آخر الأخبار

لماذا يصدق الناس نظام الطيبات؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أثار "نظام الطيبات"، الذي روّج له الطبيب ضياء العوضي، جدلا واسعا. وقد دفع رحيل العوضي شعبية هذه الحمية عاليا، وجذب إليها أعدادا هائلة من الأنصار المتحمسين. غير أن ما يبدو في الظاهر حمية بسيطة، ينطوي في باطنه على تداعيات صحية جسيمة حذر منها المختصون. فقد شاعت أخبار كثيرة عن ضحايا هذا النظام، لا سيما من المصابين بالأمراض المزمنة، فضلا عن التحفظات الكثيرة حول قائمة الممنوعات والمباحات في هذه الحمية، والتي يبدو أنها تحولت بالنسبة للبعض إلى عقيدة تفرق بين الطيب والخبيث، وليست مجرد فرضية طبية قابلة للتشكيك والدحض.

وهذا الجانب الروحي والعاطفي هو ما جمّع حولها الأنصار والمصدقين، وجعلها محصنة ضد مسطرة النقد العلمي. ومع ذلك فإن نازلة "الطيبات" ليست أولى نوازل الجدل الطبي في استجدائها عواطف الناس، وربما لن تكون الأخيرة، وليست أيضا تعبيرا عن مأزق اجتماعي عربي أو مسلم، بل لها نظائر وأشباه في كل بقاع العالم شمالا وجنوبا. فالبشر أينما كانوا ومهما كانت طبقاتهم ومستوى تفكيرهم وتعليمهم، يظلون عرضة للخداع والسقوط في فخاخ الادعاءات الزائفة طبية كانت أو في غير ذلك من مجالات الحياة.

"عندما يتعلق الأمر بتكوين المعتقدات، كثيرا ما تتغلب المشاعر على الأفكار"

لطالما اعتبر الإنسان قدرته على التفكير العقلاني جوهرة التاج التي تميز جنسه. إلا أن تحت كل هذا البناء الفكري الصارم، يتحكم نظام أقدم بكثير في الكثير مما نؤمن به، وهو دماغنا العاطفي. فعندما يتعلق الأمر بتكوين المعتقدات، وخاصة في مجالات الصحة والهوية والبقاء، غالبا ما تتغلب المشاعر على التفكير. وربما يبدو فهم سبب حدوث ذلك، وكيفية استغلاله بشكل منهجي، هو الخطوة الأولى والأكثر إلحاحا في بناء أي دفاع فعال ضد خيبة الأمل.

قصص مقترحة

list of 3 items
* list 1 of 3 الاستعراض الرقمي ونزيف الكفاءات
* list 2 of 3 الطب البديل.. متى يكون مكمّلا ومتى يصبح خطيرا؟
* list 3 of 3 الذكاء الاصطناعي سرّع تفشّيها.. كيف تميّز بين الحقائق والمعلومات المضللة؟ end of list

دماغنا وهواجس البقاء

لم يكن الدماغ البشري دوما آلة للبحث عن الحقيقة، بقدر ما كان أداة للبقاء. وهاجس البقاء، كان يعني اتخاذ قرارات سريعة بناء على معلومات غير مكتملة والثقة بالجماعة الاجتماعية وتجنب التهديدات المتصورة، والسعي وراء الفرص المتاحة. وهذه الدوافع، المتأصلة بعمق في بنيتنا العصبية، هي تحديدا ما يجعلنا عرضة للتلاعب، لا سيما في مجال الصحة، حيث تتلاقى مشاعر الخوف والأمل بكثافة استثنائية.

إعلان

هذه الفكرة يفصلها بدقة عالم الأعصاب مايكل شيرمر، في كتابه "الدماغ المصدِق" أو "الدماغ المعتقِد" (2011)، والذي يرى أن البشر كائنات "تعتمد على المعتقدات". فنحن نكون معتقداتنا أولا، مدفوعة بالعاطفة والحدس والتأثير الاجتماعي، ثم نبررها منطقيا لاحقا. وهذه العملية، التي يطلق عليها شيرمر اسم "النمطية"، أي الميل إلى إيجاد أنماط ذات معنى في الضوضاء، و"الفاعلية"، وهي الميل إلى إسناد فاعلية مقصودة لتلك الأنماط، ما يعني أن أدمغتنا هي في جوهرها آلات سرد قصص وليست معالِجات منطقية. فنحن لسنا في المقام الأول كائنات عقلانية تشعر بالأشياء أحيانا، بل نحن كائنات عاطفية تفكر أحيانا.

ولهذا النظام المركب في التفكير آثار بالغة على كيفية تقييم الناس للادعاءات الطبية. فعندما يُشخَّص شخص ما بالسرطان، لا يدخل دماغه في حالة هدوء وتحليل، بل في حالة أزمة مدفوعة بالخوف والبحث اليائس عن السيطرة والأمل. وفي تلك الحالة، لا يضطر وعد الشفاء المعجز إلى التنافس مع بيانات التجارب السريرية المقيمة بعناية، بل يتنافس مع الشعور بالعجز، والشعور بالعجز يكاد يكون هو الخاسر دائما، فالغارق يتشبث بقشة.

"أدمغتنا في جوهرها آلات سرد قصص وليست معالِجات منطقية"

في هذا البعد تتراجع ملكات النقد والشك إلى الوراء لتفسح المجال لانحيازات الدماغ العاطفي. وقد حدد علماء النفس عددا من الانحيازات المعرفية التي تتفاعل معا لجعل الأفكار المؤثرة عاطفيا مقنعة بشكل خاص. ومن بين أكثرها صلة بخيبة الأمل الطبية، "التحيز التأكيدي"، أي الميل إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد المعتقدات المسبقة وتفسيرها وتذكرها. فبمجرد أن يقرر الشخص عاطفيا أن علاجا معينا "يبدو مناسبا"، تتشوه عملية جمع وفرز ونقد المعلومات لديه بشكل جذري.

في هذه الحالة، يلاحظ الشخص ويتذكر قصص الأشخاص الذين استفادوا من العلاج، ويتجاهل أو ينسى قصص الأشخاص الذين تضرروا منه أو فشل العلاج معهم. كما يفسر الأدلة الغامضة لصالح العلاج. وهناك كذلك تحيز "الاستدلال العاطفي"، فعندما تمنحنا فكرة ما شعورا جيدا، كالأمل والشفاء، فإننا نرجح صحتها ونقلل من احتمالية احتوائها على مخاطر. وعلى العكس، عندما تثير فكرة ما في نفوسنا شعورا بالتهديد، كما هو الحال أحيانا مع الطب التقليدي بمصطلحاته المعقدة وعدم يقينه، واعترافه بالأمراض التي لا شفاء منها، فإننا نراها أكثر خطورة وأقل جدارة بالثقة.

مصدر الصورة لم يكن الدماغ البشري آلة للبحث عن الحقيقة، بقدر ما كان أداة للبقاء (شترستوك)

كذلك يدفع "الاستدلال المتاح"، الناس إلى الحكم على احتمالية وقوع الأحداث بناء على سهولة استحضار الأمثلة. فشهادة واحدة مؤثرة ونابضة بالحياة من شخص شُفي من السرطان باتباع نظام غذائي خاص (بصرف النظر عن دقتها)، تُعدّ أكثر تأثيرا من الناحية المعرفية من ملخص إحصائي جاف لتجربة عشوائية مضبوطة. فالشهادة شخصية وملموسة وسردية ومتاحة عاطفيا. أما بيانات التجربة فهي مجردة وغير شخصية وخالية من التأثير العاطفي.

كما يلعب "التحيز النسبي"، أي الميل إلى افتراض أن التأثيرات الكبيرة لا بد أن تكون لها أسباب كبيرة، دورا في تشكيل وعينا العاطفي. حيث نجد من المُرضي حدسيا الاعتقاد بأن الأمراض الخطيرة تتطلب تدخلات جذرية وتحويلية، مثل التغيير الجذري في النظام الغذائي، وإعادة التوجيه الروحي. ولذلك تبدو فكرة استجابة سرطان معقد لبروتوكول علاج كيميائي تم تطويره على مدى عقود من البحث التدريجي أقل إرضاء من الناحية السردية من فكرة استجابته لمستخلص نباتي معجزة اكتشفه شخص من خارج المؤسسة الطبية تجرأ على تحديها.

"يقف عامل الهوية بوصفه أحد أهم العوامل المؤثرة في معتقداتنا"

لكن وراء هذه التحيزات، يقف عامل الهوية بوصفه أحد أهم العوامل المؤثرة في معتقداتنا. فالناس لا يقيمون الادعاءات الصحية مثلا بمعزل عن سياقها، بل يقيمونها كأفراد في مجتمعات وحاملين لقيم وروابط لتاريخهم الشخصي. بالنسبة للكثيرين، لا يُعدّ تبنّي ما يعرف بـ"الطب البديل" مثلا فعلا معرفيا في المقام الأول، بل هو فعل يعبر عن الهوية. فهو يشير إلى الانتماء إلى مجتمع يقدر الحياة الطبيعية ويشكك في الطب التجاري ويعلي من شأن الاستقلالية الشخصية ويعزز الوعي الروحي.

إعلان

إن هذا البُعد القبلي للمعتقدات يجعل خيبة الأمل الطبية عصية على التصحيح. فتقديم دليل لشخص ما على أن علاجه المفضل مجرد وهم لا يمثل فقط تحديا واقعيا، بل هو تحد لمجتمعه وقيمه وشعوره بذاته. ووثّق علماء النفس الاجتماعي دور "الدليل الاجتماعي"، أي ميلنا إلى استلهام سلوكيات من المحيطين بنا، في انتشار المعلومات الصحية المضللة. فعندما تؤيد شخصيات مؤثرة في مجتمع موثوق به علاجا ما، يكون الضغط الاجتماعي الضمني للموافقة هائلا. ولهذا السبب، تُعدّ ثقافة الصحة التي يُروّج لها المشاهير ونصائح المؤثرين الصحية والتسويق القائم على الشهادات، فعالة للغاية، فهي لا تستغل مصداقية المروج فحسب، بل تستغل أيضًا الديناميكيات الخاصة للانتماء الجماعي.

مصدر الصورة للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي تأثير قوي في مجتمعنا المعاصر (غيتي)

تاريخ خيبات الأمل الطبية

إن تاريخ خيبات الأمل الطبية قديم، قدم تاريخ الطب نفسه. ولعل أكثر فصوله إثارة هو عصر الأدوية المسجلة ببراءات اختراع في أمريكا وأوروبا خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فقد روّج الباعة المتجولون والإعلانات الصحفية والعروض المسرحية لمستحضرات زعمت علاج كل شيء. وكان التسويق بارعا، من خلال آليات بسيطة تستغل الحدس الشعبي حول الجسد وسيل من شهادات الناجين الممتنين.

لكن ما يثير الدهشة في الاحتيال الطبي ليس مدى تغيره عبر القرون، بل مدى ثباته. فمن الأدوية المسجلة ببراءات اختراع في القرن التاسع عشر إلى المؤثرين في مجال الصحة في القرن الحادي والعشرين، تبقى القواعد البلاغية ثابتة بشكل ملحوظ. وهي تدور أساسا حول أربعة تكتيكات. أولا، سردية الاكتشاف من قِبل شخص غريب، إما من خارج المؤسسة الطبية أو منشق عنها. هذه السردية ترضي الجمهور بشدة، عبر جعله جزءا من نخبة واعية تعرف الحقيقة التي تخفيها المؤسسة، وفي الوقت نفسه تجرد الطب المؤسسي من شرعيته، إذ يُصوَّر إما على أنه غير كفؤ أو أنه يخفي الحقيقة عمدا.

"ما يثير الدهشة في الاحتيال الطبي ليس مدى تغيره عبر القرون، بل مدى ثباته"

والتكتيك الثاني هو مؤامرة القمع. ويرتبط ارتباطا وثيقا بما سبق ادعاؤه بأن جهات نافذة تعمل بنشاط على قمع هذا العلاج المعجزة لأنه يهدد أرباحها. وهذه الرواية لا يمكن دحضها، فأي غياب للتأييد الشعبي يصبح دليلا على المؤامرة بدلا من كونه دليلا ضد العلاج، خاصة في ظل التاريخ المشين للرأسمالية الدوائية. ثالثا، يأتي التفسير الزائف لسبب نجاح العلاج أو الحمية، والذي يستخدم مصطلحات علمية ليكون مقبولا بما يكفي لغير المتخصصين، مع الحفاظ على عدم إمكانية دحضه عمليا. وأخيرا، تكتيك الشهادات، حيث تُعدّ القصص الشخصية عن الشفاء المعجز أقوى سلاح في ترسانة المحتالين الطبيين. فهي قصص مؤثرة وتتضمن مسارا دراميا جذابا، من خلال بطل وأزمة ونقطة تحول ونهاية سعيدة. ويكاد يكون من المستحيل دحضها في الحوار، لأن التشكيك في شهادة ما يشبه التشكيك في معاناة شخص حقيقي.

وفي تاريخ صنعة الخداع الصحي، لم يتعرض أي مجال للاستغلال من قبل المحتالين الطبيين أكثر من السرطان. فمزيج الخوف واليأس، وعدم كفاية العلاجات المتاحة للعديد من أنواع السرطان، والرواية الثقافية التي تصور السرطان كصراع شخصي يجب التغلب عليه بالإرادة والعيش الطبيعي، هي أمور تجعل مرضى السرطان عرضة بشكل خاص للأمل الزائف. وتاريخ علاجات السرطان الاحتيالية طويل ومؤلم.

ففي أوائل القرن العشرين، رُوِّج لماء الراديوم، الذي كان يُباع في أوان خزفية تسرب غاز الرادون المشع إلى مياه الشرب، على أنه مقو صحي وعلاج للسرطان. أما علاج هوكسي العشبي للسرطان، الذي روّج له هاري هوكسي من عشرينيات القرن الماضي وحتى خمسينياته، فقد اجتذب ملايين المرضى رغم الإجراءات المتعددة التي اتخذتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ضده، لأنه قدم ما عجز الطب التقليدي آنذاك عن تقديمه، من خلال قصة بسيطة وطبيعية تبعث على الأمل.

إعلان

وكان الليتريل، المستخلص من نوى المشمش، محور أحد أشد الجدالات الطبية حدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث رُوِّج له كعلاج طبيعي للسرطان، لكن المؤسسة الطبية الأمريكية منعته. ولم تُظهر التجارب السريرية العشوائية أي دليل على فائدته، إلا أن سردية المؤامرة كانت قوية لدرجة أن المعارك القانونية حول حق المرضى في اختيار علاج الليتريل وصلت إلى المحكمة العليا الأمريكية.

مصدر الصورة ماء الراديوم الذي كان يروج له في أوائل القرن العشرين كمقوّ صحي وعلاج للسرطان (المتحف الوطني للعلوم والتاريخ النووي)

وربما يكون مجال الادعاءات الصحية المتعلقة بالنظام الغذائي هو الأكثر إرباكا في الطب برمته، ويعود ذلك جزئيا إلى تعقيد علم التغذية، وجزئيا إلى ارتباط الطعام الوثيق بالهوية والثقافة والعاطفة، وهذا المزيج يخلق بيئة مثالية للاستغلال العلمي الزائف. ولا يكمن القاسم المشترك بين هذه الأنظمة في توصياتها الغذائية المحددة، فهي تتباين بشكل كبير وغالبا ما تتناقض فيما بينها، وتختلف حتى في بنيتها الخطابية.

يدعي كل نظام منها أنه اكتشف الحقيقة الغذائية القاطعة التي أغفلها أو تجاهلها التيار العلمي السائد. ويصور كل نظام منها الأمراض المعاصرة كنتيجة لخلل في النظام الغذائي، وفي المقابل يعد بتحقيق شفاء جذري من خلال تغيير جذري في عادات الغذاء. ويخلق كل نظام منها مجتمعات متحمسة من المؤيدين الذين يتبادلون شهاداتهم عن التحول. ويجذب كل نظام منها نقادا من التيار العلمي السائد الذين يشيرون إلى أن الأدلة على أكثر الادعاءات شمولا ضعيفة أو مشوهة أو معدومة، والذين يُتهمون على الفور بأنهم خاضعون لمصالح صناعة الأغذية.

"يدعي كل نظام أنه اكتشف الحقيقة الغذائية القاطعة التي أغفلها أو تجاهلها التيار العلمي السائد"

لكن التضليل الصحي اتخذ منعرجا متسارعا مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي. فالمنصات من الناحية الهيكلية، بيئات مثالية لنشر المعلومات الصحية المضللة. فهي تكافئ التأثير العاطفي على حساب الدقة، وتضخم المحتوى الذي يثير مشاعر قوية كالخوف والأمل والغضب والإلهام، والأخطر من ذلك أنها تنشئ غرف صدى خوارزمية تعزز المعتقدات السائدة وتمنح الأفراد غير المؤهلين علميا جمهورا بالملايين. لذلك ربما يمثل صعود "مؤثري الصحة" التطور الأكثر كارثية لفن الاحتيال الطبي. فبينما كان بائعو الأدوية في القرن التاسع عشر يعتمدون على الإعلانات المطبوعة والعروض المتنقلة، يعمل مؤثرو الصحة اليوم من خلال علامات تجارية شخصية مصممة بعناية، تقدم التحول الصحي كقصة حياة شخصية حميمة وقريبة من الواقع وملهمة. فلا يدعي المؤثر بيع منتج، بل مشاركة تجربته الشخصية. فتندمج الشهادة والإعلان بسلاسة في سرد شخصي متكامل.

وتُجسّد حالة بيل غيبسون، مدونة الصحة الأسترالية التي بنت علامة تجارية عالمية حول قصتها المزعومة عن شفاء سرطان الدماغ من خلال النظام الغذائي والطب البديل، وهي قصة تبين لاحقا أنها مختلقة بالكامل، قوة هذا النموذج وهشاشته في آن واحد. كانت قصة غيبسون آسرة تحديدا لأنها قدمت كل ما يتطلبه البناء العاطفي للمعتقدات الصحية. فهي شابة شُخصت بمرض عضال وحظيت بشفاء معجز، تعيش أسلوب حياة جميل وملهم، وتحمل رسالة مفادها أن التحول الشخصي من خلال العيش الطبيعي يمكن أن ينتصر على أسوأ ما قد يخبئه لنا القدر.

مشرط كارل ساغان

في عام 1995، نشر العالم الأمريكي كارل ساغان كتابه "العالم المسكون بالشياطين: العلم كشمعة في الظلام"، قدم فيه مجموعة من الأدوات للتفكير النقدي بشكل مبسط، وأطلق عليها اسم "مجموعة أدوات كشف الزيف"، أو تمييز العلم عن العلوم الزائفة، تقوم على عدة مبادئ مترابطة تشكل مجتمعة دفاعا قويا ضد أشكال الخداع العلمي.

مصدر الصورة كارل ساغان (غيتي)

المبدأ الأول هو ضرورة التحقق من المزاعم من قِبل مراقبين مستقلين. فلا ينبغي أن يستند أي ادعاء إلى مصدر واحد أو دراسة واحدة، أو سلطة شخصية واحدة ذات نفوذ. فالعلم يتقدم من خلال التكرار. وعندما يحصل باحثون مختلفون، باستخدام مناهج مختلفة، وفي مختبرات مختلفة على النتائج نفسها باستمرار، يصبح من المبرر الثقة في تلك النتائج. أما عندما لا يمكن الحصول على النتائج إلا من قِبل الباحث الأصلي، أو عندما تفشل محاولات التكرار باستمرار، فهذا مؤشر زيف محتمل.

ويتعارض هذا المبدأ بشكل مباشر مع نظرية المعرفة القائمة على الشهادات في عوالم الاحتيال الطبي. فالشهادة، مهما كانت مقنعة، هي مجرد معلومة واحدة من شخص واحد في ظروف غير مضبوطة، ولا يمكنها إثبات السببية. فالشخص الذي تعافى من السرطان بعد تناول مكمل عشبي قد يكون قد تعافى بفضل هذا المكمل، أو بفضل العلاج التقليدي الذي كان يتلقاه، أو بسبب الشفاء التلقائي، أو لأن التشخيص الأولي كان خاطئا وربما لا يكون شُفي أصلا. وبدون مقارنة مضبوطة لا سبيل لمعرفة الحقيقة.

إعلان

أما المبدأ الثاني فهو المناقشة الموضوعية ومراجعة الأقران. حيث أكد ساغان على أهمية النقاش الحقيقي بين الخبراء المطلعين كآلية لاختبار الادعاءات. فالعلم لا يتقدم بفضل سلطة الشخصيات البارزة، بل من خلال التعاون القائم على التنافس، أي من خلال الجهد المتواصل للنقاد المطلعين لاكتشاف عيوب الأفكار المطروحة. وعملية مراجعة الأقران، على الرغم من عدم كمالها، هي التعبير المؤسسي عن هذا المبدأ، إذ تخضع الادعاءات لتدقيق صارم من قبل أشخاص يمتلكون المعرفة اللازمة لتحديد نقاط ضعفها قبل قبولها في صلب المعرفة العلمية.

"قدم كارل ساغان مجموعة من الأدوات لكشف العلوم الزائفة"

وغالبا ما تفشل الادعاءات الطبية الزائفة في هذا الاختبار، وعادة ما تُعزى أسباب فشلها إلى نظرية المؤامرة لا إلى قصورها. وثالثا، المبدأ الفلسفي للاقتصاد في التفسير، وهو تفضيل التفسير الأبسط الذي يتوافق مع البيانات عندما تتفق تفسيرات متعددة مع الأدلة. وهذا المبدأ، الذي يُنسب غالبًا إلى الفيلسوف ويليام الأوكامي، يعكس التزاما معرفيا أعمق بتجنب تكديس الافتراضات غير الضرورية.

ففي سياق الادعاءات الطبية، يلعب مبدأ الاقتصاد دورا حاسما. فعندما يدعي أحدهم شفاءه من السرطان باتباع نظام غذائي يعتمد على الخضراوات النيئة والتفكير الإيجابي، فإن التفسير الأبسط هو أن السرطان قد تعافى تلقائيا -وهو أمر يحدث بالفعل، وإن كان نادرا- أو أن العلاج التقليدي الذي تلقاه كان مسؤولا عن شفائه. أما التفسير البديل، وهو أن النظام الغذائي هو سبب الشفاء، فيتطلب افتراض آلية لا يوجد لها أساس علمي راسخ.

يدفعنا مبدأ الاقتصاد إلى تفضيل التفسير الأقل اعتمادا على الافتراضات، ما لم تتطلب الأدلة بشكل قاطع التفسير الأكثر تعقيدا. ويساعد هذا المبدأ أيضًا في تقييم الادعاءات المبالغ فيها التي تميز الحميات الغذائية المعجزة والعلاجات الصحية الشاملة. فعندما يُزعم أن نظامًا غذائيًا واحدًا يعالج السرطان، أو يعكس مسار أمراض المناعة الذاتية أو يعيد التوازن الهرموني أو يطيل العمر، فإن مبدأ الاقتصاد في الفوائد يُنتهك بشكل كبير. فالتدخلات الغذائية المشروعة -مهما كانت فوائدها- لا تحدث عادة تأثيرات على جميع أجهزة الجسم في آن واحد. لذا، فإن الادعاءات بتحقيق فائدة شاملة لحالات مرضية متعددة وغير مترابطة تستدعي التشكيك الفوري.

مصدر الصورة الفيلسوف النمساوي كارل بوبر (غيتي)

ولعل المبدأ الأساسي في إطار ساغان للوقاية من العلم الزائف، والأكثر رسوخا في جذوره الفلسفية، هو اشتراط إمكانية دحض الادعاءات العلمية الحقيقية. هذه الفكرة، التي طوّرها الفيلسوف كارل بوبر في أدقّ صورها، تنصّ على أنه لكي يكون الادعاء علميا حقا، يجب أن يحدد الشروط التي يمكن في ظلها إثبات خطئه. أما الادعاء الذي لا يمكن دحضه، أي الذي يتوافق مع كل نتيجة ممكنة، فهو ليس ادعاء علميا على الإطلاق، بل هو تحصيل حاصل.

عادة ما تفشل الادعاءات الطبية الزائفة في هذا الاختبار. فعندما يدعي مؤيدو علاج ما أنه فعال فقط عند اتباع المرضى للبروتوكول بدقة، ولكنه غير فعال عند عدم اتباعهم له، يصبح هذا الادعاء غير قابل للتفنيد، إذ يُعزى أي أثر سلبي إلى عدم التزام المريض بدلا من فشل العلاج. وعندما تُصاغ الادعاءات بمصطلحات مثل "الطاقة" أو "الاهتزاز" أو "قوة الحياة"، وهي مصطلحات لا يمكن قياسها بالأدوات العلمية التقليدية، فإنها تُوضع عمدا خارج نطاق التقييم العلمي.

"لكي يكون الادعاء علميا حقا، يجب أن يحدد الشروط التي يمكن في ظلها إثبات خطئه"

ومن أهم جوانب إطار ساغان الفكري، وأكثرها عرضة لسوء الفهم، إصراره على أن الشك يجب أن يكون متناسبا، لا مطلقا. فهو لا يعتقد أن الادعاءات الاستثنائية خاطئة دائما، أو أن الأفكار غير التقليدية يجب رفضها رفضا قاطعا. بل يرى بأن درجة الأدلة الداعمة المطلوبة لقبول ادعاء ما يجب أن تتناسب مع مدى ابتعاده عن المعرفة العلمية الراسخة. وهذا المبدأ، الذي يُعبَّر عنه أحيانا بعبارة "الادعاءات الاستثنائية تتطلب أدلة استثنائية"، هو أداة للتناسب وليست للإنكار.

فالادعاء بأن عشبة تم اكتشافها حديثًا لها خصائص مضادة للالتهابات يتطلب أدلة متواضعة، لأنه يتوافق مع الخصائص الدوائية المعروفة للمركبات النباتية ولا يتعارض مع أي مبدأ علمي راسخ. أما الادعاء بأن نظاما غذائيًا يعتمد على الأطعمة النيئة يمكنه علاج السرطان بشكل موثوق، فيتطلب أدلة استثنائية، لأنه يتعارض مع أطنان هائلة من المعرفة الراسخة في علم الأورام، ولأن قبوله سيستلزم مراجعات جذرية لفهمنا لبيولوجيا السرطان ووظيفة المناعة والتمثيل الغذائي.

وهنا يؤدي عدم معايرة الشك بشكل مناسب إلى خطأين متميزين. فالتصديق المفرط من جهة، أي قبول الادعاءات بسهولة بالغة، هو الخطأ الذي يدفع الناس إلى التخلي عن العلاجات التقليدية الفعالة لصالح بدائل زائفة، وقد يكلفهم ذلك حياتهم أحيانا. أما الشك المفرط في الجهة المقابلة، أي رفض الأفكار بسهولة بالغة، هو الخطأ الذي كان سيحول دون قبول الكثير من الاكتشافات الطبية أو أي من الأفكار الأخرى التي غيرت المفاهيم السائدة والتي واجهت في البداية مقاومة مؤسسية.

"كان ساغان يدرك تماما أن الشك ليس مجرد أداة معرفية، بل هو ممارسة تتطلب التعامل مع وطأة المشاعر الإنسانية"

كلا الخطأين حقيقيان. أما الشك المعاير فهو محاولة للتوفيق بينهما بشكل منهجي. كان ساغان يدرك تمامًا أن الشك ليس مجرد أداة معرفية، بل هو ممارسة تتطلب التعامل مع وطأة المشاعر الإنسانية. من المفهوم أن الإصرار على طلب الأدلة قد يبدو باردا ومتجاهلا أمام المعاناة الحقيقية للبشر، وأن إخبار مريض سرطان يائس بأن العلاج الذي علّق عليه آماله يفتقر إلى الدعم العلمي ليس بالأمر الهين، لكن الثقافة التي تخلط بين الصدى العاطفي والحقيقة لا تصبح أكثر تعاطفًا، بل أكثر عرضة للاستغلال. والمستفيدون الحقيقيون من ثقافة التصديق العلمي الساذج ليسوا المرضى الذين يعانون، بل هم المحتالون والدجالون، والذين يجنون الأرباح من بيع الأمل الزائف.

ومع أن مشرط ساغان النقدي يبدو حادا ومقنعا، إلا أن الشك الفردي لا يبدو كافيا. فحجم المعلومات الصحية المضللة المعاصرة وتعقيدها، والتي تُضخّمها خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي، وتدر أرباحا طائلة من صناعة الصحة والعافية التي تُقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات، وتُغذّى سياسيا بمشاعر مناهضة للمؤسسات، لا يمكن معالجتها بالكامل من خلال التفكير النقدي الفردي. بل تتطلب استجابات مؤسسية أيضا.

وربما يُعدّ تعليم العلوم أهم هذه الأمور. فالمجتمع الذي يفهم المبادئ الأساسية لتقييم الأدلة، ويدرك الفرق بين الارتباط والسببية، ويعرف سبب تطوير التجارب العشوائية المضبوطة وما تحققه، ويفهم آلية عمل الإجماع العلمي، يكون أكثر مقاومة للمعلومات العلمية المضللة من المجتمع الذي لا يفهمها. وليس ذلك بالضرورة بزيادة المحتوى العلمي في التعليم، مع أن ذلك قد يكون جزءا منه، بل بنوع مختلف من تعليم العلوم، يعلم كيفية بناء المعرفة العلمية.

كما أن أي نقاش جاد حول فخاخ العلم الزائف، لا بد أن يتناول التوتر القائم بين استقلالية الفرد وحمايته من الأذى. فحق الأفراد في اتخاذ قراراتهم الصحية بأنفسهم، بما في ذلك القرارات التي يعتبرها الآخرون حمقاء أو خطيرة أصبح راسخا في الممارسة، لكن هذا الحق يستخدم اليوم لإيقاع هؤلاء في حبائل الأمل الزائف. لذلك فإن هذا التوتر حقيقي ولا يمكن تبديده بمجرد الاستناد إلى السلطة العلمية.

السبب الواضح لذلك هو أن العلم لم يقض تماما على ذلك الشعور بالعجز التام أمام ما يصيبنا، حيث لا تزال العديد من الأمراض غير مفهومة جيدًا، وتفتقر العديد من الحالات إلى علاجات فعالة. وغالبًا ما ينظر المرضى إلى المؤسسات الطبية العاجزة أمام أمراضهم أو تلك التي تعالجهم بأثمان باهظة، على أنها باردة وبيروقراطية وغير مهتمة بالمريض. فالاحتياجات العاطفية التي يستغلها المحتالون في المجال الصحي هي احتياجات حقيقية ولا يلبيها الطب السائد دائمًا على النحو الأمثل. المشكلة الأكبر أن بعض هذه الثغرات هي جزء من طبيعة العلم نفسه، كممارسة بطيئة وتراكمية وبيروقراطية، وهي أمور يصعب أن تدركها عاطفة غريق يتشبث بالأمل الأخير.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار