آخر الأخبار

حين يصبح البحر مكلفا.. كيف يحاصر الوقود رزق الصياد الليبي؟

شارك

طرابلس- قبل أن يصل السمك إلى السوق، تبدأ كلفته من البحر، وقود للقارب، وصيانة للمحرك والشباك، وأجور للعمال، وثلج لحفظ الصيد، ومصاريف أخرى تتزايد مع كل رحلة. ومع صعوبة توفير الوقود وتراجع عدد الرحلات، يجد الصياد الليبي نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدا، كيف يخرج إلى البحر إذا أصبحت الرحلة أقل جدوى، وكم يبقى له من قيمة ما يصطاده؟

في سوق الأسماك بطرابلس، تظهر آثار ذلك في تراجع المعروض وضعف حركة البيع، ويقول تاجر الأسماك الشيخ الطرابلسي، في تصريح للجزيرة نت، إن بعض الصيادين يدفعون نحو 7 أو 8 دنانير للتر الواحد من الوقود (نحو 1.10 إلى 1.26 دولار)، فيما قد تصل تكلفة رحلة الصيد إلى 200 أو 300 دينار (نحو 32 إلى 47 دولارا)، قبل احتساب أجور العمال وبقية المصاريف.

ويضيف أن هذه التكاليف جعلت الصيد أقل جدوى بالنسبة إلى عدد من الصيادين، خصوصا مع صعوبة الحصول على الوقود، مشيرا إلى أن القوارب الكبيرة التي تعتمد على الديزل وتذهب إلى مناطق أبعد كانت توفر كميات أكبر وأنواعا أكثر تنوعا من الأسماك.

وبحسب الطرابلسي، يضم سوق السمك في طرابلس نحو 38 فرشة للبيع، لكن عدد عمليات البيع قد ينخفض في بعض الفترات إلى أقل من 10، بعدما كانت حركة السوق أكثر نشاطا.

ويقدر تراجع الكميات المعروضة بنحو 85% مقارنة بالمستويات السابقة، ويقول إن التاجر الذي كان يبيع نحو 200 إلى 250 كيلوغراما يوميا لا يتجاوز ما يعرضه حاليا 30 إلى 40 كيلوغراما، بحسب نوع السمك وما يصل من الصيادين.

مصدر الصورة كلفة رحلة الصيد في طرابلس قد تصل إلى 300 دينار قبل احتساب أجور العمال وبقية المصاريف (الجزيرة)

سمك أقل وسعر أعلى

وينعكس نقص المعروض على المستهلك بسرعة، ويقول الطرابلسي إن سعر السردين ارتفع من نحو 3 إلى 3.5 دنانير للكيلوغرام (نحو 0.47 إلى 0.55 دولار)، إلى ما بين 25 و30 دينارا (نحو 3.94 إلى 4.73 دولارات) معتبرا أن الزيادة غير مسبوقة.

إعلان

وفي مصراتة، يقول تاجرا الأسماك محمود خضرية وسامي حريب إن ارتفاع الأسعار يرتبط بنقص مراكب الصيد وأزمة الوقود، مضيفَين أن عددا من العمال القادمين من مصر وتونس لم يلتحقوا بأعمالهم بعد انتشار أزمة نقص الوقود، مما أثر في نشاط الصيد.

ويذكر التاجران أن سعر سمك الفروج وصل خلال الأزمة إلى نحو 100 دينار (نحو 15.77 دولارا)، بزيادة تقارب 30% على مستوياته السابقة، في حين توقف سوق الأسماك في منطقة قصر أحمد بمصراتة منذ 3 أيام، وفق إفادتهما، بسبب أعمال صيانة وانخفاض كميات الأسماك.

وتكشف هذه التطورات مفارقة في السوق، فارتفاع سعر السمك لا يعني بالضرورة تحسن دخل الصياد إذا كانت كلفة الرحلة نفسها ترتفع والكميات المصطادة تتناقص.

الوقود عقدة الرحلة

وتقر وزارة الثروة البحرية بأن الوقود يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع. وقالت الوزارة، في توضيح خاص للجزيرة نت، إن عدد وحدات الصيد البحري العاملة يبلغ نحو 1720 وحدة، وإن عددا من وحدات الصيد متوقف كليا، مشيرة إلى أن نقص الوقود من أبرز أسباب التوقف.

مصدر الصورة المعروض من الأسماك في سوق طرابلس أقل بنحو 85% من مستوياته السابقة، وفق تقديرات تاجر في السوق (الجزيرة)

كما قالت إنها لاحظت خلال الفترة الأخيرة تراجعا كبيرا في عدد رحلات الصيد انعكس على النشاط والإنتاج، لكنها تتحفظ عن تحديد نسبة للتراجع لعدم اكتمال البيانات.

ولا تتوفر لدى الوزارة إحصائية مركزية دقيقة عن كميات الوقود التي يحصل عليها الصيادون فعليا، لأن التزويد يتم بشكل فردي ومن مصادر متعددة.

وتقول الوزارة إنها تواصلت مع الجهات المختصة للنظر في آلية تتيح لها الإشراف على توزيع الوقود لوحدات الصيد المسجلة لديها، كما عقدت في 30 أغسطس/آب اجتماعا مع جهات مختصة ونقابة الصيادين لمناقشة الأزمة.

لكن شركة البريقة لتسويق النفط توضح أن جرافات الصيد تحصل على الديزل وفق احتياجات الرحلة، وبكميات تتراوح عادة بين 30 و40 ألف لتر للجرافة في الرحلة الواحدة، بعد استكمال الإجراءات والموافقات المطلوبة.

وتؤكد الشركة أن التزويد الرسمي يتم بالسعر العالمي وفقا للنشرة المرجعية المعتمدة، وليس بالسعر المحلي المدعوم البالغ 0.15 دينار للتر (نحو 0.024 دولار)، موضحة أن المطالبة بالسعر المدعوم تقف وراء جانب من شكاوى الصيادين بشأن كلفة الوقود.

المشكلة تبدأ قبل البحر

ولا تبدأ أزمة الصيد عند الوقود وحده، فقد رصدت وزارة الاقتصاد في جولة بسوق الأسماك في طرابلس في 24 أبريل/نيسان 2026 أن توفير المحروقات وضعف البنية التحتية لمرافئ الصيد من أبرز مشكلات القطاع.

وفي مدينة الخمس، تحدث صيادون في تقرير نشرته المنصة الليبية في أغسطس/آب عن تراكم الردم داخل المرفأ والتلوث وصعوبة دخول القوارب وخروجها، إلى جانب ارتفاع تكاليف الصيانة والشباك ومستلزمات الصيد.

مصدر الصورة التبريد والتخزين حلقة إضافية في سلسلة التكاليف التي يتحملها قطاع الصيد بعد انتهاء الرحلة البحرية (الجزيرة)

كما تمثل العمالة تحديا إضافيا، إذ قال نقيب الصيادين المكلف محمد شعبان إن بطء إجراءات جلب العمالة الأجنبية ونقص العمال المهرة انعكسا على الإنتاج وأسعار الأسماك.

إعلان

وبعد انتهاء الرحلة، تبرز تكلفة أخرى تتعلق بالتبريد والتخزين. وفي مايو/أيار، وجّه وزير الثروة البحرية بتركيب مصنع ثلج إضافي في مرفأ باب البحر بطرابلس لدعم الصيادين وحفظ الأسماك.

سوق تحاول الدولة ضبطه

وتتداخل أزمة التكاليف مع سياسة تنظيم السوق. ففي يونيو/حزيران فرضت وزارة الاقتصاد حظرا لمدة 3 أشهر على تصدير وإعادة تصدير الأسماك والمنتجات البحرية، وقالت إن القرار أسهم في زيادة المعروض محليا وانخفاض الأسعار.

لكن صيادين تحدثوا، في وقت سابق، عن ارتفاع تكاليف أدوات الصيد والمستلزمات، وربطوا جانبا من ذلك بتراجع قيمة الدينار أمام الدولار.

وفي المقابل، تبرز قضية إدارة الموارد نفسها. ففي 30 يونيو/حزيران 2026، أمرت النيابة العامة بحبس وكيل وزارة الثروة البحرية ومدير الشؤون الإدارية ومندوب ليبيا لدى لجنة التونة الدولية "إيكات" واثنين من أعضاء لجنة توزيع حصص التونة، على خلفية تحقيقات بشأن إدارة مواسم الصيد بين 2018 و2025.

وقالت النيابة إن التحقيق كشف اضطرابا في توزيع حصص التونة وميل الإطار إلى تمكين شركة واحدة من الاستئثار بالمحصول على حساب المصلحة العامة ومصالح صيادين مستوفين للشروط.

مصدر الصورة أزمة الصيد الليبي حصيلة تداخل كلفة التشغيل والوقود والمرافئ والعمالة والتبريد وإدارة الموارد البحرية (الجزيرة)

وتقدم ليبيا، في الوقت نفسه، خطة لصيد التونة زرقاء الزعنفة لعام 2026 بحصة تقارب 2968 طنا موزعة على 15 سفينة، وفق الخطة المقدمة إلى اللجنة الدولية لصون أسماك التونة في المحيط الأطلسي.

من يدفع كلفة البحر؟

تظهر الصورة من الميناء إلى السوق أن أزمة الصيد الليبي ليست أزمة وقود منفردة. فارتفاع كلفة التشغيل، وضعف المرافئ، ونقص العمالة، ومشكلات التبريد والتخزين، إلى جانب سياسات السوق وإدارة الموارد، تتداخل لتحدد في النهاية كمية السمك التي تصل إلى المستهلك وسعرها.

وتبقى المفارقة أن انخفاض أسعار السمك في بعض الفترات لا يعني بالضرورة تحسن أحوال الصيادين، كما أن ارتفاع السعر لا يضمن زيادة أرباحهم إذا كانت كلفة الرحلة تتآكل معها.

وهكذا، لا يصبح السؤال فقط لماذا ارتفع سعر السمك، وإنما كم يدفع الصياد للوصول إلى البحر، وكم يبقى له من قيمة صيده بعد الوقود والعمالة والصيانة والمعدات؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار