آخر الأخبار

من ضجيج المولدات إلى هواء أنقى: تحول بيئي في كوردستان العراق

شارك
حسب المواطنين، فإنه مع إطفاء المولدات، أصبح الجو أنقى وأكثر صفاءً، ودخان المولدات الذي يحتوي على ملوثات اختفى تقريباصورة من: Ismael Adnan/DW

أكثر من 2.7 مليون مواطن في إقليم كوردستان ينعمون اليوم بالكهرباء المستمرة، أي ما يقارب 40% من سكان الإقليم، وذلك بفضل مشروع "روناكي" للكهرباء المستمرة . هذه المبادرة تمثل خطوة مهمة نحو تحسين نوعية الحياة، خفض التلوث، وتعزيز التنمية الاقتصادية في مدن الإقليم.

الكهرباء دون انقطاع: خطوة نحو حياة أسهل

مع وصول الكهرباء على مدار الساعة، أصبح بإمكان المواطنين تشغيل الأجهزة المنزلية بحرية دون انتظار ساعات محددة كما كان الحال مع المولدات الأهلية. مشروع "روناكي" لم يسهم فقط في تحسين حياة المواطنين اليومية، بل أعطى الشركات المحلية فرصاً أكبر للنمو والتوسع بفضل توفر الطاقة المستمرة.

حتى الآن، تم إيقاف أكثر من 2,517 مولدة أهلية تعمل بالديزل في عموم كوردستان، ومن المتوقع أن يتم إيقاف أكثر من 7,000 مولدة بحلول نهاية 2026. الهدف الرئيسي للمشروع هو توفير كهرباء بأسعار معقولة لجميع المواطنين والشركات على مدار الساعة، مما يعزز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الإقليم.

المهندس حازم محمد، معاون مدير عام دائرة الكهرباء في دهوك، أشار إلى أن المشروع بدأ في 27 آذار/مارس 2025 في مركز مدينة دهوك، ويغطي حالياً 68% من سكان المدينة، أي نحو 81 ألف مشترك من أصل 118 ألف. وأضاف أن المراحل المقبلة ستشمل الأقضية والنواحي والقرى، بعد الانتهاء من المدن الرئيسية، مؤكداً أن إطفاء 310 مولدات أهلية داخل مركز دهوك فقط ساهم بشكل مباشر في تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يزيد على 400 ألف طن سنوياً، وتحسين جودة الهواء وخفض الضوضاء.

بخصوص التعرفة، أوضح محمد أن المشروع يعتمد على نظام تصاعدي لتشجيع ترشيد استهلاك الكهرباء، مع دعم حكومي مرحلي لتسهيل التكيف: 50% تخفيض في الشهر الأول، 25% في الشهر الثاني، و15% في الشهر الثالث. كما تم ضمان حقوق أصحاب المولدات عبر بقاء المولدات في مواقعها كاحتياط لحالات الطوارئ، مع دفع مبالغ ثابتة وأجور تشغيل عند الحاجة، دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.

المهندس حازم محمد، معاون مدير عام دائرة الكهرباء في دهوك: يعتمد المشروع على نظام تصاعدي لتشجيع ترشيد استهلاك الكهرباء، مع دعم حكومي مرحلي لتسهيل التكيف.صورة من: Ismael Adnan/DW

الأثر البيئي والصحي: من التلوث إلى نقاء الهواء

وفقًا للدكتور نجم الدين نيروي، أستاذ البيئة في جامعة زاخو، تُعد المولدات الأهلية المصدر الأكبر لتلوث الهواء في محافظة دهوك وكوردستان عموماً، إلى جانب ازدحام السيارات وبعض المعامل غير القانونية. المولدات البالغ عددها نحو 2000 مولدة في مركز دهوك تعمل بمعدل 8 ساعات يومياً، وتنتج كل لتر ديزل منها حوالي 0.45 غرام من ثاني أكسيد الكربون، ما يسهم في الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة . إضافة إلى ذلك، تسبب المولدات ضوضاء مزمنة تؤثر على راحة السكان.

ويؤكد نيروي أن التلوث الناتج عن المولدات يُعد سبباً رئيسياً لانتشار أمراض الجهاز التنفسي، وأن إطفاء هذه المولدات قد يقلل من التلوث الهوائي بنسبة تصل إلى 50%. مشروع "روناكي" يشكل خطوة حاسمة لمعالجة هذه المشكلة، ويصفه بأنه "أفضل مشروع أُطلق في كوردستان"، متمنياً أن يُطبق في جميع مدن الإقليم وأن تنتقل التجربة إلى باقي محافظات العراق.

كما يشير نيروي إلى أن مقارنة الوضع البيئي في بغداد والبصرة تظهر تفاوتاً كبيراً، حيث تُصنف بغداد ضمن أكثر المدن تلوثاً في العالم، وتعاني البصرة من ملوحة المياه ونقصها، بينما تبدو كوردستان أفضل كثيراً من حيث جودة الهواء والمياه، رغم وجود بعض النواقص. وأشار أيضاً إلى تزايد النفايات البلاستيكية كمعوق بيئي آخر يحتاج لحلول عاجلة.

"الكهرباء المستمرة غيّرت حياتنا"

كاوين حسين، 32 عاماً، يعمل نجارً في منطقة بروشكي ويسكن في حي الشرطة بمدينة دهوك، يوضح أن الكهرباء الوطنية لم تكن تصل إلا 3 إلى 4 ساعات يومياً، مما اضطر السكان للاعتماد على المولدات بأسعار مرتفعة، حيث بلغ سعر الأمبير الواحد 18 ألف دينار عراقي.

يقول كاوين: "رغم أنني لا أعرف بالضبط كم ستكلفني فاتورة الكهرباء الشهرية، إلا أن الكهرباء المستمرة أفضل بكثير. في معملي للنجارة، لم تكن الماكينات تعمل على المولدات الأهلية، وكنا نضطر للعمل ليلاً عند توفر الكهرباء الوطنية. الآن أصبح بإمكاننا تشغيل المكائن والعمل في أي وقت". ويضيف: "حتى لو كانت الفاتورة أعلى قليلاً، فالأهم أننا نملك كهرباء مستقرة، ويمكننا ترشيد الاستهلاك حسب الحاجة، والأهم أننا نتنفس هواء أنقى بالتأكيد".

ميديا عباس المندلاوي، وهي معلمة وكاتبة في مدينة دهوك، تقول إن الحياة قبل قدوم الكهرباء المستمرة كانت صعبة للغاية: "المولدات الأهلية كانت تحد من عدد الأمبيرات، وكنا نشهد انقطاع مستمر للكهرباء عند تشغيل أكثر من جهاز، وكان علينا إيقاف الأجهزة لإعادة تشغيل الكهرباء من قبل أصحاب المولدات، وهو أمر مزعج جداً في الصيف والشتاء".

تصنف بغداد ضمن أكثر المدن تلوثاً في العالم، بينما كردستان أفضل كثيرا من حيث جودة الهواء والمياه، رغم وجود بعض النواقص.صورة من: Ismael Adnan/DW

بعد وصول الكهرباء المستمرة، لاحظت ميديا تحسناً كبيراً: "يمكننا تشغيل الأجهزة بحرية، ونتعلم تدريجياً ترشيد الاستهلاك، مثل تشغيل جهاز واحد قبل الآخر، وهذا يساعد على استخدام الكهرباء بشكل أفضل: "كما أشارت إلى أن جودة الهواء تحسنت بشكل ملحوظ: "مع إطفاء المولدات ، أصبح الجو أنقى وأكثر صفاءً، ودخان المولدات الذي يحتوي على ملوثات اختفى تقريباً. التأثير الإيجابي على صحتنا واضح". وعن الفاتورة، قالت: "في البداية كانت مرتفعة قليلاً بسبب التجربة الجديدة، لكن مقارنة بالمولدات، فإن التكلفة متقاربة، والأهم أننا نستطيع تشغيل جميع الأجهزة بسهولة".

وتختم ميديا حديثها: "أكثر شيء شعرت بالراحة منه هو خلاصنا من الضجيج والملوثات البيئية. كامرأة عاملة، أصبح بإمكاني العودة من الدوام وتشغيل الفرن أو المايكرويف أو القلاية الكهربائية بسهولة، وهذا شعور بالراحة والاطمئنان. تعميم المشروع على باقي المحافظات ممكن إذا توفرت الإرادة والجهود المناسبة".

مستقبل مشروع "روناكي"

وفقاً لبيانات حكومة الإقليم، أدى إطفاء المولدات إلى تراجع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بواقع حوالي 240 ألف طن سنوياً، مع توقع الوصول إلى 1.4 مليون طن سنوياً عند اكتمال المشروع.

مشروع روناكي لم يغير حياة المواطنين فحسب، بل شكل نموذجاً عملياً لحل مشكلة الطاقة والتلوث في العراق . من خلال خطة واضحة لإنجاز المدن الرئيسية في 2025، ثم توسيع المشروع ليشمل كامل الإقليم بحلول نهاية 2026، يُتوقع أن يحدث تحولاً اقتصادياً وبيئياً كبيراً، مع تحسين الصحة العامة وتقليل الأمراض المرتبطة بالتلوث.

DW المصدر: DW
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار