آخر الأخبار

كيف يتتبع المتطوعون في كينيا المسار الخفي لمرض شلل الأطفال؟

شارك

في حرارة يونيو/حزيران بشمال كينيا، تنطلق دراجة نارية مثيرة غبارا شاحبا على طريق ترابي في مقاطعة سامبورو، يقودها إيروي ليماركات مسرعا بعد بلاغ عن طفل آخر فقد فجأة القدرة على استعمال أحد طرفيه أو كليهما. قد يكون السبب شلل الأطفال، وقد يكون مرضا آخر، لكنه في الحالتين لا يملك ترف الانتظار.

إذ يقود كل بلاغ ليماركات إلى قرى نائية تبعد ساعات عن أقرب مرفق صحي. وبالرغم من أنه جرى القضاء على فيروس شلل الأطفال على مستوى القارة الأفريقية، كما لم تسجل كينيا أي إصابة منذ عام 2013، إلا أن سلالة من المرض مشتقة من اللقاح لا تزال قادرة على الانتشار حيث يكون عدد الأطفال المحصنين قليلا جدا، إذ يتيح ذلك للفيروس المضعَّف المستخدم في اللقاح الفموي أن ينتشر ويتحور، وهو خطر يقتصر على المجتمعات ناقصة التحصين، لا سيما في المناطق النائية والبدوية من البلاد.

ولوقف انتشار الفيروس، تعتمد كينيا على نظامي مراقبة متكاملين. ففي نيروبي، يفحص المسؤولون الصحيون مياه الصرف بحثا عن آثار الفيروس، وغالبا ما يرصدونه قبل ظهور الأعراض على أي شخص. وفي هذا الصدد، قال الدكتور غالم غليلو، المنسق الوطني لمراقبة شلل الأطفال في وزارة الصحة، للجزيرة إن "المعلومات التي يجمعها متطوعو الصحة المجتمعية في المقاطعات عالية الخطورة، مثل توركانا وسامبورو، تتيح للوزارة الاستجابة سريعا بتدخلات موجهة".

غير أن مراقبة مياه الصرف محدودة، إذ لا تعمل إلا حيث توجد شبكات صرف صحي. ففي شمال كينيا القليل السكان، حيث لا توجد مواقع لأخذ عينات من مياه الصرف، يتوقف البحث على متطوعي الصحة المجتمعية. وبدلا من انتظار وصول الأطفال المرضى إلى المرافق الصحية، يحقق المتطوعون في بلاغات الشلل الرخو الحاد، ويجمعون عينات براز لتحديد ما إذا كان الفيروس ينتشر في مجتمعات نادرا ما تصلها الخدمات الصحية الرسمية.

مصدر الصورة لم تسجل كينيا أي إصابة منذ عام 2013. (غيتي إيميجز)

سباق مع الزمن لكسب الثقة

يبدأ كل تحقيق بالنسبة إلى ليماركات بإشاعة، إذ ينتشر خبر توقف طفل فجأة عن المشي أو فقدانه القدرة على تحريك ذراع أو ساق بسرعة عبر القرى والمستوطنات البدوية، منتقلا من الجيران إلى الشيوخ والقادة المحليين قبل أن يصل إلى العاملين الصحيين. ويتابع ليماركات كل بلاغ، فيقود دراجته ساعات للوصول إلى عائلات منعزلة، وقبل أن يقترب من الأهل يلتمس دعم شيوخ القرى أو الزعماء الإداريين أو القادة الدينيين لطمأنة المجتمعات وكسب ثقتها.

إعلان

فالوقت عامل حاسم، إذ يتعين على العاملين الصحيين جمع عينتي براز خلال 14 يوما من بدء الشلل لرفع فرص اكتشاف الفيروس. وقال ليماركات للجزيرة: "إنه سباق مع الزمن. فإذا وصلنا متأخرين، فقد نفقد فرصة تأكيد ما إذا كان شلل الأطفال هو المسؤول". كما أن أي حالة تفوت قد تسمح باستمرار انتقال العدوى دون أن يُلحظ، خصوصا في المجتمعات التي نادرا ما يصل أطفالها إلى المرافق الصحية.

كما أن المراقبة تزداد صعوبة على طول حدود كينيا مع الصومال، التي تعبرها بانتظام عائلات رعوية بحثا عن الماء والمرعى. وقال الدكتور إيمانويل أوكونغا، مدير مراقبة الأمراض في وزارة الصحة الكينية، للجزيرة إن "المجتمعات الرعوية البدوية تتنقل باستمرار جيئة وذهابا عبر هذه الحدود الدولية غير المرئية، وهي غافلة تماما عن الخدمات الصحية الإقليمية".

ولا يقل كسب ثقة تلك المجتمعات أهمية عن الوصول إليها، فقد يرتاب الأهل من الغرباء أو من الإجراءات الطبية غير المألوفة، ما يصعب إقناعهم بالسماح بأخذ عينات براز من أطفالهم. فقد أمضى ليماركات أكثر من خمس سنوات في بناء علاقات مع العائلات في المنطقة، ويدرك مدى سهولة فقدان تلك الثقة، وقال: "إذا لم يتعامل المتطوع مع هذه المحادثات باحترام وعناية تامَّين، فقد تحزم عائلة خيمتها وتختفي في الأدغال قبل جمع العينة، وهو ما قد يترك تفشيا محتملا غير مرصود ولا محتوى".

ويتوقف احتواء الفيروس أيضا على التعاون خارج حدود كينيا. وقال الدكتور بيوس موتوكو، من مركز عمليات طوارئ الصحة العامة بوزارة الصحة، للجزيرة إن "الفرق على جانبي الحدود الدولية يجب أن تتحرك بتناغم تام لضمان عدم إفلات أي طفل مهاجر من الرصد".

ويساعد كل بلاغ يحقق فيه ليماركات المسؤولين الصحيين على تحديد ما إذا كان الفيروس لا يزال ينتشر والاستجابة قبل أن يتوسع أكثر. وبرغم كل الفحوص المخبرية ومراقبة مياه الصرف والتنسيق العابر للحدود، لا يزال الدفع الأخير في كينيا ضد شلل الأطفال يعتمد على أشخاص مستعدين لتتبع الإشاعات عبر مسافات شاسعة، غالبا إلى أماكن تنتهي عندها الطرق وتنقطع إشارات الهاتف. وقال ليماركات: "إنه عمل كثير، لكنه يستحق الجهد. علينا إنقاذ كل طفل. الأطفال هم مستقبلنا".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار