آخر الأخبار

هادي كنيس يبني جسوراً ثقافية بين تونس وألمانيا

شارك
نجح هادي كنيس في تحويل تجربته الشخصية إلى قصة اندماج ملهمة. واليوم، يسهم في تطوير أحد أبرز مهرجانات فنون الشارع في ألمانيا، ويعمل على بناء شراكة ثقافية تجمع بين غونهايم الألمانية وجربة التونسية.صورة من: Anouar Fatnassi/DW

في كل صيف، تتحول شوارع قرية غونهايم الألمانية إلى لوحة فنية مفتوحة. رسومات ثلاثية الأبعاد تمتد على الأرصفة، وجداريات تزين واجهات المباني، وآلاف الزوار يتجولون بين الأعمال الفنية وكروم العنب التي تشتهر بها المنطقة. وسط هذا المشهد، يبرز اسم التونسي هادي كنيس، ليس بصفته فناناً، بل أحد الأشخاص الذين أسهموا في تطوير هوية هذا الحدث الثقافي، بعد رحلة هجرة امتدت لأكثر من أربعة عقود.

بدأت رحلة هادي كنيس في تونس ، حيث عمل منشطاً سياحياً قبل أن يقرر الهجرة إلى ألمانيا بحثاً عن مستقبل جديد. وهناك، احترف مهنة البناء، وشارك في تشييد عشرات المنازل، ليكسب احترام وثقة المجتمع المحلي بفضل التزامه وإتقانه لعمله.

لكن النجاح المهني لم يكن محطته الأخيرة. فبالتوازي مع عمله، انخرط في النشاط التطوعي، و كرس جزءاً كبيراً من وقته لمساعدة المهاجرين العرب ، وخاصة أبناء الجالية التونسية، على تجاوز صعوبات الاستقرار والاندماج في المجتمع الألماني.

ويقول كنيس في حديثه لـ"مهاجر نيوز": "لقد ساعدني  الاندماج الجيد داخل المجتمع الألماني على إثبات ذاتي والوصول إلى ما أنا عليه اليوم. عملت لسنوات طويلة ضمن فرق الإطفاء التطوعية، وكان لذلك أثر كبير في اندماجي. واليوم أحاول التوفيق بين عائلتي، ومساندة أبنائي حتى ينجحوا في حياتهم، وفي الوقت نفسه مساعدة المهاجرين العرب، فهم أيضاً بمثابة أبنائي."

ويرى أن الاندماج لا يتحقق فقط عبر تعلم اللغة أو الحصول على فرصة عمل، بل يبدأ ببناء الثقة، والمشاركة في الحياة العامة، والعمل التطوعي الذي يقرب بين الناس ويكسر الصور النمطية.

تحولت غونهايم إلى موطن يجمع الناس من مختلف أنحاء العالم.صورة من: Anouar Fatnassi/DW

بصمة في مهرجان غونهايم

خلال السنوات الماضية، لم يعد اسم هادي كنيس مرتبطاً فقط بالعمل الاجتماعي، بل أصبح أيضاً جزءاً من قصة نجاح مهرجان غونهايم لفنون الشارع، الذي يحتفل هذا العام بدورته الحادية والخمسين.

وتوضح أندريا كايزر، إحدى المشرفات على تنظيم المهرجان، أن الحدث بدأ قبل عقود كمهرجان تراثي مرتبط بالنبيذ، قبل أن يتطور تدريجياً إلى مهرجان دولي لفنون الشارع .

وتقول: "نحتفل هذا العام بمرور عشر سنوات على إطلاق المهرجان بصيغته الجديدة، ويشارك فيه نحو ثلاثين فناناً من مختلف أنحاء العالم. تتحول شوارع غونهايم إلى معرض مفتوح للرسم على الأرضيات، فيما تضاف كل عام جداريات جديدة إلى واجهات المباني. لتصبح جزءاً من المشهد العمراني للبلدة."

يستقطب مهرجان غونهايم آلاف الزوار سنويا. وكان هادي كنيس من أوائل من طرحوا فكرة إدراج الرسم ثلاثي الأبعاد على الأرضيات ضمن فعاليات المهرجان، وهي المبادرة التي أصبحت اليوم إحدى أبرز علاماته المميزة، واستقطبت فنانين من دول مختلفة.

قرية صغيرة… ورسالة كبيرة

رغم أن غونهايم قرية صغيرة، لكنها نجحت في أن تصبح ملتقى للفنانين والزوار من مختلف الجنسيات، في تجربة تؤكد قدرة الفن على تجاوز الحدود واللغات.

ويقول أحد الفنانين الإيطاليين المشاركين: :" مشاركتي في هذا المهرجان ليست للحصول على جائزة، بل لممارسة هوايتي المفضلة، وهي الرسم على الأرضيات. اخترت رسم شخصيتي أستريكس وأوبيليكس لأنهما ترمزان إلى الصداقة، وهي الرسالة التي يجسدها هذا المهرجان، حيث تتحول غونهايم إلى موطن يجمع الناس من مختلف أنحاء العالم."

وفي هذا الإطار، يعمل هادي كنيس مع متطوعين ألمان، من بينهم الناشطة الألمانية سونية على تشجيع مشاركة الفنانين العرب، فهو يرى بأن حضورهم يثري المهرجان ويمنح الحوار الثقافي بعداً أوسع.

لا تتوقف طموحات الهادي كنيس عند حدود غونهايم، إذ يسعى مع زملائه إلى إقامة شراكة ثقافية مع مهرجان جربة هود في جزيرة جربة التونسية، نظراً للتشابه الكبير بين الحدثين في توظيف فنون الشارع لتحويل الفضاءات العامة إلى معارض مفتوحة. صورة من: Anouar Fatnassi/DW

من غونهايم إلى جربة

ولا يتوقف طموح كنيس عند حدود ألمانيا، إذ يعمل حالياً مع شركائه على إطلاق تعاون بين مهرجان غونهايم ومشروع "جربة هود" في تونس، وذلك نظرا للتشابه بين الحدثين في جعل جربة وغونهايم متحف مفتوح لفنون الشارع.

وهو ما تؤكده الناشطة الاجتماعية الألمانية سونية هيلر بالقول:" يُعد مشروع جربة هود من أبرز المشاريع الفنية في تونس، إذ يستضيف فنانين عالميين يحولون بلدة الرياض إلى معرض مفتوح من خلال الجداريات المنتشرة على واجهات المنازل . وقد أصبح المشروع خلال السنوات الماضية أحد أهم المعالم الثقافية التي يقصدها زوار جزيرة جربة."

وتضيف: "بعد زيارتنا لغونهايم، أعجبنا كثيراً بما يقدمه مهرجان فن الشارع هناك، ونتطلع إلى إقامة شراكة بين المشروعين، بحيث يشارك فنانون من غونهايم في جربة، ويحل فنانون من جربة ضيوفاً على مهرجان غونهايم. ف أجمل أشكال الحوار بين الثقافات تنشأ عندما يجتمع الناس حول الفن."

ومن شأن هذه المبادرة، إذا رأت النور، أن تفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثقافي بين البلدين، وأن تمنح الفنانين العرب حضوراً أوسع في المحافل الدولية.

بعد أكثر من أربعين عاماً على وصوله إلى ألمانيا ، لم يعد هادي كنيس مجرد مهاجر نجح في بناء حياة مستقرة، بل أصبح نموذجاً لشخص جعل من تجربته الفردية مشروعاً لخدمة الآخرين، دون أن يقطع صلته بوطنه الأم، بل جعل منها جسراً للتقارب بين الثقافتين التونسية والألمانية.

حقوق النشر: مهاجر نيوز

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار