آخر الأخبار

“الأونروا معي منذ ولادتي”.. شهادة لاجئة فلسطينية تقرأ خطورة حظر الوكالة في غزة والقدس

شارك

لا تسعفني الذاكرة بلحظة لقائي الأول بوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)؛ فقد كنت حينها مجرد رضيعة تحيط بي جدران عيادتها التابعة بحي الدرج في مدينة غزة لتلقّي تطعيماتي الأولى. ومنذ فجر عمري، أضحت الوكالة حاضرة في كل تفصيل من تفاصيل يومي، حتى غدت جزءاً تشريحياً من هويتي كلاجئة فلسطينية.

لذا، حين أطالع الأخبار المزدحمة بتصريحات مسؤولين أمريكيين يطالبون بحظر عمل الأونروا في قطاع غزة، أو أستمع لأنباء نية الاحتلال الإسرائيلي مصادرة وتفكيك مجمعاتها في القدس الشرقية المحتلة -التي تكتظ بالمدارس والعيادات- أو تحركات محكمته العليا لشرعنة القوانين المعادية للوكالة، يتملكني ألم يعصر قلبي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لم تعد "لغة أجنبية".. لماذا تتصدر الإسبانية اللغات التي يريد الأمريكيون تعليمها لأطفالهم؟
* list 2 of 2 فيديو ينتهي بفصل طلاب مدرسة مصرية عاما كاملا.. ماذا فعلوا؟ end of list

أُدرك تماماً صعوبة فهم هذا الشعور لدى غير الفلسطينيين؛ فبالنسبة لبقية العالم، ليست الأونروا سوى هيئة إنسانية دولية تُقدم الإغاثة في منطقة صراع ملتهبة. أما بالنسبة لنا، فالأونروا تتجاوز ذلك بأبعاد؛ إنها الشاهد الحي والمجسد القانوني لقضيتنا.

جدي والتاريخ العشوائي للوجود

قبل أن تمنحني ممرضة الأونروا لقاح الحصبة بـ52 عاماً، وتحديداً في عام 1950، اقترب موظفو الوكالة من جدي أحمد أبو عيشة، الذي لم يكن يتجاوز عمره حينها ست سنوات.

كان ذلك بعد عام واحد من تأسيس الأمم المتحدة للأونروا للتعامل مع نكبة التهجير التي أسهمت المنظمة الدولية نفسها في هندستها. وقبل ذلك بعامين، إبان نكبة 1948، فرّ جدي وعائلته سيراً على الأقدام من بئر السبع مع تمدد المليشيات الصهيونية. كان والد جدي، إبراهيم أبو عيشة، وهو تاجر مواشٍ معروف، يعتقد أن العودة مسألة أيام، فأغلق باب المنزل بإحكام، تاركاً خلفه سندات الملكية، وثائق الميلاد، ومواشيه وممتلكاته، لتبدأ العائلة رحلة التجريد الكامل من الوثائق الرسمية التي تُثبت وجودها.

"تخيلي يا نور، لم أكن أعرف تاريخ ميلادي الحقيقي. وعندما جاءت الأونروا، استصدروا لي وثيقة وكتبوا فيها تاريخ ميلاد عشوائياً حتى أتمكن من العيش بوجود وثائقي مُثبت".

أحمد أبو عيشة (شهادة الجد للكاتبة)

وبفضل هذه الورقة الصادرة عن الأونروا، تمكن جدي لاحقاً من استصدار بطاقة هوية رسمية من السلطات المصرية عند بلوغه السادسة عشرة.

"كارت المؤن" وهندسة مخيمات العودة

لم تكن تلك الوثيقة سوى البداية؛ فقد أصدرت الأونروا لعائلتي "كارت المؤن" (بطاقة التسجيل العائلية) لتكون بمثابة السند القانوني والسياسي الوحيد المتبقي لإثبات صفة اللجوء. وبناءً عليه، أُتيح لهم الانتفاع من الخدمات التي أنشأتها الوكالة تدريجياً.

إعلان

شرعت الأونروا حينها في نصب الخيام لإيواء مئات الآلاف ممن كانوا ينامون تحت السماء العارية، وسرعان ما حولت تلك المساحات الصحراوية المتاخمة لغزة إلى مخيمات دائمة: من جباليا والشاطئ شمالاً، مروراً بالنصيرات والبريج والمغازي ودير البلح بالوسط، وصولاً إلى خان يونس ورفح جنوباً، وزودت كلاً منها بالمدارس والعيادات لتشكّل مجتمعاً متكاملاً للاجئين.

التحق جدي بمدارس الأونروا الابتدائية، ثم ألحق أبناءه بها ومنهم والدي، وحين جاء دور جيلنا كانت الأونروا تدير نحو 200 مدرسة في القطاع. أتذكر كيف كنت أرتدي الزي المدرسي المخطط باللونين الأزرق والأبيض الخاص بشقيقتيّ وأطوف به البيت حالمة باليوم الذي سألتحق فيه بالصف.

الأزرق والأبيض.. ألوان ذاكرة لا تُمحى

حين بلغت الخامسة، جاء دوري؛ أخذتني أمي إلى عيادة الأونروا لتلقي التطعيمات. كل شيء في المبنى كان مطلياً بالأزرق والأبيض، والشباك الأزرق الذي وقفت أمي أمامه حاملة "كرت المؤن" حُفر في ذاكرتي. وفي صباح اليوم الأول بمدرسة "الدرج المشتركة (ب)"، ارتديت فستاني المخطط بنفس اللونين وشعرت بفرح عارم.

وزع علينا المعلمون الحقائب والدفاتر والأقلام التي تحمل شعار الوكالة الأزرق، وجاءت الوجبات المجانية والمساعدات النقدية لتخفف عن كاهل أولياء أمورنا. في هذه المدارس تعلمت الإنجليزية، والأهم أنني تعلمت كيف أصوغ القصة الفلسطينية وأسردها للعالم. بفضل الأونروا، أصبح قطاع غزة أحد أعلى المناطق عالمياً في نسبة التعليم رغم الحصار والاحتلال.

كما تكفلت الوكالة بالرعاية الطبية والفحوص والأدوية المجانية، والمساعدات الغذائية الدورية عبر "الكابونة" (قسيمة الطحين والأرز والزيت)، ووفرت أماناً وظيفياً لآلاف الموظفين والمعلمين.

تفكيك الأونروا.. اغتيال حق العودة

إن هذا التداخل العضوي للأونروا مع تفاصيل حياتنا اليومية هو ما جعل منها جزءاً لا يتجزأ من هويتنا الوطنية والتاريخية. ولا يزال أجدادي يحتفظون بـ"كرت المؤن" كوثيقة انتماء وحق. فالأونروا تحفظ الذاكرة المادية للجريمة التي ارتكبتها الأمم المتحدة نفسها حين سلبت أرضنا، وبوجودها المستمر تُذكر العالم يومياً بمسؤوليته الأخلاقية تجاه حقوقنا غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق العودة.

ولهذا السبب تحديداً، تحارب إسرائيل وحلفاؤها بضراوة لتفكيك الأونروا؛ المسألة ليست نزاعاً إدارياً على تقديم الخدمات، بل هي محاولة صريحة لمحو قضية اللاجئين وتصفية حق العودة.

في عام 1948، تدفق 200 ألف لاجئ إلى غزة بعد النكبة. واليوم، وبعد 78 عاماً، يُشرّد مليونا فلسطيني داخل غزة. إن الأونروا هي الهيئة الوحيدة القادرة على التعامل مع هذا الاقتلاع الشامل. وإذا كان المجتمع الدولي جاداً في التعامل مع الكارثة الناجمة عن العدوان الإسرائيلي، فإن واجبه هو دعم الأونروا وحمايتها من التفكيك، بينما سنواصل نحن الفلسطينيين نضالنا للتمسك بهذه الهيئة التي تشكل مقوماً أصيلاً من مقومات وجودنا السياسي والإنساني.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار