تُظهر بيانات موازنات عام 2026 في عدد من الدول العربية أن كلفة فوائد وأقساط الدين العام باتت تلتهم نسبا كبيرة من الإيرادات العامة، ما يفرض ضغوطا مباشرة على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، ويحد من قدرة الحكومات على توسيع الإنفاق على الخدمات العامة كالتعليم والصحة والإسكان، وكذلك الاستثمارات العامة والبنى التحتية.
وتُجمع المؤسسات المالية الدولية على أن نسبة خدمة الدين إلى الإيرادات العامة تعد من أخطر مؤشرات الاستدامة المالية، لما تعكسه من قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها دون الإضرار بالإنفاق الأساسي.
ووفق أطر الاستدامة المعتمدة لدى صندوق النقد الدولي، فإن تجاوز خدمة الدين حدود 30% من الإيرادات في الدول ذات الأسواق الناشئة يُعد إشارة ضغط مرتفع، بينما يشكل تجاوز 35% مستوى خطورة يهدد الاستقرار المالي.
ويعتمد البنك الدولي معيارا أكثر تحفظا بالنسبة للدول النامية، إذ يعتبر أن تخطي خدمة الدين 20% من الإيرادات العامة يدخل خزينة الدولة في نطاق الخطر، بسبب مزاحمته للإنفاق على التعليم والصحة والبنية التحتية.
أما في الاقتصادات المتقدمة، فتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن بقاء خدمة الدين دون 20% من حجم الإيرادات يعد مريحا، بينما يؤدي تجاوزه لنسبة 25% إلى 30% إلى مزاحمة الإنفاق الاستثماري وارتفاع مخاطر التمويل.
في هذا التقرير ترصد "الجزيرة نت" نسبة خدمة الدين إلى الإيرادات في الموازنات العامة للعام المالي الحالي لعدد من الدول العربية، وذلك وفقا للبيانات المتاحة عبر مواقع وزارات المالية في الدول المعنية، وآخر سعر للصرف.
ملاحظة : جزء كبير من كلفة خدمة الدين يتم سداده عبر الاقتراض الجديد (إعادة التمويل) وليس من الإيرادات، مما يراكم أصل الدين.
ملاحظة: تقوم سياسة الجزائر المالية على تجنب الاستدانة الخارجية، والاعتماد أساسا على التمويل الداخلي، مع ربط العجز بتقلبات أسعار النفط والغاز.
لا تتوفر حتى الآن جداول منشورة ومكتملة لموازنة لعام 2026 تتضمن أرقاما تفصيلية عن فوائد وأقساط الدين أو العجز، وهو ما يعكس تحديا في الشفافية المالية ويصعّب تقييم أثر الدين على بنود الإنفاق العام.
تكشف المقارنة أن الدول ذات الأعباء الأعلى لخدمة الدين تشهد تقليصا واضحا للإنفاق الاجتماعي والاستثماري، بينما تحاول دول أخرى تحسين الانضباط المالي، أو تعويض العجز عبر الاقتراض.
وفي تعليقه على الأرقام الواردة في التقرير، يذهب الخبير الاقتصادي الأردني حسام عياش إلى أن تصاعد المديونية في الدول العربية لم يعد ظاهرة عابرة أو مرتبطة بظرف اقتصادي مؤقت، بل أصبح مؤشرا بنيويا على اختلال إدارة المالية العامة وفشل السياسات التنموية، مشيرا إلى أن الدين العام في المنطقة يسجل مسارا تصاعديا مستمرا، دون تمييز واضح بين الدول النفطية وغير النفطية.
ويؤكد عياش للجزيرة نت أن الزيادة المتواصلة في الدين العام الداخلي والخارجي تعكس عجز الاقتصادات العربية عن توليد إيرادات محلية كافية، سواء بسبب ضعف الأداء الاقتصادي، أو بسبب اختلالات هيكلية تشمل الاحتكارات والتلاعب في توزيع عوائد النشاط الاقتصادي، بحيث لا تخدم العملية الاقتصادية المواطن ولا الدولة، بل تصب في مصلحة فئات أو جهات محددة.
ويوضح أن الدول العربية، حتى تلك المعتمدة على النفط، لم تنج من فخ المديونية، إذ رغم محاولات التنويع الاقتصادي، لا يزال النفط محركا رئيسيا للنشاط الاقتصادي، فيما تعاني الدول غير النفطية من نمو متواضع أو غير مستقر، يجعلها أكثر اعتمادا على الاقتراض لسد العجز وتمويل النفقات الجارية.
ويلفت عياش الانتباه إلى أن الإشكالية الأخطر لا تكمن فقط في حجم الدين، بل في توجيهه واستخدامه، موضحا أن جزءا كبيرا من القروض في عدد من الدول العربية لا يذهب إلى مشاريع إنتاجية، بل يستخدم لتمويل نفقات جارية، ما يفاقم العبء دون خلق قيمة مضافة.
ويضرب مثالا بالأردن، حيث تبلغ فوائد الدين العام في عام 2026 نحو 2.26 مليار دينار، وهي -بحسب قوله- أعلى من مخصصات وزارات التربية والتعليم أو الصحة أو التنمية الاجتماعية، مؤكدا أن خدمة الدين (فوائد وأقساط) باتت تحتل الأولوية الأولى في الموازنات العامة، قبل أي إنفاق اجتماعي أو استثماري.
ويحذر الخبير الاقتصادي من أن عدم الوفاء بهذه الالتزامات يضع الدول أمام خيارات قاسية، تتراوح بين إعلان الإفلاس، أو تراجع قدرتها على الاقتراض الخارجي، أو ارتفاع علاوة المخاطر، وما يرافق ذلك من قفزات في كلفة الفائدة على الديون الجديدة.
من جانبه قدم الخبير الاقتصادي اللبناني جاسم عجاقة قراءة تفسيرية تضيء على الفجوة الواسعة بين اقتصادات المنطقة، وانعكاسات تصاعد المديونية على الاستقرار المالي والاجتماعي.
وقال عجاقة للجزيرة نت إن بيانات الدين تكشف بوضوح تفاوتا حادا بين دول عربية غارقة في أزمات مديونية خانقة، مثل لبنان، وأخرى ما تزال تمتلك هوامش مالية مريحة تتيح لها التحرك والمناورة، كما هو الحال في بعض دول الخليج.
وحذر الاقتصادي اللبناني من أن تجاوز نسب الدين للحدود العالمية الآمنة، تضع دولا مثل الأردن ومصر أمام مخاطر جدية، إذ بلغت النسبة في الأردن نحو 70%، بينما قفزت في مصر إلى مستويات برقمين.
وأشار المتحدث نفسه إلى إشكالية ما يسميه "الاستدانة لسداد الدين"، معتبرا أن لجوء الدول إلى الاقتراض لتغطية أعباء خدمة الدين، بدل توجيه الموارد للإنفاق الإنتاجي والخدمات الأساسية، يعكس مأزقا ماليا عميقا.
ففي مصر – بحسب عجاقة – تضغط خدمة الدين بقوة على الموازنة، حتى قبل احتساب كلفة الأجور والمعاشات، بينما يواجه الأردن ضغطا متزايدا على قطاعات التعليم والصحة والأجور، ما يدفعه للاعتماد على المساعدات الخارجية لسد فجوات التمويل.
وأكد عجاقة أن ارتفاع الإنفاق على فوائد وأقساط الدين يأتي غالبا على حساب الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، ما يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات العامة وتدهور البنية التحتية، ذات البعدين الاجتماعي والاقتصادي.
كما حذر من أن تفاقم المديونية يفتح الباب أمام فقدان جزء من السيادة الاقتصادية، نتيجة الارتهان لشروط المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، مستشهدا بتجارب دول شهدت اضطرابات اجتماعية عقب برامج التقشف (مثل اليونان إبان أزمة ديون اليورو).
ودعا عجاقة الدول العربية المثقلة بالديون إلى التفكير في إنشاء صناديق سيادية تضمن حقوق الأجيال المقبلة، على غرار تجربة دول الخليج.
وشدد على أن معالجة عبء الدين -خصوصا في دول ذات نمو سكاني مرتفع مثل مصر- تتطلب رؤية تنموية طويلة الأمد، ترتكز على الإنتاج والتصنيع والاستثمار، وليس على الاستدانة المستمرة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة