرهابية، ك تنظيم الدولة الإسلامية و جبهة النصرة.

وقالت إن عددا من النواب، استجابة لهذه المطالب، تقدموا باقتراح قانون للعفو العام وتخفيض العقوبات، أُحيل إلى اللجان النيابية في مايو/أيار 2025.

إعلان

ورغم أن الاقتراح استهدف التخفيف من الاكتظاظ، فإنه -بحسب فرنجية- تضمن ثغرات جوهرية، أبرزها منحه عفوا عاما بمعزل عن معايير حقوقية أو إصلاحية، وفتح الباب أمام العفو عن جرائم فساد وتبييض أموال، فضلا عن فشله في معالجة الأسباب البنيوية لمعاناة السجناء والانتهاكات المرتبطة بحقوقهم وضمانات المحاكمة العادلة.

وتضيف، في هذا السياق، أن مباحثات تجرى بين لبنان وسوريا لعقد اتفاقية تقضي بتسليم السجناء السوريين إلى بلادهم ضمن الأطر القانونية، لا سيما أن معظمهم لا يزالون قيد التوقيف بانتظار محاكماتهم.

مصدر الصورة صورة من داخل سجن رومية وتظهر مطالب السجناء من دمشق بتحريرهم (الجزيرة)

تباين العدالة

بدوره، يصف المحامي المكلف ملف الموقوفين الإسلاميين محمد صبلوح واقع السجون في لبنان بأنه "مأساوي بكل المقاييس"، مشيرا إلى أن نسبة الاكتظاظ تجاوزت 300% من القدرة الاستيعابية، في وقت تعجز فيه الدولة عن تأمين الحد الأدنى من الطعام أو الاستشفاء.

وحذّر صبلوح، في حديثه للجزيرة نت، من أن هذا الواقع يدفع عددا متزايدا من السجناء إلى الانتحار، بعدما تلاشى أي أمل بحلول قريبة لأزمة السجون، ما يفرض -برأيه- إعادة نظر جذرية في معالجة الاكتظاظ وسياسات التوقيف.

وتابع أن الدولة اللبنانية حين ضغطت دمشق لاستعادة موقوفيها تعنّتت بحجة وجود "إرهابيين" و"قتلة جيش لبناني"، قبل أن توافق لاحقا على تسليم السوريين بعد إبراز وثائق تثبت فبركة ملفاتهم، دون معالجة موازية لملفات اللبنانيين.

ويذكّر أن رئيس الوزراء نواف سلام وعد بمعالجة رسمية لمشكلة الاكتظاظ ضمن اتفاق مع الدولة السورية، لكنّ ما حصل عمليا اقتصر على تسليم الموقوفين والمحكومين السوريين، بينما ترك اللبنانيون دون أي حل، لغياب قوة ضغط تفرض على الدولة ما فرض في الملف السوري.

ورأى المحامي صبلوح أن هذا التمييز فجّر غضب السجناء إذ لم يعد مقبولا -بحسبه- أن يفرج عن سوريين محكومين بالإعدام في ملفات محددة، بينما يبقى لبنانيون في السجون في القضايا نفسها، وهو ما ينسحب على عشرات الملفات الأخرى، منها ملف عبرا وملف أحمد الأسير.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا