لم يكن مقطع الإنقاذ الذي اجتاح منصات التواصل مجرد مشهد لطفل ينجو من الغرق، بل وثّق أيضا لحظات بدا فيها أن حارس الإنقاذ نفسه قد يصبح الضحية التالية.
وبعد انتشار الفيديو على نطاق واسع، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عزمه استقبال حارس الإنقاذ الشاب وعائلته في البيت الأبيض، ومنحه "وساما مدنيا رفيعا"، تقديرا لما وصفه بـ"الشجاعة الاستثنائية".
وقعت الحادثة على شاطئ سي برايت بمدينة سانتا كروز في ولاية كاليفورنيا، عندما جرفت أمواج قوية طفلا (10 أعوام) إلى داخل البحر، بعدما تبدلت حالة المياه بصورة مفاجئة.
وأظهرت اللقطات الطفل وهو يبتعد سريعا عن الشاطئ، قبل أن يندفع نحوه حارس إنقاذ يبلغ من العمر 16 عاما، كان يقضي أول موسم له في العمل بعد تخرجه حديثا في أكاديمية الإنقاذ.
لكن ما بدا في البداية عملية إنقاذ اعتيادية تحول خلال ثوانٍ إلى معركة مع البحر. وتُظهر اللقطات أن الطفل اختفى أكثر من مرة خلف الأمواج، بينما ظل حارس الإنقاذ متمسكا به رغم أن المياه كانت تجرّهما معا إلى الداخل، حتى بدا في بعض اللحظات أن المنقذ نفسه قد يحتاج إلى مَن ينقذه.
ورغم محاولة عدد من الموجودين تشكيل سلسلة بشرية للوصول إليهما، فإن قوة الأمواج حالت دون ذلك، قبل أن يصل حارس إنقاذ ثانٍ ويساعد في إخراجهما إلى اليابسة، حيث خضع الطفل لفحص طبي قبل أن يعود إلى عائلته دون إصابات خطيرة.
بعد انتشار القصة، كشف والد حارس الإنقاذ أن ابنه أنهى تدريبه قبل وقت قصير من الحادث، وكان قد أصر على إكمال برنامج التأهيل رغم إصابته بالحمى.
وقال الأب إن أكثر ما بقي عالقا في ذهنه كان جواب ابنه عندما سأله إن كان فكر في التخلّي عن الطفل حفاظا على حياته، فأجابه: "لم أكن لأتركه، لو تركته كان سيموت".
ولم يكن ذلك آخر اختبار له في ذلك اليوم، إذ شارك لاحقا -بعد انتهاء نوبته- في عملية إنقاذ ثانية خارج ساعات عمله، وفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية.
لم يكن ما لفت الأنظار مجرد نجاح عملية الإنقاذ، بل الظروف التي جرت فيها. فالشهود وصفوا الأمواج بأنها كانت ترتفع إلى ما بين 8 و10 أقدام (نحو 2.5 إلى 3 أمتار)، بينما كانت التيارات الساحبة تدفع الطفل والمنقذ معا إلى الداخل.
وقال الرجل الذي وثّق الحادث إنه لم يشاهد عملية إنقاذ بهذه الصعوبة من قبل، مضيفا أن الطفل "فُوجئ بقوة الأمواج وجرفته بعيدا"، بينما اضطر حارس الإنقاذ إلى مواصلة التمسك به رغم أن البحر كان يسحبهما معا.
كما أشار خبراء إنقاذ إلى أن الفتى تعامل بهدوء مع الأمواج، إذ كان يمر أسفل الموجات الكبيرة بدلا من مقاومتها مباشرة، وهي تقنية تساعد على تقليل تأثير الأمواج العاتية في مثل هذه الظروف.
تُعد التيارات الساحبة من أخطر الظواهر التي تواجه السباحين، وهي ممرات ضيقة من المياه تتحرك بسرعة من الشاطئ نحو عرض البحر، ورغم أنها قد تبدو غير مرئية، فإنها قادرة على سحب الأشخاص بعيدا عن الساحل خلال ثوانٍ، حتى لو كانوا يجيدون السباحة.
ولهذا توصي هيئات السلامة بعدم محاولة السباحة مباشرة نحو الشاطئ عند الوقوع داخل تيار ساحب، بل التحرك بمحاذاة الساحل حتى الخروج من مساره، ثم العودة تدريجيا إلى اليابسة أو طلب المساعدة.
وبحسب إدارة حدائق ولاية كاليفورنيا، لم تكن هذه العملية الوحيدة خلال ذلك الأسبوع، إذ نفّذ رجال الإنقاذ في منطقة سانتا كروز عشرات عمليات الإنقاذ بسبب الأمواج العالية والتيارات الخطرة، المرتبطة بأمواج ناجمة عن أعاصير مدارية في المحيط الهادي.
ودعت السلطات الزوار إلى توخي الحذر، محذرة من أن تغيّر حالة البحر قد يحدث خلال دقائق، حتى في الأيام التي تبدو فيها المياه هادئة.
ربما تكون عملية الإنقاذ استغرقت دقائق معدودة، لكنها غيّرت حياة بطلها بالكامل. فالمراهق الذي نزل إلى البحر وهو يخوض أول موسم له كحارس إنقاذ، وجد نفسه بعد أيام في صدارة وسائل الإعلام، ثم ضيفا مرتقبا في البيت الأبيض، بعدما حوّل مقطع قصير على شاطئ في كاليفورنيا واحدة من أصعب عمليات الإنقاذ إلى قصة شجاعة تابعها الملايين.
المصدر:
الجزيرة