آخر الأخبار

كيف أسهم أدب الرحلة في توثيق العادات والتقاليد عبر العصور؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يتزايد الاهتمام في العالم العربي بأدب الرحلة وإعادة نشر نصوصه التراثية ودراستها، وتكثر الدراسات التي تتناول ذلك الجنس الأدبي الذي يُعد من أبرز الأشكال الأدبية التي تعكس تجارب الإنسان في استكشاف المجهول، وتوثيق العادات والتقاليد، وتبادل الثقافات.

وقد أثرى كُتّاب وباحثون المكتبة العربية بالكثير من الإصدارات التي اهتمت بذلك الجنس الأدبي، وعدّته من أهم الأجناس الأدبية التي أسهمت في توثيق العادات والتقاليد عبر العصور، حيث يقوم الرحالة بدور الراوي الذي ينقل مشاهداته وانطباعاته عن المجتمعات التي يزورها، مستخدما أساليب سردية متنوعة تعكس رؤيته وثقافته الخاصة. فالرحالة ليس مجرد ناقل محايد للمعلومات، بل هو عنصر أساسي في تشكيل الخطاب الرحلي، إذ يتداخل السرد الذاتي مع التوثيق الواقعي ليخلق نصا أدبيا يجمع بين المعرفة والتجربة الشخصية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 كتابة الذات وشعرية النثر في تجربة أمجد ناصر
* list 2 of 2 من نابلس إلى القدس: رحلة روائية تسرد تاريخ فلسطين عبر شخصية الإمام علي النابلسي end of list

ويأتي كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، لمؤلفه الدكتور عبد الحكيم خليل سيد أحمد، ضمن تلك الإصدارات التي تدور في فلك أدب الرحلة، وتغوص في عوالم الرحالة وكتاباتهم التي يروون فيها تفاصيل رحلاتهم ومشاهداتهم خلال تنقلهم بين البلدان.

يتحدث الكتاب عن الراوي في أدب الرحلة بوصفه وسيطا بين القارئ والعالم الموصوف، حيث تتباين أنماطه بين الراوي العيان الذي يصف ما يراه بحيادية، والراوي المتفاعل الذي يشارك في الأحداث ويؤثر في تفاصيلها. وتُبرز الرحلات الكلاسيكية مثل "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" لابن بطوطة، مدى تأثير منظور الرحالة في وصفه للعادات والتقاليد، حيث تمثل ملاحظاته انعكاسا لرؤيته الثقافية والدينية.

ووفقا لمقدمة الكتاب، فإن عملية تمثيل العادات والتقاليد في الرحلات لا تخلو من الذاتية والتأويل، إذ يعمد بعض الرحالة إلى مقارنة المجتمعات التي يزورونها بثقافتهم الأصلية، ما قد يؤدي إلى تكوين صور نمطية أو أحكام قيمية. فعلى سبيل المثال، في "الرحلة إلى أوروبا" للطهطاوي، يظهر الراوي مندهشا من بعض العادات الفرنسية التي يراها متناقضة مع الأخلاق الشرقية، لكنه في الوقت ذاته يعترف ببعض جوانب التقدم لديهم.

إعلان

كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، الصادر عن معهد الشارقة للتراث، ينطلق من تساؤلات رئيسة حول طبيعة الدور الذي يؤديه الراوي في تصوير العادات والتقاليد في أدب الرحلة، ومدى تأثير خلفيته الثقافية في رؤيته للأحداث، كما يحاول استكشاف التقنيات السردية التي يوظفها الرحالة في نقل تجاربهم، عبر دراسة مجموعة من النصوص الكلاسيكية والحديثة في أدب الرحلة.

منهجية الكتاب

وتعتمد منهجية هذا الكتاب على تحليل السرد الرحلي من منظور السرديات، مع الأخذ بعين الاعتبار مقاربات الدراسات الثقافية والأنثروبولوجيا الأدبية في فهم تمثيل العادات والتقاليد عبر الرحلة.

وقد أورد لنا المؤلف قائمة بأهم الدراسات المرتبطة بموضوع كتابه هذا، وهي: "السرديات: مفاهيم وتطبيقات" لعبد الله إبراهيم، وهو كتاب يُناقش مفهوم السرديات بشكل عام، ويحلل الأدب الرحلي بوصفه نوعا من السرد، ويشرح كيف يؤثر السرد الرحلي في نقل الثقافة والتقاليد عبر العصور.

و"تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" لابن بطوطة، وهو كتاب يشتمل على العديد من أوصاف الرحالة حول العادات الاجتماعية والاحتفالات في المجتمعات التي زارها، وهو مثال حي على كيفية نقل الرحالة تفاصيل الحياة اليومية.

و"نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للإدريسي، ويتناول وصف المؤلف للمناطق الجغرافية المختلفة وكيفية تأثيرها في فهم الثقافات والعادات، كما يناقش دور السرد الرحلي في توثيق الأماكن.

و"تخليص الإبريز في تلخيص باريز" لرفاعة رافع الطهطاوي، ويتضمن هذا الكتاب مقارنات ثقافية بين العادات الأوروبية والعربية، ويقدم مثالا على السرد النقدي في الرحلات الأدبية.

و"عادات المصريين المحدثين" لإدوارد وليام لين، ويتناول الكتاب أوصاف رحلة إدوارد وليام لين إلى مصر، ويركز على توثيق العادات والممارسات الاجتماعية بشكل استشراقي.

و"رحلات ماركو بولو" لماركو بولو، ويركز هذا الكتاب على وصف أساليب الحياة في آسيا عبر السرد الرحلي، ويعرض نماذج عدة للثقافات والتقاليد التي عاش فيها المؤلف.

و"الرحلة والترحال في الثقافة العربية" لسعيد يقطين، ويناقش هذا الكتاب تطور أدب الرحلة في الثقافة العربية وارتباطه بالسرد الرحلي والتوثيق الثقافي للآخر.

محتوى الفصول

كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، يبدأ بمقدمة شاملة حول أدب الرحلة، توضح تطوره عبر العصور، وأهمية الراوي في تشكيل النصوص الرحلية. وفي المقدمة يشير المؤلف إلى أن فهم العلاقة بين الرحلة والتوثيق الثقافي يُعد أمرا جوهريا، حيث يسهم في تعزيز الروابط بين الشعوب ويعكس التنوع الثقافي الذي يميز كل مجتمع.

كما يتناول الكتاب دور الرحالة في نقل العادات والتقاليد بين الثقافات، مما يبرز كيف أن هذه الرحلات لم تكن مجرد تنقلات جغرافية، بل كانت أيضا جسورا للتواصل الفكري والاجتماعي.

وبينما حمل الفصل الأول عنوان "مدخل إلى أدب الرحلة والسرد الرحلي"، جاء الفصل الثاني بعنوان "أنماط الراوي في أدب الرحلة"، ويتناول فيه المؤلف دور الراوي في الرحلة، ويستعرض أنواعا مختلفة من الرواة، مثل الراوي العيان، والراوي المتفاعل، ما يتيح للقارئ فهم كيفية تأثير الخلفية الثقافية للراوي في وصفه للعادات والتقاليد.

إعلان

أما الفصل الثالث، فركز فيه المؤلف على تقنيات السرد المستخدمة في نقل العادات والتقاليد، حيث يبرز أهمية الأساليب السردية المتنوعة والتفاعل بين الراوي والمجتمع المحلي. وأكد فيه أن هذه التقنيات ليست مجرد أدوات أدبية، بل هي وسائل تعزز من فعالية نقل التجارب الإنسانية.

وفي الفصل الرابع، يُقدم لنا الكتاب تحليلا تفصيليا لصور من العادات والتقاليد في أدب الرحلة، حيث يستعرض العادات الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية، مما يتيح للقارئ فهما أعمق للتراث الثقافي الذي تم توثيقه عبر العصور.

وفي الفصل الخامس، يتم تحليل تأثير الخلفية الثقافية للراوي في تمثيل العادات، بينما يعرض الفصل السادس دراسة تحليلية لنماذج مختارة من الرحلات الشهيرة مثل رحلة ابن بطوطة، مما يعكس كيف أسهمت هذه الرحلات في حفظ التراث الثقافي.

ويناقش الفصل السابع أثر أدب الرحلة في حفظ التراث الثقافي وتشكيل الوعي الحضاري.

وفي الفصل الثامن "عادات وتقاليد المصريين بمرآة الرحالة ابن بطوطة"، يتم استكشاف رحلة ابن بطوطة إلى مصر، حيث يقدم وصفا دقيقا لعادات أهل مصر وتقاليدهم، كما يتناول الكتاب صورة المرأة المصرية عند ابن بطوطة، مما يعكس كيف كان يُنظر إلى المرأة في تلك الفترة. ويُبرز أيضا البعد الصوفي في رحلة ابن بطوطة لمصر، مما يضيف عمقا روحيا إلى تجربته.

ويختتم الكتاب بالفصل التاسع الذي يتناول "أطلس الرحالة العرب والمسلمين عبر العصور"، حيث يتم تصنيف الرحلات من حيث النوع والهدف، إضافة إلى تصنيفها من حيث الأماكن الجغرافية. هذا الفصل يُعد مرجعا مهما لفهم التنوع في تجارب الرحالة وكيفية تأثيرها في الثقافة العربية والإسلامية.

كتاب "الراوي في أدب الرحلة: تمثلات العادات والتقاليد عبر السرد"، يُمثل محاولة للإجابة عن إشكاليات جوهرية تتعلق بدور الراوي في تشكيل الصورة الثقافية للمجتمعات المختلفة، عبر توثيق العادات والتقاليد بأساليب سردية متباينة. ومن خلال تحليل نصوص الرحالة من مختلف الفترات التاريخية، يسعى الكتاب إلى تسليط الضوء على ديناميكيات السرد الرحلي ودوره في التفاعل بين الثقافات.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار