آخر الأخبار

هل الرواية العربية متعددة الأصوات حقا أم مجرد تزييف سردي؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لطالما كان المبدع الناقد أكثر النقاد حرية في طرح أكثر القضايا طرافة وجرأة، لأنه يتحرك في حقلين يبدوان في الظاهر متباينين، هما الإبداع والنقد. فهو في الإبداع متحرر من الضوابط، يمنحه التجريب مساحة واسعة من الحرية، وهو في النقد متحرر من إكراهات البحث الأكاديمي.

ففي داخل كل مبدع ناقدٌ يوجّهه ويصارعه في رحلة الكتابة والتحرير، وفي داخل كل ناقد مبدعٌ يسعى ليكون عينه التي يتجسّس بها على العملية الإبداعية التي أنتجت النص، ذلك النص الذي يتولى نقده.

من هذا المنطق يمكن فهم إسهامات ميلان كونديرا وكولن ولسن وهنري جيمس وجان بول سارتر وأنيس نين، وعربياً يمكننا أن نفهم عبد الفتاح كيليطو ونبيل سليمان، بل حتى المنتمين إلى الحقل الأكاديمي مثل محمد برادة وصلاح الدين بوجاه ووليد الخشاب ومحمد عبيد الله. وثمة كتّاب نقرأ رؤيتهم النقدية في شهاداتهم أو حواراتهم، مثل إرنست همنغواي وبول أوستر وإرنستو ساباتو وجوزيه ساراماغو ومحمد شكري.

كما يظهر صوت الناقد عند بعضهم في يومياتهم، مثل جون شتاينبك وأندريه جيد؛ فليس من مبدع حقيقي لا يفكر نقدياً.

من هذه النافذة يمكننا أن نقرأ كتاب الروائي المغربي محمد سعيد احجيوج "البوليفونية الزائفة في الرواية العربية: محاولات في التفكير النقدي"، الصادر عن دار العين. ففيه يكشف الكاتب عن وجهه الناقد، ويشتبك مع المنجز الروائي العربي حين يضعه على محك واحد من أهم إنجازات التنظير الروائي الغربي وأكثرها تردداً، وهو البوليفونية.

استعار النقد الأدبي هذه الكلمة من قاموس الموسيقى، وهي تعني تعدد الأصوات، في مقابل المونوفونية، أي النغم الواحد. ولعل أول من نقلها إلى عالم الأدب من المبدعين هو ميلان كونديرا في كتابه "فن الرواية". أما من نظّر لها لسانياً فهو اللساني الروسي ميخائيل باختين في بحوثه حول فيودور دوستويفسكي، حين استعمل كلمة مرادفة لها هي "الحوارية"

ما البوليفونية؟

استعار النقد الأدبي هذه الكلمة من قاموس الموسيقى، وهي تعني تعدد الأصوات، في مقابل المونوفونية، أي النغم الواحد. ولعل أول من نقلها إلى عالم الأدب من المبدعين هو ميلان كونديرا في كتابه "فن الرواية". أما من نظّر لها لسانياً فهو اللساني الروسي ميخائيل باختين في بحوثه حول فيودور دوستويفسكي، حين استعمل كلمة مرادفة لها هي "الحوارية". وبهذه الحوارية ميّز الخطاب الروائي عن الشعري؛ فهي مطلوبة في الرواية وغائبة عادة عن الشعر. ذلك أن خطاب الرواية، في رأيه، هو خطاب الشخصيات، بينما خطاب الشعر هو خطاب الشاعر نفسه، فالصوت فيه صوته لا صوت غيره.

إعلان

ومنذ ظهور كتاب كونديرا وترجمة كتب باختين، صارت عبارات "البوليفونية" و"الحوارية" و"تعدد الأصوات" تتردد كثيراً في الأعمال النقدية العربية، حتى تحوّلت عند بعضهم إلى لازمة يكررونها دون وعي حقيقي بها. وفي المقابل، ظل الروائي العربي، منذ وصول ترجمة رواية "الصخب والعنف" لويليام فوكنر، يحاول أن يجد لهذه التقنية مكاناً في تجربته. وهذا هو الامتحان الذي وضعه احجيوج للمنجز الروائي العربي، إذ ساءله وفق قوانينه.

فهل توجد فعلاً بوليفونية في الروايات العربية التي تبدو في ظاهرها معتمدة على تعدد الأصوات؟ أم أنها مجرد روايات أحادية الصوت (مونولوجية) متخفية؟

تعدّد الأصوات الزائف

في ثمانية فصول ومقدمة وخاتمة، جمعها كتاب يقع في 190 صفحة، ينسف احجيوج البوليفونية في الخطاب الروائي العربي، ويصفها بأنها بوليفونية زائفة. وجاءت عناوين فصوله دالّة على مقصده، ومنها "محاولة في تعريف البوليفونية الزائفة"، و"إشكاليات الراوي والمروي له في رواية الكرنك لنجيب محفوظ"، و"ظلال القرآن وإرث الشفاهية"، و"القراءة الكسولة"، و"سلطة الحكاية"، و"اللغة المقدسة في الرواية العربية"، و"رحلة البحث عن الخلود".

ينطلق احجيوج في طرح إشكاليته من المقارنة بين الناقد وهو يفحص الكتب والناقد وهو يفحص النقود. فنقد الدراهم، لغةً، تمييزٌ بين الزائف والأصيل؛ فهل وظيفة الناقد أن يفرز الأدب الجيد من الرديء؟ ومن يملك أصلاً معيار الجودة؟ أهو الذوق، أم السوق، أم التاريخ، أم النظرية؟

ويفتح هذا السؤال الأول الباب أمام عشرات الأسئلة عن النقد والناقد، وعلاقته بالتفسير والتأويل، وتحوّلات التلقي، وجدوى قراءة الأدب وتداوله في عالم صار محكوماً بكل ما هو زائف وملتبس ومبتذل.

ويرى الناقد أننا انتقلنا من زمن الروائي الأصيل إلى زمن "الميديوكر" أو الروائي الزائف، بسبب طوفان الإنتاج الذي لا يجد من يقيّمه ويميز غثّه من سمينه.

يرى الناقد أننا انتقلنا من زمن الروائي الأصيل إلى زمن "الميديوكر" أو الروائي الزائف، بسبب طوفان الإنتاج الذي لا يجد من يقيّمه ويميز غثّه من سمينه.

ويرى أن المشكلة الأساسية أعمق من مجرد التراكم الكمي؛ فهي تضرب آليات الفرز نفسها. ويتهم صنفاً من الروائيين يجيدون قراءة السوق الثقافي ومتطلباته، بأنهم انشغلوا بإتقان أدواته حتى أهملوا هوية الروائي والرواية معاً، فيقول:

"يفهم هذا الروائي، بذكاء تجاري محض، طبيعة السوق الثقافي ومتطلباته، ويعرف بدقة ما يريده النقاد والصحفيون المنفذون، وما تبحث عنه لجان الجوائز في اختياراتها، وما يتوقعه القراء من الأعمال التي يقبلون عليها.

لكنه ينسى، أو يتجاهل، أو حتى يجهل، أن الرواية الحقيقية ليست بضاعة تجارية قابلة للمقايضة، بل اكتشاف وجودي عميق ومعقد يتطلب الجرأة الاستثنائية والصدق المطلق والاستعداد التام لدفع الثمن الباهظ لهذا الاكتشاف. وهنا نصل إلى قلب المفارقة المؤلمة: فبينما يدّعي هذا الروائي الزائف أنه يكتب "الرواية الأدبية"، نجده في الحقيقة ينتج شكلاً مقنعاً من الأدب الاستهلاكي، مغلفاً بطبقة رقيقة من التعقيد الظاهري والجمالية".

إعلان

ويرى الناقد أن هذا الروائي الزائف مثقف تكنوقراطي يعرف من أين تؤكل الكتف، لكنه يهمل المفهوم الذي منحه ميلان كونديرا للرواية وأدوارها الرئيسية حين كتب أن "المبرر الوحيد لوجود الرواية هو أن تقول ما تستطيع الرواية وحدها أن تقوله".

ويرى احجيوج أن البوليفونية الزائفة في الرواية العربية، أي ادعاء تعدد الأصوات بينما لا يتردد في النص إلا صوت الكاتب، ما هي إلا نموذج من زيف أوسع يطال كل ادعاءات "التعددية" و"الحداثة"، ومثال صغير على تفسّخ المشهد الثقافي كله.

ويرى احجيوج أن البوليفونية الزائفة في الرواية العربية، أي ادعاء تعدد الأصوات بينما لا يتردد في النص إلا صوت الكاتب، ما هي إلا نموذج من زيف أوسع يطال كل ادعاءات "التعددية" و"الحداثة"، ومثال صغير على تفسّخ المشهد الثقافي كله

ولعل هذا الكتاب، بما يشي به بين سطوره، من الكتب النقدية النادرة التي ربطت بين الواقع العربي الاجتماعي والسياسي والثقافي وواقع أدبه. وهو يذكّرنا بكتابَي "الثقافة والإمبريالية" لإدوارد سعيد، و"الأيديولوجيا العربية المعاصرة" لعبد الله العروي.

فالكاتب هنا يقف مفكّراً في الكتابة، لا سارداً لها ولا مستعيداً لخطابها. وهو يحاول أن يواجه نفسه روائياً قبل أن يواجه الآخرين؛ فهو في قلب السوق التي ينتقدها، ومنخرط في الخطاب الحداثي للرواية العربية، ومشارك في جوائز المشهد الثقافي الذي ينتقده.

ولا نرى في ذلك تناقضاً، بل لحظة ضرورية يحتاجها كل كاتب حقيقي حين يعيد التفكير في العالم من حوله وفي منجزه ومساره، ولو تقنّع بنصوص الآخرين، ليراجع نفسه ويذكّرها بأن بوناً شاسعاً يفصل بين ما نعلمه وما ندعيه، وبين ما نمارسه وما ننتجه.

وهذه القسوة التي يمارسها احجيوج، والتي تطاله هو بالضرورة، تعمل في المشهد الثقافي عمل الرجّة التي يحتاجها كل روائي عربي ليعيد قدميه إلى الأرض، مهما كانت تجربته ومهما حقق من نجاح عربي. فإنتاج الرواية في عالمنا العربي، مع غياب المحررين الأدبيين المحترفين ودور النشر التي تضاهي المقاييس العالمية، والمشهد النقدي الحقيقي والإعلام الثقافي المختص، لا يمكن أن يكون إلا إنتاجاً محدود القيمة و"مليئاً بالثقوب"، على حدّ عنوان رواية "العيشة المرذولة أو حياة مليئة بالثقوب" للمغربي العربي العياشي.

وهذا ما يرفع من قيمة الكتاب، باعتباره عملاً جدلياً يفتح نقاشاً فكرياً حقيقياً حول واقع الرواية العربية اليوم.

ويقف الكاتب من أفكاره موقف المتواضع؛ فهي وإن كانت قاسية، يردفها باعتراف بمبدأ النسبية. فالنقد في جوهره محاولة ومقاربة، لا فعل استيلاء، ورحلة استكشاف لا إعلان انتصار ويقين.

تحطيم المقدسات

يعيش المشهد الثقافي العربي، منذ مطلع القرن العشرين، حالة أشبه بجاهلية ثانية؛ فقد نصب سدنته معبداً ضخماً، وراحوا كل عام يشيّدون فيه تمثالاً جديداً لربّ معصوم، يضعونه ليزوره الناس مؤمنين به، رافضين أي تشكيك فيه.

ولعل خير ما يجسّد هذا المشهد ذلك البرنامج الذي استضافت فيه ليلى رستم طه حسين، ليواجه أسئلة عدد كبير من المثقفين والمبدعين المصريين. كان الحوار سوريالياً؛ إذ راح طه حسين، المعمّد بلقب "عميد الأدب العربي"، يجيب بشيء من الازدراء والتسخيف عن كل سؤال يطرحه عليه ضيوفه، ومنهم يوسف السباعي وثروت أباظة وأمين يوسف غراب وعبد الرحمن الشرقاوي ونجيب محفوظ ومحمود أمين العالم وأنيس منصور وكامل زهيري وعبد الرحمن صدقي وعبد الرحمن بدوي.

وهذا الإرث جعل المشهد الأدبي العربي يتربّى على تقبّل كل شيء؛ فما تكرّسه المؤسسة علينا أن نتبنّاه ونؤمن به، وأن نرفض المساس به أو مناقشة أعماله أو وضعها موضع تساؤل نقدي. ويسري هذا على كل كاتب عربي كُرِّس في بلده، من طه حسين ونجيب محفوظ في مصر، إلى محمود المسعدي في تونس، وغازي القصيبي في السعودية، ومحمد مهدي الجواهري في العراق، وعبد الله البردوني في اليمن، ومحمود درويش في فلسطين، وميخائيل نعيمة في لبنان، ومحمد زفزاف في المغرب، وعبد الحميد بن هدوقة في الجزائر، وإسماعيل فهد إسماعيل في الكويت.

إعلان

ويأتي هذا الكتاب ليتحرر من ذلك كله، فيضع واحدة من روايات نجيب محفوظ موضع المساءلة النقدية في موضوعه الأساسي، وهو البوليفونية.

نجيب… متهماً

بدأ الكاتب الفصل بالاعتراف بصعوبة مواجهة رواية لمحفوظ، الكاتب العربي الوحيد الحائز جائزة نوبل؛ فالمتحصّل على الجوائز في مشهدنا العربي يتحوّل إلى متحصّن بها. ولذلك يرى احجيوج أن الاقتراب النقدي من نص لمحفوظ يتطلب جرأة، بل قد يُوصف بالعبث والتهور، وهو يربط ذلك بالواقع الثقافي العربي الذي يفتقر إلى "الجرأة النقدية".

ومع ذلك يمضي في مغامرته كاشفاً مواطن الضعف في رواية محفوظ، بدءاً من أزمة الراوي والمروي له، ليؤكد أن محفوظ ليس معصوماً من الأخطاء الفنية رغم ما قدّمه من أعمال عظيمة. ومن حججه في مساءلة الرواية أنها لم تُكتب في شباب محفوظ، بل بعد أن تجاوز الستين وراكم خبرة طويلة وتجارب ناضجة. وقد انصبّ نقده على اضطراب توظيف الراوي الداخلي والراوي الخارجي في العمل، وكذلك المروي له، الذي ليس هو القارئ خارج النص.

فالراوي، وفق هذا التصور، عليه أن يغيّر نبرته ومستوى لغته مع كل مروي له، متعلماً كان أم أمياً، طفلاً أم كهلاً. وهذا ما سماه باختين في كتابه عن نظرية الرواية "الأسلبة"، حيث تتمايز مستويات الكلام بحسب مستوى الراوي من جهة، ومستوى المروي له من جهة أخرى، وهو مستوى تحدده طبقته العمرية والعلمية والاجتماعية والوظيفية والمهنية والذهنية.

وهذا ما لم يجده احجيوج في رواية "الكرنك" ذات النبرة الواحدة والخطاب الواحد، رغم أن فضاءها – مقهى الكرنك – كان يُفترض أن يكون متعدد الأصوات، ورغم أنها بدأت بمطلع ذكي عدّه الناقد واعداً، يحمل كل مقومات التأسيس السردي الناجح.

فالراوي المشارك في الأحداث يتراجع فجأة عن دوره ويتخلى عن مكانته ليصبح في موضع المتلقي، بينما تأخذ الشخصيات الأخرى تعترف له بأدق تفاصيل حياتها وأسرارها دون أي مبرر سردي أو تمهيد. ويرى الناقد في ذلك خللاً سردياً واضحاً، إذ يغيب "المبرر الدرامي" لكل هذه الاعترافات المجانية التي يبوح بها رواد المقهى لشخص طارئ عليهم. وهذا ما يُفشل عملية التلقي والإيهام بالواقعية، فيظل القارئ يستحضر طوال الوقت الكاتب المهيمن على النص.

وقد سقط الراوي في الوعظ الصريح والخطاب المباشر، حتى باتت الرواية أقرب إلى المقال السياسي. ويرصد الناقد أيضاً اضطراب الكاتب في إدارة شخصياته وعددها وزمن دخولها الأحداث. ويبرهن على أحادية الخطاب وزيف تعدد الأصوات الظاهر بأن يضع خطابات الشخصيات متجاورة في مقاله، فتنكشف وحدة مستواها اللغوي، وهو ما يهدم البوليفونية التي يدّعيها النص وكاتبه.

إن كتاب "البوليفونية الزائفة في الرواية العربية" عمل نقدي فكري ذكي، تحتاج كل دراسة فيه إلى وقفة خاصة لزحمة الأفكار التي يطرحها، خاصة أنه يتخذ من الرواية عتبة يتوسع منها إلى خطابات أخرى غير روائية. والحق أن النقد المغربي، ولا سيما النقد الذي يمارسه المبدعون، عوّدنا في كل مرة على خطابات جريئة كهذه. ويكفي أن نتذكر كتاب "غواية الشحرور الأبيض" لمحمد شكري، حين نقد نقداً لاذعاً الكاتب العربي واختياراته وأسئلته، وخاصة كتابات إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ووفيق العلايلي، ورأى أن القارئ العربي هجرهم، وأنه "لم يعد اليوم يقرأهم إلا الذين لم يتخلصوا بعد من مراهقة الكبت الجنسي وعقدة الدونية تجاه الطبقة البرجوازية". كما عدّ أدبهم أدباً ساذجاً، وصبّ في كتابه جام غضبه على تسليع الأدب والكتابة تحت الطلب، وكان مثاله الطاهر بن جلون. واتهم الأدب العربي بالإقليمية وبالبعد عن القضايا الإنسانية، وهو ما جعله في نظره أدباً متخلفاً.

ويبقى الطريف أن هذه الأصوات الجريئة في نقد المنجز العربي تأتي، للمرة الثانية، من طنجة المغربية، من محمد شكري ومحمد احجيوج. فهل ما زالت طنجة مستميتة في الحفاظ على وجهها الدولي، ولو على نحو استعاري؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار