باريس – على تخوم اللغة حيث تتواشج التجربة بالحلم وتتشابك الذاكرة بالخيال، يكتب أبوبكر العيادي نصوصه كما لو أنه يعيد ترتيب وتشكيل العالم من الداخل قطعةً قطعة، فتخرج كلماته أسئلة وجودية قلقة وتأملات فكرية تحض على الغوص في خبايا الذات البشرية واكتشاف العالم والآخر من خلالها.
ومع مسافة الغربة التي اختارها في باريس منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تتسع زاوية الرؤية لديه لتمنحه حسًّا مضاعفًا بالذات وبالآخر، وتستحيل الكتابة عنده محاولة هادئة لالتقاط أثر الفراشة الذي لا يُرَى وأثر الإبداع الذي لا يزول.
وعلى امتداد تجربته التي تجاوزت المئة عمل، قدّم العيادي (المولود في تونس عام 1949) مشروعًا إبداعيا متنوعًا تتقاطع فيه الأصوات والأجناس والرؤى، وظل خيطه الناظم دفاعاً هادئاً ومُصرّاً عن إنسانية الإنسان، وانشغالاً دائماً بأسئلة الحرية والفكر والانفتاح على الآخر.
طريق الرّحالة خير من غايته
في هذا الحوار، يتحدث العيادي عن أدب الرحلة بوصفه فعل ترميم للذات، وعن الترجمة كرحلة موازية، مقدماً تفكيكاً لخطاب الاستشراق ومساءلة للحداثة، وصولًا إلى تأملاته في الثورة التونسية ومآلاتها.
رحلات سيلفان تيسون الأخرى كانت مغامراتٍ ورغبةَ استكشافٍ وتحدّيًا، وإشباعًا لميل فطريّ تقريبًا إلى عيش حياة غير التي يحياها معاصروه. بخلاف هذه الرحلة، التي كانت أشبه بنذر، فقد عاهد نفسه وهو لا يزال طريح المستشفى بعد حادث كاد يودي بحياته، على عبور فرنسا مشيًا، على عكّازين، من حدودها مع إيطاليا إلى بحر المانش، عبر طرق منسية.
هنا، يمكن الحديث عن ترميم الذات، ومحاولة إحياء جسد محطّم، لا يريد صاحبه الاعتراف بأنّ حركته ستتقلّص حتما في قادم الأعوام. لأنّ الذهن لا حدود لتطلعاته، فيما الجسد محكوم بقوانين أرضية. ثمّ إنّ طريق الرّحالة خير من غايته.
رحلات سيلفان تيسون الأخرى كانت مغامراتٍ ورغبةَ استكشافٍ وتحدّيًا، وإشباعًا لميل فطريّ تقريبًا إلى عيش حياة غير التي يحياها معاصروه. بخلاف هذه الرحلة، التي كانت أشبه بنذر، فقد عاهد نفسه وهو لا يزال طريح المستشفى بعد حادث كاد يودي بحياته، على عبور فرنسا مشيًا، على عكّازين، من حدودها مع إيطاليا إلى بحر المانش، عبر طرق منسية.
تيسون أديب قبل أن يكون رحّالة، فهو لم يكتف بتدوين رحلاته ونشرها (المشي في السّماء، نزهة فروسية في السّباسب، محور الذئب)، بل استوحى منها أيضًا أعمالا نال عنها أهمّ الجوائز الفرنسية. هو يعيش اللحظة بامتلاء، ويقول في هذا الصّدد: "لست أهرّئ نعليّ حبّا في العذاب، وإنّما لأنّ البطء يكشف لي عن أشياء تخفيها السّرعة."
ترجمتُ له ثلاثة أعمال (آخرها "بيريزينا" عن هزيمة جيش نابليون)، أعسرها هذا الذي نتحدث عنه، لإمعانه في وصف أرياف فرنسا وتفاصيلها، فضلًا عن حديثه عن الحادث الذي تعرض له وخلّف له شللًا نصفيًّا في الوجه، ممّا استوجب مزيدا من التثبت والتدقيق.
"لست أهرّئ نعليّ حبّا في العذاب، وإنّما لأنّ البطء يكشف لي عن أشياء تخفيها السّرعة"
جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة التي بعثها المركز العربي للأدب الجغرافي "ارتياد الآفاق"، تشمل الأعمال المحققة والموضوعة والمترجمة في أدب الرحلة. قيل إن حكايات "كليلة ودمنة" ترجمها ابن المقفع عن وزير فارسي نقلها بدوره عن الهندي بيدبا، ولكننا لا نذكرها إلا مقرونة باسمه.
"أهمّية هذه الجائزة أنها تعرّف برحالة كثر، وتنفض أغبرة النسيان عن آثار إبداعية نادرة تزيدنا معرفة بأحوال الأمم. فهي لا تحتفي بالرحلة كتنقّل جغرافيّ فقط، وإنّما تعيد ترسيخها كفعل معرفيّ وتبادل ثقافي، لتتحول إلى جسر حيّ للحوار."
أندريه ميكيل يرفض أن يُنعت بالمستشرق، ويصرّ على كونه مستعربًا عشق اللغة العربية منذ شرخ الشّباب، وعمل على تحقيق عيون مدونتها. هذا الكتاب، الذي وضعه قبيل وفاته، يلخص مسيرة غلب عليها عشقه للأدب بمفهومه العربي القديم الذي يلخّصه في ثلاث سمات: معرفة السلوك السويّ، معرفة القول البليغ، ومعرفة البحث عن المنابع الحقيقية للفكر.
وهو عشق جعله لا يكتفي بترجمة أمّهات الكتب، إذ صاغ بلغة الضاد أشعارًا نشرها مفردة أو مقابل نظيرتها الفرنسية. لم أجد في ترجمة الكتابين ما يعارض موقفي من حضارتنا، فالرّجل يدافع عنّا بلسان أفصح من لساننا.
الاستشراق، كما يقول مكسيم رودنسون، ليس كتلة واحدة، والمستشرقون ليسوا فريقًا واحدًا؛ وبالتالي فإن التعميم لا يمكن أن يؤخذ كأساس للاتهام. لا بدّ من الإقرار بأن المستشرقين أدّوا دورا كبيرا في إحياء التراث الإسلامي وحفظه من الضياع، ووفروا مادة أولية للبحوث، كالألماني كارل بروكلمان، والإيطالي فرنشيسكو غابرييلّي، والفرنسي إيفاريست ليفي بروفنسال، فضلا عن "المستعرب" أندريه ميكيل.
لكن هذا لا ينفي أن الاستشراق له طبيعته البنيوية كجهاز معرفي يتقاطع فيه العلم بالسياسة والأيديولوجيا. لقد بيّن إدوارد سعيد بوضوح أن الاستشراق نمط تفكير يقوم على افتراض تفوّق الذات الأوروبية.
"لا ينبغي أن ننشغل كثيرًا بالكيفية التي يرانا بها الغرب، بل بكيف ننتج وعينا بذاتنا. المأزق لا يكمن في صورة الشرق لدى الغرب، بل في تأخر الوعي التاريخي العربي عن استيعاب شروط الحداثة، ولا بد من تحرير العقل من سلطة الأرثوذكسية."
عملي الترجمي فيه محاولة لتقريب وجهات النظر؛ أما عملي الفكري، ففيه نقد لنظرة استشراقية استعلائية لا تزال قائمة، وإن اتّخذت وجه الإسلاموفوبيا. أنا "ممرّر"، أحاول أن أنقل الوجه المضيء للثقافة ما بين الضّفتين لتبديد سحب الاختلاف.
العنوان يعني أن يكون الإنسان سيّد نفسه (Autonomos أصلها يونانيّ: أنا قانون نفسي). السؤال الذي تطرحه هذه الرواية، وهي التاسعة في رصيدي: هل يستطيع الإنسان أن يظلّ وفيًّا لمبدأ اختاره، أم ثمّة عوامل تفرض عليه أن يحيد عنه بوصفه كائنًا اجتماعيًّا؟ تستعرض الرّواية مصائر ثلاثة شخوص حكمت عليها ظروف ذاتيّة وموضوعيّة بإعادة النّظر في قناعاتها، وتناقش سؤالا جوهريّا: إلى أيّ مدى يمكن للإنسان أن يكون حرًّا في قراراته في عالم يمور بالتّحوّلات؟
لمن عاب عليّ غزارة إنتاجي، أذكّر بأن السّيوطي، الذي توفّي في سنّ الخمسين، ترك 561 عنوانًا، دون حاسوب وطابعة وإنترنت.
كتبي، التي تتجاوز المائة، ليست كلّها إبداعية. نصفها تقريبا ترجمات لعيون الأدب العالمي، والباقي موزع بين التعريف بموروثنا الشفويّ لقارئ فرنسيّ، والمقالة الفكرية، والسرد.
أنا حرّ في اختياراتي، ولا أهتمّ بالصّورة التي قد يحملها القارئ عنّي. أمّا عن التوازن، فحسبي أني حزت جوائز محلية وعربية في كل الأجناس التي كتبت فيها لحرصي على إتقان كلّ عمل. ولمن عاب عليّ غزارة إنتاجي، أذكّر بأن السّيوطي، الذي توفّي في سنّ الخمسين، ترك 561 عنوانًا، دون حاسوب وطابعة وإنترنت.
الخيط الرابط هو إعلاء القيم النبيلة، والدفاع عن إنسانية الإنسان حيثما كان. الترجمة إفادة؛ والعمل الصحافي أداة لبلوغ الحقيقة؛ أما الإبداع فقد جعلته مطية لتصوير التحولات المجتمعية في تونس، ومعاناة العرب في الهجرة، وفضح الدجل السياسي باعتباره علّة تخلفنا وعائق دخولنا الحداثة.
تناولت الثورة التونسية في رواية "ورقات من دفتر الخوف" وفي مجموعة "جمر كانون"، وجعلت تبعاتها خلفية لأعمالي الأخيرة. وهي تبعات تكاد تتلخص في الكيفية التي أجهِضت بها الثورة، واستولى عليها من أسميتهم "ثوّار الساعة الخامسة والعشرين".
ثورة الكرامة ما زالت موضوع جدل وقد صدرت فيها مؤلفات كثيرة، إلا في المتن السردي فهو نادر جدا، إذ خيّر الكتاب الابتعاد عن الراهن ومراجعة التاريخ.
الثورة أطفئت تماما ورُدمت تحت أكوام من الرماد؛ وهذا منذر باشتعالها من جديد. فلئن كان الجور يوقد شرارة الانتفاضات، فإن تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى الدرك الذي وصلت إليه، قد يُشعل البلاد من جديد
بل أُطفئت الثورة تمامًا، ورُدمت تحت أكوام من الرماد. وما نشهده اليوم تنكّر حقيقيّ للمبادئ التي قامت عليها، وارتداد إلى حكم فرديّ مطلق، كان من نتائجه تراجع الحريات والأزمة الاقتصادية الخانقة، التي بدأت تدفع بالنّاس إلى التذمّر والتململ، وحتى التظاهر في الشارع.
"هذا منذر باشتعالها من جديد. فلئن كان الجور يوقد شرارة الانتفاضات، فإن تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى الدرك الذي وصلت إليه، قد يُشعل البلاد من جديد.. فليس أخطر من شعب لم يعد لديه ما يخسر."
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة