آخر الأخبار

هل أصبح تهريب الوقود أكبر استنزاف للاقتصاد الليبي؟

شارك

رغم أن ليبيا تمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً، فإنها لا تزال تنفق مليارات الدولارات سنوياً على استيراد الوقود لتغطية احتياجات السوق المحلية، في مفارقة اقتصادية تثير تساؤلات مستمرة حول كفاءة منظومة الدعم والتوزيع.

لكن الجدل لم يعد يقتصر على ارتفاع فاتورة الاستيراد أو محدودية الطاقة التكريرية المحلية، بل بات يتركز بصورة متزايدة على ملف تهريب الوقود، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة من قضية أمنية إلى أحد أبرز ملفات الهدر المالي واستنزاف الموارد العامة.

اقرأ أيضا

list of 4 items
* list 1 of 4 وزارة الاقتصاد الليبية تحظر مؤقتا تصدير الأسماك
* list 2 of 4 ليبيا تمنع أسماكها عن العالم خلال الصيف
* list 3 of 4 ممثل اليونسكو بالمنطقة المغاربية: أولويتنا صون التراث عن التوظيف السياسي
* list 4 of 4 فائض إنتاج وحظر تصدير.. أزمة تمور ليبيا تتصاعد مع اقتراب الموسم الجديد end of list

وأعاد تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية في يونيو/حزيران 2025 فتح هذا الملف، بعدما سلط الضوء على الفجوة بين حجم الوقود الذي تستورده الدولة، والكميات التي يُفترض أن تستهلكها السوق المحلية، في ظل استمرار الاشتباه بتسرب جزء من هذه الكميات إلى شبكات تهريب محلية وعابرة للحدود.

لماذا يعد الوقود الليبي هدفاً للتهريب؟

تُعد ليبيا من أقل دول العالم سعراً في بيع الوقود للمستهلك المحلي نتيجة منظومة الدعم الحكومي التي تتحمل الدولة بموجبها الجزء الأكبر من التكلفة.

ويخلق هذا الفارق السعري الكبير بين ليبيا والدول المجاورة حافزاً مالياً ضخماً للتهريب، إذ يمكن شراء الوقود بأسعار مدعومة داخل ليبيا وإعادة بيعه في الأسواق الخارجية بأضعاف قيمته.

وخلال العقد الأخير تحولت عمليات التهريب من أنشطة محدودة إلى شبكات منظمة تستفيد من الحدود البرية الممتدة والسواحل الطويلة على البحر المتوسط، فضلاً عن الفوارق السعرية الكبيرة بين ليبيا ودول الجوار.

مصدر الصورة يباع الوقود في ليبيا بسعر يقل كثيرا عن دول الجوار (رويترز)

ماذا تقول الأرقام؟

تنتج ليبيا حالياً أكثر من 1.3 مليون برميل يومياً من النفط الخام، إلا أن محدودية قدرات التكرير المحلية تجعلها تعتمد على استيراد كميات كبيرة من البنزين والوقود المكرر لتلبية احتياجات السوق.

وتكشف مراجعة حديثة أصدرها ديوان المحاسبة حول منظومة دعم المحروقات عن اختلالات هيكلية واسعة في إدارة الملف، شملت غياب التنسيق بين وزارة المالية والمؤسسة الوطنية للنفط وشركة البريقة في إعداد تقديرات الاحتياجات الفعلية للسوق المحلية، ما أدى إلى تقديرات غير دقيقة للكميات المطلوبة، وعدم مطابقة بعض الكميات الموردة للاحتياجات الحقيقية.

إعلان

ورصد التقرير اعتماد الدولة بصورة شبه كاملة على نظام مبادلة النفط الخام بالمشتقات النفطية خارج الموازنة العامة خلال السنوات الأخيرة، في وقت لم تُدرج فيه أي مخصصات مباشرة لدعم المحروقات في ميزانيتي 2023 و2024، بعدما بلغت المخصصات المعتمدة لهذا البند نحو 5.28 مليارات دينار في 2022 (نحو 845 مليون دولار)

واعتبر الديوان أن هذا النهج أدى إلى تشويه البيانات المالية للدولة وإظهار الإيرادات والمصروفات بأقل من قيمتها الحقيقية بنسبة تتراوح بين 30 و35%.

كما أشار التقرير إلى أن غياب آلية علمية موحدة لتحديد احتياجات السوق ساهم في تضخم الكميات المستوردة وارتفاع فاتورة الاستيراد دون زيادة مقابلة في المخرجات الخدمية أو الإنتاجية، محذراً من أن اختلالات سلسلة توريد الوقود باتت تمثل خطراً على المال العام والأمن الاقتصادي.

وكشف الديوان أيضاً عن ضعف كبير في تحصيل الإيرادات الناتجة عن بيع المحروقات محلياً، إذ لم تتجاوز المبالغ المحولة إلى حساب وزارة المالية خلال الأعوام 2022 و2023 و2024 نحو 596.7 مليون دينار فقط (95.5 مليون دولار)، رغم ضخامة الإنفاق المرتبط بالمنظومة.

وفي جانب آخر، رصد التقرير اختلالات في المخزون وعمليات التوريد، من بينها فجوة بلغت نحو 197 مليون لتر بين السجلات والمخزون الفعلي من وقود الطائرات، إضافة إلى خسائر قُدرت بنحو 596 مليون دولار سنوياً نتيجة ارتفاع العلاوات المضافة في بعض عقود التوريد وعدم مراجعتها بشكل دوري.

مصدر الصورة تهريب الوقود على الحدود بين ليبيا وتونس للإستفادة من فارق السعر (رويترز)

كيف يؤثر التهريب على الاقتصاد؟

لا ينعكس تهريب الوقود على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد أثره إلى مجمل الاقتصاد الليبي، فكل زيادة في فاتورة الاستيراد تعني استنزافاً إضافياً للموارد العامة وتقليصاً للإنفاق الممكن توجيهه إلى قطاعات أخرى مثل الصحة والتعليم والبنية التحتية.

كما يؤدي استمرار النزيف المالي إلى زيادة الضغوط على الميزانية العامة في اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية.

وفي هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي عبد الكريم الجديدي في تصريح خاص للجزيرة نت إن ليبيا أصبحت خلال السنوات الماضية بيئة أكثر جاذبية لتهريب الوقود مقارنة بدول الجوار، نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والجغرافية.

وأوضح أن من أبرز هذه العوامل الامتداد الواسع للحدود الليبية التي تتجاوز 4300 كيلومتر، إلى جانب محدودية عدد السكان مقارنة بحجم الإنتاج النفطي، فضلاً عن الفارق الكبير بين أسعار الوقود المدعومة داخل ليبيا والأسعار المعمول بها في تونس ومصر والجزائر ودول الساحل الأفريقي.

وأضاف أن "اجتماع الوقود منخفض السعر مع الحدود المفتوحة والطلب المرتفع في الأسواق المجاورة خلق بيئة مثالية لازدهار التهريب"، مشيراً إلى أن المهربين يحققون هوامش ربح مرتفعة للغاية نتيجة إعادة بيع الوقود المدعوم خارج البلاد.

هل المشكلة في الدعم أم في الرقابة؟

يرى الجديدي أن الظاهرة لا ترتبط بعامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل، وأوضح أن منظومة الدعم الشامل تمثل العامل الأكثر تأثيراً لأنها تتيح الحصول على الوقود بأسعار منخفضة للغاية، بغض النظر عن حجم الاستهلاك أو طبيعة المستخدم.

إعلان

وأضاف أن المشكلة تتفاقم بسبب ضعف الرقابة على بعض حلقات النقل والتوزيع وغياب أنظمة إلكترونية متكاملة لتتبع حركة الوقود، فضلاً عن ضعف التنسيق بين المؤسسات النفطية والأجهزة الأمنية والرقابية والجمركية.

وأشار إلى أن بعض المناطق الحدودية تسجل معدلات استهلاك مرتفعة بصورة لا تتناسب مع عدد السكان، وهو ما يثير تساؤلات متكررة بشأن وجود عمليات تسرب أو تهريب.

ماذا تقول شركة البريقة؟

تتولى شركة البريقة لتسويق النفط إدارة جزء أساسي من عمليات توزيع الوقود داخل ليبيا، وتعد من أبرز الجهات المعنية بمتابعة حركة المحروقات بين المستودعات ومحطات التوزيع.

وقال المتحدث باسم الشركة أحمد المسلاتي في تصريح خاص للجزيرة نت إن التهريب والتسرب يمثلان أحد العوامل المؤثرة في منظومة الوقود، لأنهما يؤديان إلى خروج كميات من المنتجات النفطية المدعومة عن مسارها الطبيعي داخل السوق المحلية.

وأوضح أن ذلك يفرض ضغوطاً إضافية على منظومة الإمداد والاستيراد لتعويض الفاقد وضمان استمرار تلبية الطلب المحلي.

لكنه أكد أن فاتورة استيراد الوقود لا ترتبط بعامل واحد فقط، بل تتداخل فيها عوامل أخرى، من بينها ارتفاع الطلب المحلي وتوسع الاستهلاك في بعض القطاعات الحيوية، إضافة إلى التحديات المرتبطة بكفاءة التوزيع وسلاسل الإمداد.

وأضاف أن الشركة اتخذت خلال السنوات الأخيرة إجراءات تنظيمية وفنية للحد من التسرب، شملت تعزيز الرقابة على عمليات التحميل والنقل والتفريغ، وتطوير آليات المطابقة بين الكميات المستلمة والموزعة، ورفع مستوى التنسيق مع الجهات الرقابية والأمنية.

وأشار إلى أن هذه الإجراءات ساهمت في تحسين مستوى الرقابة وتقليص بعض التجاوزات، لكنه شدد على أن معالجة الظاهرة بشكل كامل تتطلب تكاملاً أوسع بين مختلف الجهات المعنية، باعتبار أن ملف الوقود يرتبط بمنظومة وطنية متكاملة تتجاوز نطاق عمل شركة البريقة وحدها.

مصدر الصورة دعم وقود السيارات في ليبيا يكلف خزينة الدولة مبالغ طائلة (رويترز)

ما الحلول الممكنة؟

يرى خبراء أن معالجة الظاهرة تتطلب مزيجاً من الإصلاحات الاقتصادية والرقابية والأمنية، وفي هذا الإطار، دعا الجديدي إلى الانتقال التدريجي نحو منظومة دعم أكثر كفاءة تستهدف المستحقين بصورة مباشرة، بدلاً من الدعم الشامل الذي يسمح بتسرب جزء من المنافع إلى خارج البلاد.

واقترح تطبيق نظام بطاقات الوقود للاستفادة من الكميات المدعومة، مع اعتماد أسعار غير مدعومة للكميات الإضافية، إلى جانب تطوير أنظمة التتبع والرقابة الإلكترونية على نقل الوقود وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية.

ورغم غياب تقديرات رسمية موحدة لحجم الخسائر السنوية الناتجة عن تهريب الوقود، فإن معظم التقارير الدولية والرقابية تتفق على أن الظاهرة تحولت من قضية أمنية إلى تحد اقتصادي ومالي كبير.

فخسائر التهريب لا تقتصر على الوقود المدعوم الذي يغادر البلاد بصورة غير مشروعة، بل تشمل أيضاً استنزاف الإنفاق العام وزيادة فاتورة الاستيراد وتقويض فعالية منظومة الدعم التي تتحملها الدولة.

ومع استمرار الجدل حول إصلاح قطاع الطاقة والدعم، يبقى السؤال مطروحاً: هل تستطيع ليبيا إغلاق أحد أكبر منافذ الهدر المالي في اقتصادها، أم أن مليارات الدولارات ستواصل التبخر عبر الحدود والبحر؟.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار