آخر الأخبار

من الآباء إلى وادي السيليكون.. كيف صنعت المؤسسات ثروة الولايات المتحدة؟

شارك

قبل أيام من احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال، تعود الأسئلة حول سر تفوقها الاقتصادي إلى الواجهة. فبعد قرنين ونصف من النمو، أصبحت الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم وأكثره قدرة على الابتكار وجذب الاستثمارات.

لكن تقريرا لصحيفة وول ستريت جورنال يرى أن هذا النجاح لم يكن نتاج وفرة الموارد الطبيعية أو اتساع السوق الداخلية فحسب، بل جاء نتيجة منظومة مؤسسات دستورية أرساها الآباء المؤسسون، قامت على الفصل بين السلطات، وحماية الملكية الخاصة، واستقلال القضاء، وتقييد السلطة التنفيذية. ويحذر التقرير من أن تآكل هذه المبادئ قد يهدد أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية الأمريكية في المستقبل.

ويرى التقرير أن المؤسسات الديمقراطية لم تكن مجرد إطار سياسي، بل شكلت أساسا لنمو ريادة الأعمال والاستثمار والابتكار، عبر توفير بيئة تمنح الأفراد والشركات قدرا كبيرا من اليقين القانوني والثقة في استقرار القواعد الاقتصادية، وهو ما جعل الولايات المتحدة، على مدى عقود طويلة، وجهة مفضلة لرؤوس الأموال ورواد الأعمال.

المؤسسات قبل الاقتصاد

ويعيد التقرير جذور هذا النمو إلى الأفكار التي تأسست عليها الدولة الأمريكية. فبعد الاستقلال، لم يحدد إعلان الاستقلال شكلا للاقتصاد، بل جاءت القواعد الاقتصادية لاحقا عبر الدستور، الذي أرسى منظومة متوازنة لتوزيع السلطات بين الرئاسة والكونغرس والمحاكم، إلى جانب توزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، بما وفر ضمانات واسعة لحماية الحقوق الفردية والعقود والملكية الخاصة.

مصدر الصورة الفصل بين السلطات وفر بيئة مؤسسية داعمة للنمو والابتكار طويل الأجل (رويترز)

وتشير وول ستريت جورنال إلى أن هذه الضمانات عززت ثقة المستثمرين في استقرار النظام الاقتصادي عبر الأجيال، وهو ما يصفه بعض الاقتصاديين بأنه "آلية التزام" تمنع الحكومات من التراجع عن تعهداتها أو تغيير قواعد اللعبة بصورة مفاجئة.

إعلان

كما أسهمت ممارسات مبكرة لقادة الدولة في ترسيخ هذه الثقة، مثل تخلي جورج واشنطن طوعا عن السلطة بعد ولايتين، وإرساء ألكسندر هاملتون أسس الجدارة الائتمانية للحكومة الفيدرالية، إلى جانب الأحكام القضائية التي كرست قدسية العقود واستقلال القضاء.

ورغم أن هذه المؤسسات لم تكن شاملة لجميع الأمريكيين في بداياتها، في ظل استمرار العبودية وحرمان النساء والسود من كثير من الحقوق، فإنها وفرت، بحسب التقرير، بيئة ساعدت على ازدهار النشاط الاقتصادي، مستفيدة من الهجرة الواسعة، واتساع الأراضي، وروح المبادرة التي ميزت المجتمع الأمريكي خلال القرن التاسع عشر.

وبحلول نهاية ذلك القرن، تجاوز الاقتصاد الأمريكي نظيره البريطاني ليصبح الأكبر عالميا، مدفوعا بالتصنيع والابتكار وتوسع الأسواق، في تحول عزز مكانة الولايات المتحدة الاقتصادية لعقود لاحقة.

هل تبقى الأفضلية الأمريكية؟

ويؤكد التقرير أن نجاح المؤسسات الأمريكية انعكس بصورة مباشرة على قدرة الاقتصاد على الابتكار. فمن الثورة الصناعية إلى الإنترنت والذكاء الاصطناعي، حافظت الولايات المتحدة على موقعها مركزا رئيسيا للتكنولوجيا وريادة الأعمال، مستفيدة من أسواق رأس المال العميقة، والجامعات الرائدة، وحماية حقوق الملكية الفكرية، إضافة إلى بيئة قانونية تشجع الاستثمار طويل الأجل.

وتبرز هذه المكانة في استحواذ الشركات الأمريكية على الحصة الأكبر من القيمة السوقية العالمية، وفي استمرار هيمنة الدولار بوصفه عملة الاحتياط الرئيسية، إلى جانب تمتع سندات الخزانة الأمريكية بمكانة الملاذ الآمن في الأسواق المالية العالمية.

مصدر الصورة الثقة بالمؤسسات تبقى أحد أهم الأصول التي تحافظ على جاذبية الاقتصاد الأمريكي (الفرنسية)

لكن وول ستريت جورنال ترى أن هذه الأفضلية لم تعد أمرا مسلما به، في ظل تصاعد الانقسام السياسي، واتساع العجز المالي، وتزايد استخدام السياسات الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية قصيرة الأجل، وهي تطورات قد تضعف ثقة المستثمرين إذا مست استقلال المؤسسات أو قابلية التنبؤ بالسياسات العامة.

ويلفت التقرير إلى أن الولايات المتحدة واجهت عبر تاريخها أزمات كبرى، من الحرب الأهلية إلى الكساد الكبير والأزمة المالية العالمية، إلا أن قوة مؤسساتها ساعدتها في كل مرة على استعادة النمو واحتواء التداعيات الاقتصادية، وهو ما عزز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين على حد سواء.

ويشير أيضا إلى أن المنافسة العالمية أصبحت أكثر تعقيدا مع صعود الصين وتسارع التحولات التكنولوجية، ما يجعل الحفاظ على التفوق الاقتصادي الأمريكي مرهونا باستمرار البيئة المؤسسية التي دعمت الابتكار لعقود، وليس فقط بحجم الاقتصاد أو الإنفاق الحكومي.

ويخلص التقرير إلى أن الاقتصاد الأمريكي لم يصبح الأكبر في العالم بفضل الثروة الطبيعية أو القوة العسكرية وحدهما، بل نتيجة منظومة مؤسسات وفرت الاستقرار القانوني، وحمت الملكية الخاصة، وشجعت الاستثمار والمنافسة والابتكار.

وبينما تستعد الولايات المتحدة لدخول ربع الألفية الثاني من تاريخها، فإن التحدي الأكبر لا يتمثل في بناء مؤسسات جديدة، بل في الحفاظ على قوة المؤسسات القائمة وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية، باعتبارها أحد أهم الأصول التي صنعت المكانة الاقتصادية للبلاد على مدى 250 عاما.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار