آخر الأخبار

ما لا تقوله أرقام النمو.. الكلفة المؤجلة لسياسات ترامب الاقتصادية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لا تظهر الكلفة الاقتصادية للقرارات السياسية دائمًا في لحظتها، ولا تنعكس فورًا في مؤشرات التضخم أو النمو، ففي كثير من الأحيان، تتسلل هذه الكلفة عبر قنوات غير مرئية، أبرزها تعطيل القرار الاقتصادي وتأجيل الاستثمار والاستهلاك.

ووفق تحليل نشرته وكالة بلومبيرغ، فإن سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التجارة والهجرة دخلت هذا الطور المتأخر من التأثير، حيث يتحول عدم اليقين من حالة نفسية في الأسواق إلى عامل اقتصادي فعلي، يُمهّد لمرحلة تضخمية أوسع خلال 2026، رغم ما يبدو ظاهريًا من متانة في النمو.

سوء قراءة متانة الاقتصاد

وتشير بلومبيرغ إلى أن عددًا من المتنبئين والمستثمرين أخطأوا في قراءة الوضع الاقتصادي الأميركي، بعضهم رأى أن تراجع التضخم خلال 2025، وتسارع النمو إلى أعلى مستوياته منذ عامين، دليل على أن الرسوم الجمركية وعمليات الترحيل لم تُحدث الضرر المتوقع، فيما ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن حالة عدم اليقين السياسي بدأت بالانحسار.

غير أن التقرير يؤكد أن هذه التقديرات تقوم على "سوء فهم جذري لكيفية تأثير عدم اليقين الذي تخلقه الحكومة على الاقتصاد"، موضحًا أن الاقتصاد الأميركي لم يختبر مستوى مشابهًا من الغموض السياسي المفروض على القطاع الخاص منذ أكثر من قرن.

هذا الالتباس -بحسب بلومبيرغ- تعززه الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي، التي أخفت مؤقتًا الآثار غير المألوفة لسياسات التجارة والهجرة، وجعلت الضرر الحقيقي أقل وضوحًا في البيانات قصيرة الأجل.

كلفة مؤجلة تتحول إلى تضخم

وتوضح بلومبيرغ أن الأثر الحقيقي للرسوم الجمركية لا يظهر فور فرضها، بل بعد فترة من الشلل في اتخاذ القرار، حيث تحتاج الشركات وقتًا قبل أن تحسم ما إذا كانت سترفع الأسعار، أو تعيد تشكيل سلاسل التوريد، أو تنقل الإنتاج.

كما ينقل التقرير عن منطق الشركات، فإن الأسئلة المعلّقة كثيرة: "هل سيمضي ترامب فعلًا في تهديداته الجمركية؟ وهل ستُلغى هذه الرسوم في صفقة لاحقة؟ وهل يمكن الطعن بها قضائيًا؟ وهل يستطيع قطاع معين الحصول على إعفاء أو تعويض سياسي؟".

إعلان

هذا التردد لم يقتصر على الشركات الصغيرة، بل حتى شركات صناعية كبرى مثل كاتربيلر وتويوتا ترددت في اتخاذ قرارات جذرية بشأن إعادة توزيع الإنتاج.

في الوقت نفسه، لجأت شركات كثيرة إلى تخزين الواردات قبل تصاعد الحرب التجارية، ما أخّر تمرير الكلفة إلى المستهلكين، لكن بلومبيرغ تشير إلى أن هذه المخزونات استُنفدت إلى حدّ كبير، ومع نفاد هذا الهامش الوقائي، تصبح زيادة الأسعار مسألة وقت لا أكثر.

الهجرة وسوق العمل

وفي ملف الهجرة، تقول إدارة ترامب إنها رحّلت نحو مليون مهاجر غير موثق خلال العام الأول من ولايته الثانية، لكن البيانات، وفق بلومبيرغ، لا تدعم حتى الآن فرضية حدوث "نزوح فعلي" واسع من سوق العمل.

مصدر الصورة بيانات سوق العمل لا تعكس بعد النقص الحقيقي في العمالة المرتبطة بسياسات الهجرة (رويترز)

فمستويات التوظيف في القطاعات الأكثر اعتمادًا على العمالة غير المسجلة -مثل الرعاية الصحية ورعاية الأطفال، والزراعة، ومعالجة الأغذية، والبناء السكني- بقيت شبه مستقرة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض.

كما لا تُظهر البيانات انتقالًا ملحوظًا للعمال الأميركيين أو المهاجرين النظاميين إلى هذه القطاعات، المعروفة بظروف العمل الصعبة والأجور المنخفضة وضعف المزايا.

وتشير بلومبيرغ إلى أن الأجور في هذه القطاعات لم ترتفع بعد، ما يعني أن النقص الحقيقي في اليد العاملة لم ينعكس بالكامل. ومع ذلك، يتوقع التقرير أنه مع حلول 2026، ستلحق الوقائع بسردية الإدارة، لكن عبر قنوات مختلفة، إذ سيظهر نقص في العمالة يجبر أصحاب العمل على رفع الأجور، ما يضيف ضغطا تضخميا مباشرا.

طفرة الذكاء الاصطناعي في مواجهة الركود

ويلفت تقرير بلومبيرغ إلى انقسام واضح داخل الاقتصاد الأميركي، فمن جهة، تشهد قطاعات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة به طفرة استثمارية قوية، كانت المحرك الرئيسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربعين الثاني والثالث من 2025، عبر الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق المتقدمة، ومن جهة أخرى، تُظهر بقية قطاعات الاقتصاد نموًا قريبًا من الصفر.

هذا التناقض، بحسب بلومبيرغ، يتعارض مع الظروف التي يفترض أن تدعم الاستثمار، من حيث تقديم حوافز ضريبية، وأسعار فائدة حقيقية منخفضة، وأوضاع مالية قوية للشركات، وتراجع أسعار الطاقة.

ويخلص التقرير إلى أن السبب وراء ذلك هو عدم اليقين السياسي المتراكم، الذي يدفع الشركات إلى تأجيل الاستثمارات غير القابلة للتراجع.

ويشبّه التحليل الوضع الأميركي بما شهدته بريطانيا بعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في 2016، حين أدى الغموض السياسي إلى تجميد الاستثمارات الخاصة لسنوات.

ورغم أن طفرة الذكاء الاصطناعي قد تعوّض جزءًا من الأثر السلبي لسياسات التجارة والهجرة، فإن بلومبيرغ تحذر من أن تزامن هذا الزخم مع نقص العمالة والمدخلات المستوردة قد يجعل الضغوط التضخمية في 2026 أكثر وضوحًا، بعدما تأخر ظهورها طويلًا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار