أعاد اتفاق تجاري مفاجئ بين دونالد ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي رسم مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لكن مسار استمراره ما يزال محل تساؤل في الأوساط الاقتصادية، وفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ.
وخفضت أمريكا بموجب الاتفاق -المعلن عنه أمس الاثنين- الرسوم المفروضة على السلع الهندية إلى 18% بدلا من 25%، وألغت رسما عقابيا إضافيا نسبته 25% كان مرتبطا بشراء الهند للنفط الروسي.
وقال ترامب إن مودي وافق على شراء سلع أمريكية وخفض الرسوم الهندية إلى الصفر ووقف مشتريات الخام من روسيا، بينما أشارت بلومبيرغ إلى أن مودي لم يؤكد تفاصيل الصفقة بهذه الصيغة.
وسجلت الروبية الهندية أكبر مكسب لها منذ أكثر من 3 سنوات وقفزت الأسهم بأقوى وتيرة منذ 2021 بعد الإعلان غير أن التحركات عكست تفاؤلا أوليا أكثر من كونها حكما على استدامة الاتفاق.
ونقلت بلومبيرغ عن كينيث جاستر، وهو دبلوماسي أميركي سابق وخبير في العلاقات الأميركية-الهندية، قوله إن الاتفاق "المرحلة الأولى"، وهي صيغة توحي بأن المسار ما يزال مفتوحا على تعديلات لاحقة.
من جهتها ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أن القرار قوبل في الهند "بشعور من الارتياح"، لكنها شددت على أن "التفاصيل الدقيقة ما زالت ضبابية"، وأوضحت أن الرسوم السابقة التي بلغت 50% كانت من بين الأعلى عالميا، ما جعل خفضها تطورا مهما لكن غير مكتمل المعالم.
بحسب تقرير بلومبيرغ أضعفت الرسوم السابقة جاذبية الهند كمركز تصنيع وتصدير وضربت صناعات مثل النسيج والجلود والأحذية والمجوهرات، في حين قالت نيويورك تايمز إن شركات هندية كانت تواجه "أزمة وجودية"، ما يجعل أي تخفيف للرسوم عامل إنقاذ مرحلي لا يبدد الضبابية بالكامل.
وأوضح ريك روسو في حديث لبلومبيرغ أن "تفاصيل الاتفاق ما تزال غائمة"، وهي عبارة تعكس أن المكاسب المحتملة مرتبطة بما سيظهر لاحقا من نصوص تنفيذية.
وأشار التقرير إلى أن معدل 18% يضع الهند في موقع تنافسي أفضل من بعض الاقتصادات الآسيوية، لكن هذا التفوق يظل مرتبطا بثبات السياسة الجمركية.
وقدر مركز كابيتال إيكونوميكس أن الاتفاق قد يضيف بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية إلى نمو الاقتصاد الهندي هذا العام، وهي زيادة محدودة تعكس أثرا إيجابيا لكنه ليس جوهريا، وفق بلومبيرغ.
ونقلت بلومبيرغ عن مسؤول هندي أن النمو قد يصل إلى 7.4% في السنة المالية المقبلة، وهو تقدير يفترض بقاء الظروف التجارية مستقرة.
وقال المستشار الاقتصادي الرئيسي لحكومة الهند، في. أنانثا ناجسواران، إن مسار جذب الاستثمارات بعيدا عن الصين "كان يتعطل بسبب عدم اليقين"، ما يعني أن الاتفاق يخفف عامل قلق واحد دون إزالة بقية المخاطر.
أشارت نيويورك تايمز إلى أن واردات الهند من الخام الروسي تراجعت إلى 1.1 مليون برميل يوميا في يناير/كانون الثاني، وهو مستوى أدنى من السابق لكنه لا يعني توقفا كاملا.
وأوضحت الصحيفة أن ترمب قال إن الهند وافقت على وقف الشراء، في حين لم يتضمن موقف مودي إعلانا مماثلا، ما يترك فجوة بين الروايتين.
أما بلومبيرغ فذكرت أن الزراعة شكلت عقبة رئيسية في المفاوضات، إذ تدفع واشنطن نحو فتح السوق أمام منتجات زراعية معينة، بينما تحافظ الهند على قيود لحماية قطاعات محلية حساسة.
ويأتي الاتفاق بعد توقيع الهند صفقة تجارية مع الاتحاد الأوروبي وهو تتابع زمني يعزز موقع نيودلهي التفاوضي لكنه لا يضمن ثبات كل اتفاق على المدى الطويل، ورأت "سيتي غروب"، أن المخاوف من عزلة الهند تراجعت، غير أن هذا التقييم يرتبط باستمرار الانفتاح التجاري.
من جهتها لفت تقرير الـ"بي بي سي" إلى أن العلاقات بين البلدين مرت بتوترات سابقة، ما يجعل التحسن الحالي جزءا من دورة صعود وهبوط أكثر من كونه خطا تصاعديا ثابتا.
وأكدت نيويورك تايمز أن "الشروط ما تزال غامضة"، مشيرة إلى أن بنودا مثل خفض الحواجز غير الجمركية لم تتضح آلياتها بعد، في حين قال خبير تجارة دولية ومؤسس مبادرة التجارة والبحوث العالمية أجاى سريفاستافا لـ"بي بي سي" إن ما صدر حتى الآن "إشارة سياسية" أكثر من كونه اتفاقا تفصيليا ملزما.
وخفف خفض الرسوم عبئا واضحا عن الاقتصاد الهندي، لكن طبيعة الإعلانات المتبادلة والتباين في التأكيدات الرسمية يتركان الباب مفتوحا أمام إعادة التفسير أو التعديل، بينما تستمر المفاوضات في صياغة ما إذا كان هذا التقارب محطة عابرة أم مسارا طويل الأجل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة