قد تبدو زجاجة مياه فارغة أو عبوة مشروبات غازية قطعة بلا قيمة، لكنها تقف اليوم في قلب معركة على مستقبل جمع المخلفات في مصر.
فمن جهة، تمنح الماكينات الحديثة المواطن نقاطا أو مقابلا ماديا عند إيداع العبوات البلاستيكية والمعدنية، ومن جهة أخرى، تمثل هذه المواد مصدر دخل أساسياً للعاملين الذين يجمعون القمامة ويفرزونها يومياً.
ومع انتشار التجربة في عدد من المراكز التجارية والمتاجر الكبرى، تصاعدت مخاوف جامعي القمامة من خسارة الجزء الأعلى قيمة من المخلفات، مقابل بقائهم مسؤولين عن رفع بقايا الطعام والمواد الملوثة التي يصعب بيعها أو الاستفادة منها.
وتضع هذه المعادلة التكنولوجيا في مواجهة قطاع يقول شحاتة المقدس، رئيس رابطة عمال النظافة وجامعي القمامة، إنه يضم نحو مليون عامل.
وبينما تؤكد الحكومة أن الماكينات ليست بديلاً عن المنظومة التقليدية، يطالب العاملون بإشراكهم في أي تطوير جديد، وضمان ألا تتحول حماية البيئة إلى تهديد لمصدر رزقهم.
26 مليون طن سنوياً
يقول ياسر عبد الله، رئيس جهاز تنظيم إدارة المخلفات بوزارة التنمية المحلية، إن ماكينات استبدال العبوات لا يمكن التعامل معها باعتبارها حلاً منفرداً لأزمة المخلفات، بل أداة ضمن مجموعة من التجارب التي تستهدف دعم عمليات الجمع والفرز وإعادة التدوير.
وأوضح عبد الله، في حديثه إلى موقع "سكاي نيوز عربية"، أن حجم المخلفات المتولدة سنوياً في مصر يتجاوز 26 مليون طن، ما يجعل إدارتها بحاجة إلى منظومة متكاملة تبدأ بالفصل من المصدر داخل الوحدات السكنية.
ويتيح ذلك عزل المواد القابلة لإعادة التدوير، مثل البلاستيك والصفيح والكرتون والورق، عن المخلفات العضوية. أما اختلاطها منذ البداية، فيزيد صعوبة الفرز ويقلل فرص الاستفادة منها اقتصادياً وبيئياً.
وبالتوازي مع نشر ثقافة الفصل من المنبع، تعمل الدولة، وفق عبد الله، على تشجيع الشركات والجهات العاملة في القطاع على جمع المخلفات المفروزة وإعادة استخدامها، بما يرفع كفاءة المنظومة ويزيد العائد من التدوير.
وتوجد ماكينات استبدال العبوات حالياً في مناطق تسجل معدلات مرتفعة من الاستهلاك، بينها المراكز التجارية والمولات ومتاجر التجزئة الكبرى.
ويحصل المواطن مقابل إيداع العبوات على نقاط يمكن تحويلها إلى مكافآت، فيما يظل المقابل في المراحل الأولى رمزيا، لأن الهدف الأساسي هو تشجيع تغيير السلوك.
ويشدد عبد الله على أن التجربة لا تعني إلغاء دور جامعي القمامة أو الاستغناء عن مراحل الجمع والفرز والنقل، بل تقدم مساراً إضافياً للتعامل مع العبوات. كما أنها لا تزال قيد التقييم، وسيعتمد التوسع فيها على نتائجها وقدرتها على دفع المواطنين إلى التخلص السليم من المخلفات.
من يأخذ المواد الأعلى قيمة؟
على الجانب الآخر، يرى نقيب جامعي القمامة، شحاتة المقدس أن العبوات البلاستيكية والمعدنية ليست مجرد مخلفات، بل عنصر أساسي في المعادلة الاقتصادية التي تتيح للعاملين الاستمرار في جمع القمامة.
وقال المقدس لـ"سكاي نيوز عربية" إن العاملين يتمسكون بحقهم في المواد الصلبة القابلة لإعادة التدوير، وفي مقدمتها زجاجات المياه وعبوات المشروبات الغازية، محذراً من أن سحبها عبر الماكينات وترك بقية المخلفات لهم سيضعف قدرتهم على تغطية تكاليف الجمع والفرز والنقل.
وتعتمد المنظومة التقليدية على جمع المخلفات من المنازل، ثم فرز المواد التي يمكن بيعها أو توجيهها إلى مصانع إعادة التدوير. ويساعد العائد المتحقق من هذه المواد في تعويض العاملين عن التعامل مع المخلفات الأخرى التي لا تحمل قيمة اقتصادية.
ويقول المقدس إن انتقاء العبوات القابلة للبيع وترك بقايا الطعام والمواد الملوثة يفرض على جامعي القمامة عبئاً إضافياً، من دون توفير مقابل عادل. ويحذر من أن بعض العاملين قد يرفضون العمل في المناطق التي تنتشر فيها الماكينات إذا أصبحت عملية الجمع غير مجدية اقتصادياً.
الدمج بدلاً من الإقصاء
لا يرفض المقدس استخدام التكنولوجيا أو تطوير منظومة النظافة، لكنه يطالب بإدماج جامعي القمامة في النظام الجديد بدلاً من استبعادهم منه.
ويرى أن أي تطوير حقيقي يجب أن يتعامل مع المخلفات باعتبارها منظومة متكاملة، لا أن يقتصر على جمع المواد الأعلى قيمة. ويشمل ذلك رفع مختلف أنواع المخلفات وفرزها وإعادة تدوير القابل منها للاستغلال، مع ضمان استمرار العاملين الحاليين داخل المنظومة.
وبين الرهان الحكومي على تغيير سلوك المواطنين ومخاوف العاملين من فقدان دخلهم، يبقى نجاح التجربة مرتبطاً بقدرتها على تحقيق هدفين معاً: زيادة معدلات إعادة التدوير، وحماية الفئات التي بنت حياتها منذ سنوات على جمع العبوات وفرزها.
المصدر:
سكاي نيوز