في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في أسواق مدينة صيدا جنوب لبنان، تبدو الحركة للوهلة الأولى اعتيادية؛ المتسوقون يتنقلون بين المحال والبسطات، وأصوات الباعة تختلط برائحة الخضار الطازجة، لكن خلف هذا المشهد اليومي يختبئ قلق واضح يرافق كثيرين وهم يحسبون كلفة ما يضعونه في سلالهم.
فالحرب الدائرة في البلاد لا تُسمع أصداؤها في الجبهات فقط، بل تمتد أيضا إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتغير عادات التسوق وتزداد حساسية الناس تجاه الأسعار، خصوصا مع شهر رمضان.
يقف خليل محمود أمام إحدى بسطات الخضار متفحصا الأسعار، قبل أن يقول إن رمضان كان يحمل في السابق معنى مختلفا.
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن الشهر كان مناسبة تجتمع فيها العائلات حول مائدة بسيطة لكنها مليئة بالبركة، أما اليوم فباتت الكلفة هي أول ما يفكر فيه الناس.
ويشير محمود إلى أن الأسعار ترتفع عادة مع بداية رمضان، لكن الزيادة هذا العام تبدو أكثر وضوحا، لا سيما في المواد التي لا تغيب عن المائدة الرمضانية مثل اللحوم والدواجن والخضار.
"الأزمات المتراكمة، من الحرب إلى النزوح، انعكست مباشرة على حياة الناس، فلم يعد الغلاء يقتصر على الطعام فقط، بل طال الإيجارات وتكاليف السكن أيضا"، يتابع محمود الذي يؤكد أن الفجوة الاجتماعية باتت أكثر وضوحا من قبل، فهناك من لا يزال قادرا على تحمل هذه التكاليف، في حين تكافح غالبية العائلات لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها.
ولا يقتصر قلق المتسوقين على الأسعار فحسب، بل يمتد إلى احتمال انقطاع بعض السلع إذا ما تصاعدت الأحداث.
تقول شفيقة للجزيرة نت إنها غيرت طريقتها في التسوق منذ توسع الحرب، فبدل الاكتفاء بشراء حاجاتها اليومية تحاول في بعض الأحيان الاحتفاظ بكمية إضافية من المواد الأساسية.
هذا السلوك -توضح شفيقة- لا يرتبط بالرغبة في التخزين بقدر ما يعكس خوفا من أي طارئ قد يؤدي إلى إغلاق الطرقات أو تعطل وصول البضائع.
رغم ذلك تشير إلى أن الوضع في صيدا ما يزال مقبولا نسبيا حتى الآن، وأن الأسواق ما زالت تؤمن معظم السلع.
أما عناية السيد فتقول إن التسوق أصبح أشبه بعملية حسابية دقيقة، وتشرح، في حديثها للجزيرة نت، أنها تركز اليوم على شراء الأساسيات فقط، مثل الطعام والشراب، فيما تُؤجَّل بعض الحاجات الأخرى إلى وقت لاحق.
وتضيف أن الخوف من توسع الحرب حاضر في أحاديث الناس اليومية، متسائلة: إذا امتدت الحرب أكثر، فأين يمكن أن يذهب الجميع؟
وترى أن الأسعار داخل بعض المتاجر الكبرى ما تزال مقبولة نسبيًا، لكن المشكلة الأكبر تكمن في أسعار الخضار وبعض السلع التي ارتفعت بشكل ملحوظ.
ورغم هذه المخاوف، يحاول بعض المتسوقين التعامل مع الواقع بنوع من التأقلم، حيث يقول راني في حديثه للجزيرة نت، إن الناس اعتادوا إلى حد ما العيش تحت الضغط، فالحياة لا تتوقف رغم القلق.
ويضيف أن الأسعار ارتفعت قليلا مقارنة بالفترات السابقة، لكنها ما تزال ضمن حدود يمكن احتمالها حتى الآن.
ويرى أن كثيرين يحتفظون ببعض المواد الغذائية في منازلهم كإجراء احترازي، لكنهم في الوقت نفسه يحاولون تجنب المبالغة في التخزين، لأن الظروف الاقتصادية لا تسمح بذلك.
بالنسبة إلى نيفين محمد، لم يعد الغلاء مجرد ملاحظة عابرة في السوق بل تحوّل إلى عبء يومي يفرض نفسه على ميزانية العائلة. وتقول إن الأسعار ارتفعت بشكل واضح بسبب الحرب، ما أجبر كثيرين على إعادة ترتيب أولوياتهم.
وتوضح في حديثها للجزيرة نت أن العائلات لم تعد قادرة على شراء كل ما تحتاجه كما في السابق، بل باتت تكتفي بالضروري فقط، وتضيف أن أجواء الحرب تزيد من شعور الترقب لدى الناس؛ لذلك يحاول بعضهم تأمين قدر من التموين المنزلي تحسبًا لأي طارئ.
أما نها عبد الله، فتختصر الأزمة من زاوية مختلفة، إذ تقول للجزيرة نت إن زوجها فقد عمله منذ اندلاع الحرب، ما جعل تأمين المصاريف اليومية أكثر صعوبة.
وتضيف أن ارتفاع أسعار سلع أساسية مثل الغاز والزيت زاد من الضغوط على العائلة، لكنها تحاول التعامل مع الأمر بصبر، مكتفية بالقول "الحمد لله على كل حال".
وتوضح أنها لا تستطيع شراء كميات كبيرة من الطعام، لأن ذلك يحتاج إلى ميزانية غير متوفرة، لذلك تشتري ما يكفي العائلة لأيام قليلة فقط، ثلاثة أو أربعة أيام عادة، وربما لأسبوع إذا تمكنت من ذلك.
إلى جانب الغلاء، يضيف النزوح الداخلي عامل ضغط آخر على الأسواق. وتقول إحدى النازحات من جنوب لبنان إن الأسعار لم تكن بهذا الارتفاع في السابق، لكنها لاحظت تغيرا واضحا بعد وصول أعداد كبيرة من العائلات النازحة إلى المناطق الأكثر أمانًا.
وتضيف للجزيرة نت أن هذا الأمر انعكس على حجم الطلب في الأسواق، ما جعل بعض السلع أكثر كلفة من قبل، في وقت تضطر فيه كثير من العائلات إلى الاكتفاء بما تستطيع تحمّل ثمنه.
في المقابل، يرى حسن عبد الله أن الصورة ليست واحدة في كل الأماكن، فهو يشير إلى أن الأسعار في المتجر الذي يتسوق منه ما تزال أفضل مقارنة بغيره من السوبر ماركت والجمعيات.
يؤكد الخبير الاقتصادي والمالي عماد عكوش للجزيرة نت أن الحرب تلقي بظلالها على لبنان، الذي يعتمد على الاستيراد لتلبية أكثر من 80% من احتياجاته الغذائية، ويُصنّف من أكثر الدول حساسية لتقلبات النقل والطاقة.
ويشير عكوش إلى أن أسعار السلع ترتبط مباشرة بالأسواق العالمية، ما انعكس على الارتفاع المحلي الذي بلغ نحو 40%.
ويضيف أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت بدورها بنسبة تراوحت بين 7% و15%، نتيجة اضطراب شحنات السلع عبر البحر الأحمر وارتفاع تكاليف التأمين البحري، إضافة إلى زيادة بعض التكاليف الإنتاجية، أبرزها الطاقة.
ورغم أن بعض المستوردين استغلوا الأزمة لرفع الأسعار بشكل يفوق المبرر، فإن قطاعات مثل الأرز والزيوت والمعلبات تأثرت فعلياً بتكاليف الشحن الإضافية، يوضح عكوش.
ويؤكد أن غياب الدولة عن الرقابة والمحاسبة سمح للكارتلات المحتكرة برفع الأسعار بما يتوافق مع مصالحها ويحقق لها أرباحا إضافية، موضحاً أن الحرب كانت عاملاً أساسياً، لكنها جاءت لتفاقم أزمات سابقة، مثل التضخم العالمي وارتفاع أسعار الفائدة، وضعف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، ما يزيد من كلفة التمويل ويضغط على الأسعار.
وحول إمكانية حدوث أزمة تموين، يشير عكوش إلى أن مخزون لبنان من المواد الغذائية يكفي لشهرين إلى ثلاثة أشهر فقط، بينما النفط يكفي لنحو شهر ونصف وفق وزارة الاقتصاد اللبنانية.
وإذا توسع النزاع ليستمر إغلاق مضيق هرمز أو تم إغلاق مضيق باب المندب، فقد تتأخر الشحنات نحو ثلاثة أسابيع على الأقل، مع ارتفاع كبير في كلفة التأمين والشحن، ما قد يؤدي إلى أزمة تموين مؤقتة أو زيادة حادة في الأسعار، خصوصاً إذا لجأ التجار إلى تخزين السلع للاستفادة من ارتفاع أسعارها لاحقاً، يختم عكوش.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة